عـنـد الـموصلي
الشاعر: عبد الله بن علي الخليلي · البحر: الطويل
«عـنـد الـموصلي» من شعر عبد الله بن علي الخليلي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الدال.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سرى الشوق يطوي الليل والليل مزبد — يـئن كما أنَّ السليم المسهّد
وأضحى يجوس الحي بين حسانه — يسارقهن اللحظ والليل أربد
من الغور غارات عليه تخيفه — ولا نجده من نجدة الدّهر تـُسعد
لديه أقاصيص حسان يقصها — على فـتيات الحي والحي يشهد
أقاصيص للمهديّ فيها سوائم — تسام على حكم الغرام وترصد
يهش إليها السامعون كأنما — يديرون كأساً من يذقها يعربد
فأصغ إليها بين هارون عصرها — ومأمونه والجيل بالفن يفخر
سمعت الغناء عن وحيد زمانه — يحدث عن إسحاقه ويعبر
مغنٍّ ولكن للخليفة وحده — وعازف عود للخلافة يحصر
رمته بسيف اللحظ بيضاء طفلةٌ — لعوب جواري القصر عنها تقصر
وعاش يغني إذا يغني بحبها — وباتت به في سرها تـتضور
ولكنه ما كان يخلو لنفسه — فواقا فيسمو للقاء ويعبر
وكم قد تمنى خلوة من حياته — يمج بها كأساً من الأنس مترعا
فواتـته خلسا والزمان كأنما — يروض له ساجي المدامع أتلعا
فلما أجنّـته مع العود ليلةٌ — غُدافـيّة مذ راهقت لم تبرقعا
يضاحكه فيها من البرق مبسم — ويـبكي له طرف من الغيم أدمعا
وللبرد فيها هزة إثر هزة — وللريح بين المانويات مدعى
تمنّى بها وصل الحبيب ولم يزل — يصور أحلام المنى متوقعا
وبات يناغي العود والكأس حوله — يمج به التذكار والعود عازف
فما هي إلا غفوة الديك أو سما — إلى سمعه من جانب الباب هاتف
يقول بصوت فيه أنفاس شيّق — أيدخل محبوب على الباب واقف
فـثم سرت في نفسه قشعريرة — فهب وأنفاس الرجاء تـَرادَف
يقول أحقاً يا حبيبـي تحققت — مناي أم الظلماء وهي عواصف
وأسرع نحو الباب يفتح قفله — يعانقها والقلب بالحب واجف
يجاذبها نحو السرير وقد خلا — له الجو والأشواق ثم نصيره
فقالت سريت الليل نحوك والهوى — كـتابي وأنـّات الغرام سطوره
فقم وابغ لي عوداً جديداً وعازفا — فقال أنا للفن ويك أميره
فما بالنا نبغي لنا ثم ثالثا — فـترفع عن سر الوصال ستوره
فقالت إذا غنى وقام بدوره — تـنحى ولا سر يخاف ظهوره
فبادر نحو الدرب ينظر أو بدا — له ظرف أعمى بصير ضميره
فقال له هل تعرف العود والغنا — فقال نعم إني بذياك عارف
فجـئني بعود أحكم الفن صنعه — أداعبه والنيـرات كواسف
فغنى كما شاءت تواقيع عوده — يصوغهما بـيتين وهي كواشف
تصرح عما كان قبل دقائق — وما قاله المحبوب حيث العواطف
سرى يقطع الظلماء والليل عاكف — حبيب بأوقات الزيارة عارف
وما راعني إلا السلام وقوله — أيدخل محبوب على الباب واقف
هناك اشمأزت نفسها وتنكرت — عليه وقالت بحت بالسر خائنا
أتيتك والدنيا عيون وظلمة — أخفف وطئي أن أصادم كائنا
وكنت حريّاً إن تكن صادق الهوى — بأن تـقطع الظلما إليّ كمائنا
فما كان إلا أن رأيت مغنيا — فأطلعـته أسرارنا والضنائنا
فقال ورب البيت ما فهت عنده — ببنت لسان , والهوى لست مائنا
وقام إليها قبلة بعد قبلة — يكاد يُرى من خيفة السخط حائنا
وأتبعها عضاً وضماً مداجيا — حفيظتها أن تستجيش وتغضبا
وما زال بالعتبـى لها أو تسامحت — وقالت له داوِ الفؤاد المعذبا
وقل للمغني غننا قال طاعة — فغناهما صوتاً من الراح أعذبا
يزجيهما بيتين هاكهما كما — ضممت إلى السمطين دراً مثقبا
ألا ربما زرت الملاح وربما — لمست بكفيَّ البنان المخضبا
ودغدغت رمان الصدور ولم أزل — أعضعض تفاح الخدود المكببا
هنالك لم يملك وتملك شعورها — وقد أدركا أن المغنَّى موبق
وإن عماه أو تعامي عيونه — مكيدة بنت النيل والصدق موثق
فلم يعرفا ما يفعلان هنا لكم — سوى الاحـتشام فهو بالحال أليق
وقال لهم هل مستراح بداركم ؟ — معدّ لها علِّي به أترفق
فسار ولم يرجع إليهم فـفتشوا — فلم ير فيما بـينهم مترفق
فجاسوا خلال الدار بحـثاً فما رأوا — له أثراً والقفل للباب مطبق
فقالا : غريب ما ألـمّ وحادث — رهيب طوته الحال في قالب السر
فأنى لنا أن نرفع الستر دونه — فنعلم ما تحت الطوية من أمر
فصاح بهم من كوة الدار صائح — أبو مرة ذاك المغني بلا شجر
فلا تخشيا باساً فإن أباكما — أبو مرة يرعاكما طيلة الدهر
وما برحت هذي الأساطير أسطرا — بعصر بني العباس في ورق الفكر
فلا تـُحرماها واختما بسلافها — حياتكما فالمسك في خاتم السكر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- السليم: السَّلِيمُ : السّالِمُ من الآفات ونحوها يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ، إلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.-: الملدوغ؛ حُمِلَ السّليمُ إلى المستشفى فعاجلَه الطّببب بدواء مضادّ للسُّمْ.-: الجريحُ المُشفي على …
- الغور: غور: غَوْرُ كلِّ شيء: قَعْرُه. يقال: فلان بعيد الغَوْر. وفي الحديث: أَنه سَمِع ناساً يذكرون القَدَرَ فقال: إنكم قد أُخذتم في شِعْبَين بَعيدَي الغَوْرِ؛ غَوْرُ كل شيء: عُمْقه وبُعْده، أَي يَبْعُد أَن تدركوا حقيقةَ علمه كا …
- المسهد: المُسَهَّدُ : مفعـ.-: القليل النَّوْم؛ ألمَّ به من الهموم ما تركه مُسهَّداً.-: اليَقِظُ الحَذِرُ.