لا تحتكمي
الشاعر: عبد الله بن علي الخليلي · البحر: المقتضب
«لا تحتكمي» من شعر عبد الله بن علي الخليلي، وتقع في ٢٤٢ بيتًا. نُظمت على بحر المقتضب.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
المقطع الأول ... ---
مُنَى ... أنت مناه وهواه
وعيشه الذي به يعيش ونعيمه المقيم ... وسعادة الحياة
فتابعي خطاه ... وأحسني عشرته كما يليق
لا تحتكمي ... في ماله ولا تحكمى
في شأنه ... لكن دعيه والذي يشاؤه
لا تستغلي حبه ... إياك
وسفاسف الأمور ... والذي ليس يعود لك أوله
بنفع ... أو بعز أو بجاه
لا تستغلي أبدا غفلته ... لكن كما يأمل كوني لتكوني موضعا لثقته
على الصفا ... منك
والوفاء والإخلاص ... تكسبي الرضا
مباركا ... من ذي الجلال الله جل شأنه
ومن بنى جيلك والقرين ... فاكسبي رضاه
*** ... المقطع الثاني
--- ... إن كان غرك الذي يدور
في خَلَد الحسان ... مثلما يدور
من أنها نصف الوجود ليشتري ... وإن ذلك النصف الأخير
في يدهن كالأسير ... ليس له إلا كما شئن مصير
ومنطق العصر الحديث مثلما يقلنه ... لو سئل اليقين
لو سئل الحقيقة التي انبنى عليها ... ذلك الرأي الخطير
عاد وفكره حسير ... لكنه منجرف وراءه لا يرعوى
ولبه ... وعقله الواعي كان يطير خلف المستطير
تناقض غريب ... تباين عجيب
*** ... المقطع الثالث
--- ... الله
الله يا ابنة الدين الحنيف ... عالي الصروح
مثلما شاء الجلال باذخ العروش ... راسى الدعامات
متين راسخ نجاره الشريف ... راسى الجذور
عودي إليه إنه القيد الذي ... به تقيدتِ
وقيدتِ به كل خطير ... كل صغير وكبير
قيد الهدى قيد التقى قيد الشعور ... لو رام أن يفكه دهرك
لا نفكت عراه ومشى في وهمه ... مشى العثور
عودي إلى تعليمه فإنه ... علمك العيش نظاما وسلاما
في السرور ... على الوئام والحبور
وانجلت آياته على السرير ... تنّظم الكون
وتستدّر في الوجود حكمة التكوين ... يدين لنظامه
كل نظام في الوجود ... وهو على عليائه ليس يدين
علمك الثبات ... علمك الصمود والدهر شرور
وإن تلن من غيره قناته ... لنظم مستوردات
ونظريات ... توافدن إليه من بعيد
فيا له من شامخ كالطود راب لا يلين ... تعلقي بركنه
واعتصمي بحبله فحبله متين ... ***
المقطع الرابع ... ---
عودي إلى زوجك بالخلق الكريم ... بطاعة
يفرضها عليك ذو العرش العظيم ... لزوجك الحميم
والمصطفى ... حيث يقول في مقاله الحكيم
يقول ما معناه ... هاَ لوْ أمرت أحدا يسجد دون الله
لابن جنسه ... أمرت ذات الحسن
أن تسجد للزوج الحليم ... حاشا الرسول في عظيم خلقه
في حكمة السوىّ في الأنصاف ... في عدالته
حاشاه أن يقصد بالإهانة الحسنا ... وقد أوصى بها خيرا
وأعلا شأنها فوق الحدود ... لكن لكيما تعرف الحق لذياك القرين
فتؤديه ... كما شاء لها الله الحميد
وتستقيم ... ويستقيم الكون في نظامه الحكيم
فلا يشذ أبدا ولا يحيد ... فإن (( قوّامون ))
فيه طابع ... ينظم الحياة والوجود
*** ... المقطع الخامس
--- ... وأنت يا وادع
بل يا حمل العقل البليد ... قم
فاقرا كتاب الله جل شأنه ... فهو شفاء للصدور
وهو ينادي كل ذي رأى سديد ... ويحك لِمْ عنه تحيد
تسمعه يقول ... (( واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ))
فتدبر أخريات ما يقول ... (( واضربوهن ))
