روح البردة
الشاعر: عبد الله بن علي الخليلي · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة شوق
«روح البردة» من شعر عبد الله بن علي الخليلي، وتقع في 320 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الميم، وغرضها قصيدة شوق.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أمن تذّكر جيران بذى سلم — سريت تهوى بقلب منك محـتدم
أم من بَوادٍ بِواد مسها لهب — مزجت دمعا جرى من مقلة بدم
أم هبت الريح من تلقاء كاظمة — وفاض منك سواد العين عن ندم
أم جادك المزن فياّضا بصيِّـبه — وأومض البرق في الظلماء من إضم
فما لعينك أن قلت اكففا همتا — بعارض هتن ينهلّ كالديم
وما لحبك كالأفعى للامسها — وما لقلبك أن قلت استفق بهم
أيحسب الصب أن الحب منكـتم — والبـيض تـقدح زند البيض بالضرم
وللجفون تبارٍ في مدامعها — ما بين منسجم منه ومضطرم
لولا الهوى لم ترق دمعا على طلل — ولا رقبت الدجى في طفرة الحلم
ولا هرقت دَماً بالدمع ممـتزجا — ولا ارقت لذكر البان والعلم
فكيف تـنكر حبا بعدما شهدت — به عليك عيون منك لم تـنم
واكّدَت صدق ما أملت عدالـتها — به عليك عدول الدمع والقسم
واثبت الوجد خطي عبرة وضنى — كالزهر في الورد أو كالزهر في السلم
كأن خطيه في لونيهما ارتسما — مثل البهار على خديك والعنم
نعم سرى طيف من أهوى فأرقني — فرحت أسبح في بحر من الغمم
فالحِب لا تخطئ الألباب رميـته — والحب يعترض اللذات بالألم
يا لائمي في الهوى العذري معذرة — فالقلب من عذرة فاعذره أو فلُم
تلومني والهوى في ثوبه صلة — منى إليك ولو انصفت لم تلم
عدتك حالي لا اسّرى بمستـتر — ولا عزامى بمحمي من الـتهم
ولا فؤادي له ستر يجنبه — عن الوشاة ولا دائي بمنحسم
محضتنى النصح لكن لست أسمعه — ولا أميل إليه فهو كالعدم
أما سمعت مقالا جاء في مثل — أن المحب عن العذال في صمم
أني اتهمت نصيح الشيب في عذلي — ولم يرعني منه هدره لدمي
ولا أصنحت لموّال يردده — والشيب ابعد في نصح عن الـتهم
فإن اماّرتي بالسوء ما اتـعظت — وكيف يـتعظ المخـتار في الوهم
ولا ثـناها لداعي الله مزدجر — عن جهلها بنذير الشيب والهدم
ولا أعدت من الفعل الجميل قرى — لطارق مدلج في ناب ملـتهم
فلو عدت شؤمها الليمن كان قرى — ضيف ألمّ برأسي غير محـتشم
لو كنت أعلم أني ما أو قِّره — ولا اوقّره خوفاً من الوصم
ولا أقبله في حسن طالعة — كـتمت سرا بدالي منه بالكـتم
من لي برد جماح من غوايتها — حتى تكون من العلياء في القمم
لكنني رضتها في الله فارتدعت — كما يردَّ جماح الخيل باللجم
فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها — فأنها السبع الضاري بلا رُحُم
ولا تدعها على لذات مطعمها — أن الطعام يقوي شهوة النهم
فالنفس كالطفل أن تهمله شب على — سبّحة فيه أن تحمد وأن تُذَم
ففيم تطمعه بعد الطفولة في — حب الرضاع وأن تـفطمه ينـفطم
فاصرف هواها وحاذر أن تولـيّه — فإنما هو شيطان بلا ذمم
وانبذ هواك ولا تـقنع بحجته — أن الهوى ما تولى يُصْم أو يَصم
