ذات الخمارين
الشاعر: عبد الله بن علي الخليلي · البحر: الطويل
«ذات الخمارين» من شعر عبد الله بن علي الخليلي، وتقع في 53 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
دعيني من هذا الأسى والتذمر — ومن لبسة الحرباء في كل مخبر
دعيني من هُجر المقال تطاولا — يخالطه عذر كمشي التعثر
ولا تمزجي بالهزل جد مكابر — ولا تعكسي فالحب غير التهور
ولا تحرقي قلبـي بنار حفيظة — فما ثم ميدان لوثبة أشقر
ولا توغري همي عليّ فإنني — أحس بصدري جاحماً من تسعر
ولا تذكري لي فضل غيري فإنما — يشب سعير الحرب وخز المعيرّ
أتلهبني الحسناء وهي مغيظة — وأرضى حياة الوغد فقعاً بقرقر
وتأخذ من عرضي وجاهي لسانها — كأن لم أكن بين الورى فوق منبر
وتنشط في وجهي بكل بساطة — كأني من بعض الفتات المخمر
وتضحك بي هزؤا وما لي مذمة — ولكن دهراً إن رأى الفضل ينكر
وتحتقر المعروف مني تنكراً — وتنتقص العرض الكريم وتزدري
وتعرض إعراض الغزال تجنياً — وتفتك بي فتك القضاء المقدر
وتشتارني أريا وأشتارها أذى — وتتركني كالخاسر المتحير
وتجمع لي شتى الهموم كما غدت — تشتت ملموم السرور المعبهر
وتصبح لي في لبسة ماردية — وتمسي بأخرى كالجحيم المسعر
أشاطرها ثوبي هوى وكرامة — وتقعد حولي قعدة المتكبر
وأوسعها مالي وجاهي تكرما — وتوسعني مثل الذعاف الممرر
وأستقبل الدنيا ضحوكاً تجاهها — وتستقبل الدنيا بخد مصعّر
لك الله يا بنت الكرام الألى بنوا — على المجد صرحاً شاده كل شمري
وبنت اللهاميم السعاة إلى العلى — إذا ما ونى عن شأوها كل عبقري
أولئك إن يفخر بمجد جدوده — فخور فما أولاك منهم بمفخر
ألم يطأوا أعناق كل مكابر — وكانوا ملوكاً رغم كسرى وقيصر
ألم يقهروا الأملاك في جبروتها — ويخضوضعوا منها مكان المجوهر
ألم يحفظوا الأنساب في صدفاتها — على شرف من باذخ متخير
لك الخير يا ذات الخمارين إنني — لمن جوهر أنمى على كل جوهر
ألست من القوم الذين تحكموا — على الكون في عيص النجار المطهر
كماة المنايا السابقين إلى الردى — إذ الحرب حبلى من ضراب المذكر
يهشون تحت الهول في مرهافاتهم — إذ الأرض عطشى للدم المتفجر
إذا الملك الجبار ساءت سبيله — أتوه بأطراف القنا المتكسر
فخطوا ولكن من كريم نجيعه — على الكون درساً من تلقاه يبهر
أولئك أشياخي الألى قد تربعوا — بعرش المعالي عن كبير لأكبر
هم ذللوا الدنيا ومن في ربوعها — على طاعة الرحمن تحت السنوَّر
هم القوم أفنوا في رضا الله عمرهم — ولم يهنوا للحادث المتغشمر
هم القوم عين الله غير سخية — بهم وقضاء الله غير مغيِّر
سلي الدهر والأملاك في سبحاتها — سلي القمرين عن علا القوم تخبري
أرابك هذا الدهر في سطواته — وتحطيمه هام الكمي الغضنفر
وجرأته ظلما على الفضل والهدى — وأهل الهدى والفضل من كل معشر
وسطوته بالعلم والحلم والحجا — وتمرين أهل الله في كل مخـفر
وفتكته فيهم بكل بقية — كما فتكت في قومها ريح صرصر