فاصْغ إليه وتدبر إذ يقول ... (( فإن أطعنكم ))
من ألزم الطاعة للآخر منكم يا بليد ... أم أنه غير كما
ذاك المنادى من قريب أو بعيد ... يا لك من قول كمشبوب حديد
يغرس في النفس الاِبا والوفا ... يغرس في النفس الصمود
بات يناجى ... كل صنديد أخى عزم عتيد
يعرف آفاق الكلام ... ويرى
في شمسه وبدره المضئ ... آيته الكبرى تضئ من بعيد
فيضع الفصّ على النصّ ... فيبدو ليناّ طوراً وتارة شديد
*** ... المقطع السادس
--- ... كعمر الفاروق إذ شُجّ بمفتاح حديد
شجّته زوجه فقال يا تُرى ... ضعيفة
لم تبغنى بالسوء ... لكن
لدوافع الحب القديم ... تدافعت نحوى
فزاد الشوط في طموحه على المدى ... وحلبة السبق
إذا ما ارتكزت غلوتها ... على طموح الأدب الغض
فلا لوم على ذاك الشرود ... وترك المنزل
راضيا فصل قضائها الشديد ... ما باله
وأم كلثوم نقيّة الجيب ... الفتاة
زوجه الصغرى ... فتاة المجد والفخر العتيد
بنت أبي السبطين والجَدْ النبي المصطفى ... زين الوجود
أشرف من مشى على هذا الأديم ... ما باله
لما رآها ورآى من تحتها ... حصيرة
زاهية كأنها فرو كريم ... ما باله لم يتريث
أن دنا منها بوجه يتلظى غضبا ... ثمة أهوى بيديه
ممسكا ... بطرفي حصيرها الصغير
ثم رَمى بها ... من فوقه
كأنها قلامة تحت الحصير ... ثم علا هامتها الشما
به ... بضربة فيها النكير
وقال أنّي لك ذا ... قالت أبو ذر الصحابي الكبير
أهداه لي ... وإنني لمن علمت عفة ومحتدا وشرفا
وهو بمثلها شهير ... فأخذ الحصير واستدعى أبا ذر
وقال ... يا هذا أما يخجلك الإهداء
للنساء ... وهي في الخدور
ثم علاه دِرة وقال كالنذير ... إياك
إياك إن تفعلها حتى النشور ... ذاك أبو حفص
اللبيب المستنير ... دوافع الغيرة شيء لا يطاق
والفحل بالطبع غيور ... ولم يعب ذاك
أبو السبطين وهو ملء الدهر والأيام ... في فخر وصيت مستطير
يأخذ ما شاء من الدنيا ويقضي ما يشا ... وهو قدير
لكن أقر فعلة الفاروق ذي الجاه الخطير ... كما أقرته فتاته الطهور
*** ... المقطع السابع
--- ... وقصة على لسان الحيوان
هاكها ... فخذ بها العبرة والعبرة نور
يروى بان رجلا ... كان له عَير وثور يعملان في الحقول
ذا يحرث الأرض ... ويمتح الدلاء للرى لسقى الأرض
والأرض وَصول ... والعَير
يحمل المتاع والمحصول ... من هنا إلى هنا
وقد رآى ... متاعبا من ذلك الحمل كما يلقى الذلول
جاع الحمار مرة ... فقال للثور تمارض يا نبيل
لعلهم ... يعاملونك الجميل
رحمة فتستريح ... ودع طعامك الكثير
اكفيكه ولا نكير ... واكتم حديث بيننا ولا تبح
فالويل كل الويل ... للذي يبوح
ففعل الثور كما قال له ... زميله
وربما غشك في النصح النصيح ... فسمع السيد ما قالاه
كله ... وكان يدرى ما يقول الحيوان
لكنه يكتمه فلا يبيح ... إذ أنه إذا أباح السر جهرا فليبادر
للضريح ... لذلكم خبّأها بنفسه
لكنه ... قال لغلمان له
خلوا الحمار الشهم في الأعمال هذا اليوم ... خلوه
مكان الثور فالثور طريح ... ففعلوا ما أمروا به
فكان عملا ... أنكأ للحمار من وقع الجروح
فعاد للثور يقول ... يا اخي
سمعت فيك ما يسوء خاطري ... جدا
فاخشى أن يكون ذياك الذبيح ... فقم
وسارع لطعامك الشهي ... وازدرده
نشطا فعل الصحيح ... وقلب الأرض بقرنيك يميننا وشمالاً