وراعها وهي في الأعمال سائمة — ولا تشق بهواها غير منـتظم
ولا ترعها بقاس في سجيتها — وأن هي استحلت المرعى فلا تسم
كم حسنت لذة للمرء قاتلة — وبغضت منه فيه سورة الهمم
وكم سقـته سلاف الحب في خدع — من حيث لم يدر أن السم في الدسم
واخش الدسائس من جوع ومن شبع — تسلم من الكيد في حرب وفي سلم
واحذر من الجوع جنح الليل يستره — فربَّ مخمصة شر من الـتخم
واستـفرغ الدمع من عين قد امتلأت — من خشية الله فارفضّت دماً بدم
وأسبل الدمع تحت الخوف منسجما — من المحارم والزم حمية الندم
وخالف النفس والشيطان واعصهما — حتى تجوز الحمى في عزم مقـتحم
ودعهما والترامي في سبـيلهما — وأن هما محضاك النصح فاتهم
ولا تطع منهما خصما ولا حكما — لو سوّداك على دنياك عن عظم
ولو أطاعاك في حكم على جنف — فأنت تعرف كيد الخصم والحكم
استغفر الله من قول بلا عمل — جرى بحِّر دمى خبطاً بلا لجم
فياله من حديث فيه شبه ريا — لقد نسبت به نسلا لذى عقم
إمرتك الخير لكن ما ائـتمرت به — والأمر بالخير من يلزمه يستقم
وما ازدجرت لزجر الله متـقياً — وما استـقمت فما قولي لك استـفم
ولا تزودت قبل الموت نافلة — والزاد كم يسِّر المسعى لمقـتحم
ولم اعد لنصر الله سابحة — ولم أصلِّ سوى فرض ولم أصم
ظلمت سنة من أحيا الظلام إلى — أن فاضت الروح منه دونما سأم
وبات مثل اللقى تحت الظلام إلى — أن اشتكت قدماه الضر من ورم
وشد من سغب أحشاءه وطوى — في الله لله منه نفس ذي عُزُم
وراضها لهواه وهي طاوية — تحت الحجارة كشحاً مترف الأَدم
وراودته الجبال الشم من ذهب — واخضو ضعت لهواه برة القسم
وعاودته لكي تـغريه في طمع — عن نـفسه فأراها أيما شمم
وأكدت زهده فيها ضرورته — وللضرورة سلطان كمحتكم
لكنها لم تطق إطماعه فنبت — أن الضرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من — أوحى أن اخشو شنت فالخير لم يدم
من اصطفاه إله العرش جلّ ومن — لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
محمد سيد الكونين والثـقلـ — ـلين الأمثلين كريم الخيم والشيم
خليفة الله من أوفي على الملأيــ — ـن والفريـقين من عرب ومن عجم
نبـينا الأمر الناهي فلا أحد — أرعى جواراً ولا احنى على يتُم
تالله ما طلعت شمس على بشر — أبرُّ في قول لا منه ولا نعم
وهو الحبـيب الذي ترجى شفاعـته — وهو المقدم بين الناس كلهم
وهو المرجىّ إذا ما عن من خطر — لكل هول من الأهوال مقـتحم
دعا إلى الله فالمستمسكون به — في ذمَّة الله لا يخشون من وصم
وهم على ركنه الأعلى وحميته — مستمسكون بحبل غير منفصم
فاق النبـيـين في خَلق وفي خُلق — وطالهم فـتعالى كل محتكم
فأطلقوا الساق جريا خلف موكبه — فلم يدانوه في علم ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملـتمس — إشراقـة تملأ الحيزوم للحُزُم
فما أطاقوا ولا نالوا سوى نُغب — غرفا من البحر أو رشفا من الديم
وواقـفون لديه عند حدِّهم — وهم حيارى على شوق سما بهم