دعي الحزن من صرف الزمان فإنه — يدور بمعروف وطورا بمنكر
ولا تجزعي ذات الخمارين إنما — يقاوم صرف الدهر من لم يفكر
فربَّة موهون الجناح مكسر — أريش فلم يدركه من لم يكسر
ورب حقير ساعدته عناية — فأصبح فوق النجم غير محقر
وكم من عظيم غره الدهر فانثنى — به الجد يهوي تحت أم حبوكر
سنحيـى كما شاء الإله أعزة — ونقضي وعين الله منا بمنظر
وتصحبنا الدنيا على رغم أنفها — بفتح وتمكين ونصر مؤزر
ونستقبل الأخرى بثوب شهادة — عليه خلوق من نجيع معطر
كذا من رأى ذا البطش في سطواته — وإعزازه للمخلص المتنور
وما المرء إلا مفرط أو مفرط — وآخر بالتوفيق كالمتبصر
وما الناس إلا ناشط في رجائه — فمجتهد أو قانط غير مجتري
يضاف إلى التوفيق من ذاك فعله — وينسب للتفريط هذا فأجدر
وكم رمت الدنيا على المرء غشها — فسمّنه التوفيق لحظة مبصر
فأكرم بعيش فاح مسكاً ختامه — وأعظم بحتف فوق صهوة أشقر
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- التعثر: تَعَثَّرَ يَتَعَثَّرُ تعَثُّراً : زلَّ وكبا؛ يتعثّر السائر في الطريق المظلمة / تعثّر بأذيال الخيبة، أي عاد مُخفقاً / تَعَثَّر المشروعُ، أي واجه بعض العقبات / تعثّر لسانه، أي تلعثم.
- التهور: تَهَوَّرَ يَتَهَوَّرُ تَهَوُّراً : انهدَم وسقط؛ تهوَّر البناءُ القديم.- الشخص: أقدم على الأمرِ من غير مبالاة أو توقُّع للعاقبة؛ تهوَّر إذ وضع ماله كله في مشروع لم يدرسه جيدا.- على غيره: اعتدى عليه في طيش ونزق؛ احذرْ مَنْ …
- الحرباء: الحِرْبَاءُ : دُويبَّةٌ معروفة بالتلوّن للتشبه بما حولها للتخفي، يُضْرب بها المثَل في الحزم والتلوّن/ فُلانٌ أحْزَمُ من حِرباء/ تلوَّن تلوُّن الحرباء ج حَرابِىُّ.
- الوغد: وغد: الوَغْدُ: الخفِيف الأَحمقُ الضعيفُ العقْلِ الرذلُ الدنيءُ، وَقِيلَ: الضَّعِيفُ فِي بَدَنِهِ وقَدْ وَغُدَ وَغَادَةً. وَيُقَالُ: فُلَانٌ مِنْ أَوْغادِ الْقَوْمِ وَمِنْ وغْدانِ الْقَوْمِ وَوِغْدانِ الْقَوْمِ أَي مِنْ أ …
- بالهزل: هزل: الهَزْل: نَقِيضُ الجِدّ، هَزَلَ يَهْزِلُ هَزْلًا؛ قَالَ الْكُمَيْتُ: أَرانا عَلَى حُبِّ الحياةِ وطُولِها ... تَجِدُّ بِنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ ونَهْزِلُ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الَّذِي فِي شِعْرِهِ. يُجَدُّ بِنَا؛ قَالَ: …
- بصدري: صدر: الصَّدْر: أَعلى مقدَّم كُلِّ شَيْءٍ وأَوَّله، حَتَّى إِنهم لَيَقُولُونَ: صَدْر النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وصَدْر الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَمَا أَشبه ذَلِكَ مُذَكَّرًا؛ فأَما قول الأَعشى: وتَشْرَقُ بالقَوْل الَّذِي قَدْ …
- بقرقر: القَرْقَرُ : المطمئنَّ اللَّيِّن من الأرض.- من الوديان: الأملس الذي لا شجر فيه ولا حجارة.- من البلدة: نواحيها الظاهرة؛ شاهد السائح قرقر المدينة.