وتعمق في الثؤاج ... والرغاء
واستدع الغبوق والصبوح ... فضحك السيد لما سمع القول الصريح
من الحمار ... حين تاب توبة شبه نصوح
*** ... المقطع الثامن
--- ... ففطنت زوجته الحسناء
ذات الغنج والدلال ... ذات المحاسن التي
تبهر أرباب العقول الباهرات ... والجلال
ذات العيون الحور والطرف الكحيل ... والصوت الرخيم
ذات الشفاة الحمر والخد الأسيل ... والجمال
فسألته ما الذي أضحكه ... وأحرجته في السؤال
يا ويحه ... كم حاول الخلاص من أخبارها
بحيلة ... وألف حيلة فلم يُجْدِ احْتيال
ثمت قال أن أنا ... كشفت هذا السر أقضى
دونما شك ... ففيم الإنفعال
وصبيتي كما ترين ... صبية
ليس لهم عني غنى ... أهكذا حبك يا حسناء قال
فصرخت في وجهه ... مت إن تشا أو فاحى اغضائى عن الفصح
محال ... قال لها أُوصى
وأقضي ما علىّ من ديونْ ... ثم أوافيك لتوديع العيال
فحزن الحمار والثور ... لما
عسى يرى السيد من شر نكال ... وهل تُرى وارثه يرعاهما
كرعيه ... ذاك بعيد الإحتمال
*** ... المقطع التاسع
--- ... وصفق الديك على رأس جدار
طربا ... وردد الصداح بين غيده
ثمت قال ... لي أربعون امرأة وسعتهن أدبا
فلا يطيقنّ ... خلافي واعتراضي قط في شئ
بحال ... وربما يهربن من خوفي
فاعدو ... خلفهن نشطا محكما في الرأس منقارا
كرمح أو نصال ... فيتضاءلن أمامي راضيات أبدا
رشق النبال ... وسيدي
له فقط امرأة واحدة ... تحكمت
في شأنه الخاص إلى حد الفناء ... ويحي عليه
إنه فدم جبان ... أهكذا شأن الرجال
وأينهُ من (( علّقِ السوط )) ... بحيثما أهلك قد تراه
جاء في مقال ... يا فرحة السيد إذ أيقظه الديك
لأمر فيه بال ... وقال هذي
خطوة ... فيها نجاتي من هلاك واحتكام لا يقال
*** ... المقطع العاشر
--- ... وقال للزوجة
يا ترين ... مصرة ويك على طلبتك التي
أنت بنيتيها ... على عش الوبال
ترين ... أم أقلعتِ عنها والارادات سجال
قالت له ... عجل لي المطلوب لا تكثر جدال
قال إلى الحجرة ... حيث الناس لا يدرون
ما ثم يقال ... فدخلا وقد أعدّ السوط
للتأديب ... لا لاهانة يرومها بها كلا
ولا قصد نكال ... وأغلق الأبواب كلها
وهي في غرفتها ... تنتظر السر المصون المختبا
تحت الرمال ... تحسبه ورد خدود أولمى
أو دمى ... راقصة في وشيها بين الحجال
لكنه جاء بلون آخر ... الله
يا لدهشتي ... مالي
أرى السر من الصوت انهيال ... مالي أرى الأخلاق
قد تنكرت ... أهكذا شان الرجال
ثمة قالت ... والدموع لؤلؤا في خدها
كالوبل ... يهميه مع الفجر السحاب
رفقا حبيبي ... فالهوى جربته
ولم أجده قبل يومي شائكا ... إن ذا شيء عجاب
ونشجت ثم تلّوت مرة ومرة ... أخرى
وصوتها تنفح عنه نبرات من عتاب ... فضمها
وقال ما أحلى العتاب ... إن يكن إثر دموع رقرقتها
أعين كسرّ من أجفانها ... تراجُع الحبيب
بعد جفاء في الحديث مستطاب ... كالوردة الحمراء
لولا شوكها القاسي ... لما لذ جناها
ولما عزت أزاهيرَ رباها في الخطاب ... وضمها أخرى
لتفويض جفاء مارد ... أيقظه
السوط متى مسّ الإهاب ... ثمة أرخى الستر
ستر اللطف كي يمسح ما ران على الذهن ... المصفىّ
والتعاويذ غلاب ... المقطع الحادي عشر
وخرجا زوجين كل منهما ... يعرف ما لِحبه
من الحقوق ويخاف الاغتصاب ... خشونة