واستوقـفتهم أياديه على لمع — من نـقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهو الذي تم معناه وصورته — واستكمل الخلق العالي فلم يصم
وأخلصت منه للقدوس نزعـته — ثم اصطفاه حبيـباً بارئ النسم
منـزّه عن شريك في محاسنه — إذِ الجمال به من صنعة الحكم
فدلنا عرفة عن طيب معدنه — مجوهر الحسن فيه غير منـقسم
دع ما ادّعته النصارى في نبـيهم — فقل هو الشمس أو فت من على أُطم
وأنه الجوهر الفرد المصون فـقل — واحكم بما شئت مدحا فيه واحـتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف — فليس من شرف إلا إليه نمى
وانسب إلى ذاته الأنوار ساطعة — وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له — من غاية يدَّ عيها علم ذي حِكم
ولا يرام له في سبق مستبق — حد فيعرب عنه ناطق بفم
لونا سبت قدرة آياته عظماً — ما بات ينسبها في المجد ذو إرم
ولو تعالت إلى عليائه شرفاً — أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
لم يـمتحنا بما تعي العقول به — في الدين حتى بلغنا منـتهى القمم
إذ ساسنا بالهدى والرفق يغمرنا — حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى — منه على السر إلا الرمز في الرقم
ولا يرى في سماء الحب منعطف — في القرب والبعد منه غير منفحم
كالشمس تـظهر للعينين من بعد — حسرى تجانف عن درك لذي نسم
لكنها تتراءى وهي نائية — صغيرة وتكل الطرف عن أمم
وكيف يدرك في الدنيا حقيـقته — سار سرى يخبط الظلماء وهو عمي
أم كيف يـبلغ علو الشأن منه به — قوم نيام تسلوا عنه بالحلم
فمبلغ العلم فيه أنه بسُر — لكن علا حيث ما الأملاك لم تحم
وأنه خير من سارت به قدم — وأنه خير خلق الله كلهم
وكل آي أتى الرسل الكرام بها — فإنما هي نبع منه فاحـترم
وكل نيّرة سادوا بسؤددها — فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمس فضل هم كواكبها — على سماء بنور الله مبتسم
والأنبـياء عليها كالنجوم بها — يظهرن أنوارها للناس في الظلم
أكرم بخلق نبي زانه خلق — فيه عظيم أتى في محكم الكلم
أعظم بأحمد في سمت وفي سمة — بالحسن مشتمل بالبشر متسم
كالزهر في تَرَف والبدر في شرف — والمزن في وكف والنوء في ديم
كالآي في حِكم والنور في حَكم — والبحر في كرم والدهر في همم
كأنه وهو فرد في جلالته — في عالم من جلال القدس منـتظم
تخاله وكأن الدهر فيه به — في عسكر حين تلقاه وفي حشم
كأنه اللؤلؤ المكنون في صدف — يضيء منه الدجى في حالك الظلم
كأنه الجوهر الشفاف عن شرف — من معدني منطق منه ومبتسم
لا طيب يعدل ترباً ضم أعظمه — أنعم بساع إليه في هدى إضم
يستـنشق الترب من تلك الرفات فيا — طوبى لـمنـتشق منه وملـتـثم
أبان مولده عن طيب عنصره — وشف معدنه عن طاهر الشيم
وطيّب الخالقين عرفه سحراً — يا طيب مبـتدئاً منه ومخنـتـتم
يوم تـفرّس فيه الفرس إنهم — على شفا جرف هار من الغمم
وأنهم في صياصيهم وعزتهم — قد أنذر وابحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع — يهوى به ساحق لكن إلى العدم
ينـبت تحت الدجى لكنه مزعاً — كشمل أصحاب كسرى غير ملتـئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف — تبكي بدمع لها يرفضّ كالحمم
والدهر من جزع ينفتّ عن حُرق — عليه والنهر ساهي العين في سدم
وساء ساوت إن غاضت بحيرتها — فلا تلمها على دمع لها سجم
ولا تلمها على حزن وقد نكبت — وردّ واردها بالغيظ حين ظمي
كأنّ بالنار ما بالماء من بلل — وأنّ بالشمس ما بالدجن من ظلم
بالسما ما على الأرضين من جزع — حزناً وبالماء ما بالنار من ضرم
والجن تـهتف والأنوار ساطعة — شوقاً إلى المصطفى يا شوقه احـتكم
ولآي تسكب أنواء مكثفة — والحق يظهر في معنى وفي كلم
عموا وصمتوا فإعلان البشائر لم — تدر على بالهم يوماً ولم تحم
كأنما هي من وقع الأعنّة لم — تسمع وبارقة الأنذار لم تشم
من بعدما أخبر الأقوام كاهنهم — عماّ سيد همهم من حازب عرم
إذ قال مصيب في تكهنه — بأنّ دينهم المعوج لم يقم
وبعدما ما عاينوا في الأفق من شهب — كأنها النار خلف المارد النهم
أو أن حرّاسها في أفقها شرراً — منـقضة وفق ما في الأرض من صنم
حتى غدا عن طريق الوحي منهزم — يــتيه من خوفه في شر منهزم
والله يستحق بالأقدار منهزماً — من الشياطين يقفوا إثر منهزم
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة — إنّ السجود له ضرب من النعم
واستـقبلـته جمادات الفضا شغفاً — تمشي إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطّرت سطراً لما كـتبت — أكفّها من رقوم بالهدى تُسَم
وخطّت السعد هلهالاً تـنمقه — فروعها من بديع الخط في اللّقم
مثل الغمامة أنىّ سار سائرة — عناية الله ترعاه على الذمم
وتدفع النفس ولأنفاس عن شغف — تـقيه حرّ وطيس للهجير حمي
أقسمت بالقمر المنشق أنّ له — في النفس عاصمة تعلو على العصم
وأنّ بالآي والأنوار تكلؤها — من قلبه نسبة مبرورة القسم
وما حوى الغار من خير ومن كرم — ومن خوارق عادات لذي سلم
والمصطفى في سبيل الله قائدها — وكل طرف من الكفّار عنه عمي
فالصدق في الغار والصدّيق لم يرما — وآية الله تحمي الحق من وصم
والمشركون بجنب الغار في أسف — وهم يقولون ما بالغار من إرم
ظنوّا الحمام وظنّوا العنكبوت على — نور الهداية لم ترأم ولم تهم
قالوا العناكب ضعفاً والحمام على — خير البرية لم تـنسج ولم تحم
وقاية الله أغنت عن مضاعفة — وقوة الله كم أربت على العزم
ونصرة الله كم أغنت مظفّرها — عن الدروع وعن عال من الأطم
ما سامني الدهر ضيماً واستجرت به — إلاّ رجعت بعزّ منه لم يُرَم
ولا لجأت إليه خوف نازلة — إلاّ ونلت جواراً منه لم يُضَم
ولا الـتمست غنى الدارين من يده — إلاّ وعدت بفضل منه كالعرم
ولا اتجهت إلى أبوابه أملاً — إلاّ استلمت الندى من خير مستلم
لا تـنكر الوحي من رؤياه إنّ له — إرادة لم يعقها نوم مغـتلم
ولا تخوضنّ في رؤياه إنّ له — قلباً إذا نامت العينان لم ينم
وذاك حين بلوغ من نبوته — إذ لا يهومّ منه الطرف في الحلم
لكنماّ هو في الحالين معتدل — فليس ينكر فيه حال محـتلم