شيبت بماء اللطف لو أبصرتها ... تجسدت فيه
ولو أبصرته فيها كطل الورد ... في الأشواك ذاب
أبصرت سر الله في التكوين ... والجنسان
كل منهما مكمل الثاني ... ولكن
باختلاف النزعتين ... واختلاف النزعتين هو سر الائتلاف
بين سيف ونقاب ... ***
المقطع الثاني عشر ... ---
وهذه أُقصوصة بطلها الديك ... ومن ناموسها الحسناء
وفي إطارها ... موعظة وعبرة لا قسوة
على بَرودات الرضاب ... وهكذا
فليك مثل عمر ... كل أخي حسناء كالدر المذاب
في درعه الشدة واللين ... وفي
بسمته الرقة باللطف تشاب ... وفي يديه
نعم بيض وفي فضاء عينيه بريق ... كالحراب
وكعلي ذي الفقار فليكن ... كل ولى
أنه الفحل الذي يرعى حقوق الله والصهر ... كما يرعى الصحاب
اصدق من فدى بغالي دمه ... نبيه
ومن قضى بشرعه عدلا ... ومن عفّر وجهه التراب
وكفتاته الحَصان ... فلتكن
كل فتاة ذات زوج أريحى ... وكيف لا
وأمها فاطمة الزهراء أفضل الكعاب ... وجدها الهادي
أبو القاسم خير الرسل خير العالمين ... طاهر الجناب
والدها حيدرة ... باب مدينة العلوم
سلاسل ... من شرف تحدّرت عن شرف فشرف
بين القباب ... ***
المقطع الثالث عشر ... ---
إني أهيب ببني الدين الحنيف ... كلهم
كما أهيب ببناته الحسان ... إن يقلدوا أولاء في سلوكهم
فإن في تقليدهم رضا الآله ... ودوام العز
والخير الكثير والفجر العتيد ... والجلال والكمال والثواب
اولئكم ... رأيهم الإجماع أصل ثالث شاب الزمان حوله
وهو شباب ... دعني رجعيا ورأي رأيهم
وسُنَة المختار هديى ... والكتاب
ولا تقل تقدميا ... يدي من هديهم
صفر ... كما اصفرّ الوطاب
وحسبي الختم بهدي المصطفى ... وهديهم
مسكا سرى ينفح عنه بالصلاة والسلام ... طاب
لسيد الرسل وآله الصيد ... ومن
أخلص في النصح له من الصحاب ... ***
البحر والقافية
القصيدة على بحر المقتضب. بحر نادر قليل الورود، سُمّي مقتضبًا لأنه اقتُطِع من المنسرح.
تفعيلاته: مفعولاتُ مستفعلن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- المقطع: قطع: القَطْعُ: إِبانةُ بَعْضِ أَجزاء الجِرْمِ مِنْ بعضٍ فَصْلًا. قَطَعَه يَقْطَعُه قَطْعاً وقَطِيعةً وقُطوعاً؛ قَالَ: فَمَا بَرِحَتْ، حَتَّى اسْتبانَ سُقَابُهَا ... قُطُوعاً لِمَحْبُوكٍ مِنَ اللِّيفِ حادِرِ والقَطْعُ: مَ … (لسان العرب)
- عشرته: عشر: العَشَرة: أَول العُقود. والعَشْر: عَدَدُ الْمُؤَنَّثِ، والعَشَرةُ: عَدَدُ الْمُذَكَّرِ. تَقُولُ: عَشْرُ نِسْوة وعَشَرةُ رِجَالٍ، فإِذا جاوَزْتَ العِشْرين اسْتَوَى الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَقُلْتَ: عِشْرون رَجُلً … (لسان العرب)
- فتابعي: تبع: تَبِعَ الشيءَ تَبَعاً وتَباعاً فِي الأَفعال وتَبِعْتُ الشيءَ تُبوعاً: سِرْت فِي إِثْرِه؛ واتَّبَعَه وأَتْبَعَه وتتَبَّعه قَفاه وتَطلَّبه مُتَّبعاً لَهُ وَكَذَلِكَ تتَبَّعه وتتَبَّعْته تتَبُّعاً؛ قَالَ القُطامي: وخَي … (لسان العرب)
- مناه: منأ: المَنِيئَةُ، عَلَى فَعِيلةٍ: الجِلْدُ أَوَّلَ مَا يُدْبَغُ ثُمَّ هُوَ أَفِيقٌ ثُمَّ أَدِيمٌ. مَنَأَه يَمْنَؤُه مَنْأً إِذَا أَنْقَعه فِي الدِّباغِ. قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: إِذَا أَنتَ باكَرْتَ المَنِيئةَ باكَرَت … (لسان العرب)