تبارك الله ما وحي بمكـتسب — ولا جلال بلا وعي بمغـتنم
ولا تجلٍّ بلا آي تباركه — ولا نبي على غيب بمـتهم
كم أبرأت وَصَباً باللمس راحـته — وبّرأت من رمي من غمزة الـتهم
وكم برت سدكاً في غيهّ فهوى — وأطلقت أرباً من ربقة اللّمم
وأحيت السنة الشهباء دعوته — حتى غدت بين مخضل ومدلهم
وباركت منه آيات على دهم — حتى حكت غزّة في الأعصر الدهم
بعارض جاد أو خلت البطاح بها — فيض تحدّر عن منهلةّ الديم
وجادها النوء يسري في حمولته — سيب من اليمّ أو سيل من العرم
دعني ووصفي آيات له ظهرت — بين المعالم كالأنوار في الظلم
حتى يلوح علينا السعد منـتظماً — ظهور نار القرى ليلاً على علم
فالدرّ يزداد حسناً وهو منـتظم — وأشنب الثـغر يجلو الحسن في نظم
فجوهر الحسن يسبي القلب منـتظماً — وليس ينـقص قدراً غير منـتظم
فما تطاؤل آمال المديح إلى — عليائه وهو في علياء لم ترم
قد شفّ جوهره عنه فدلَّ على — ما فيه من كرم الأخلاق والشيم
آيات حق من الرحمن فحدثة — لله فيها تجلّ باهر العظم
أكرم بها في تجليّ النور وهي به — قديمة صفة الموصوف بالقِدم
لم تـقـترن بزمان وهي تخبرنا — عماّ حوى الكون من آتٍ ومنصرم
وعن زوايا طواها الغيب فيه به — عن المعاد وعن عادٍ وعن إرم
دامت لدينا ففاقت كل معجزة — من عصمة الذكر فيها خير معـتصم
لذاك قصّر عنها كل معجزة — من النبيين إن جاءت ولم تدم
محكّمات فما تـبقين من شبه — مستحكمات على الدنيا بمنحسم
مذللات على الـتقوى عناصرها — لذي شقاق وما تبغين من حكم
ما حوربت قطّ إلاّ عاد من حَرَب — سلطان من حاربت يهوي بلا قدم
ولا استجا شت دماً إلاّ رأيت بها — أعدى الأعادي إليها ملقى السلم
ردّت بلاغـتها دعوى معارضها — واستعرضت في حماها بالغ الحكم
وردّت الفيلق الجرّار منهزماً — ردّ الغيور بد الجاني عن الحرم
لها معانٍ كموج البحر في مدد — يكاد يغرق فيها كل ملـتطم
واستخدمت من شعاع الفكر جوهرة — وفوق جوهره في الحسن والقيم
فلا تعدّ ولا تحصى عجائبها — أو ينـقضي الدهر عنها خاوي القدم
ولا يحيط بها ذو نهية فطن — ولا تسام على الإكثار بالسّأم
قرّت بها عين قاريها فـقلت له — أبشر كرعت الهدى من نبغ دي إضم
ورحت في غبطة الحسنى أقول له — لقد ظفرت بحبل الله فاعتصم
إن تـتلوها خيفة من حرّ نار لظى — وقيت من لفحها بالجاحم الضرم
وإن مزجت دموع العين في دمها — أطفأت حرّ لظىً من وردها الشيم
كأنما الحوض تبـيضّ الوجوه به — في ذمة الله منه رِيّ كل ظمي
تهفو إليه جاء الله أفـئدة — من العصاة وقد جاؤه كالحمم
وكالصراط وكالميزان معدِلة — لأنما هي تنزيل من الحكم
رسا بها العدل في أقساطه علماً — فالقسط من غيرها في الناس لم يقم
لا تعجبن لحسود راح ينكرها — لما انبرت في براهين من الحِكم
حـتام بو غل في النكران من حسد — تجاهلاً وهو عين الحاذق الفهم
قد تـنكر العين ضوء الشمس من رمد — وتـنكر الأذن قرع الصوت من صمم
وتـنكر الأنف عرف المسك من خلل — ويـنكر الفم طعم الماء من سقم
يا خير من يمّم العافون ساحـته — يحدوهم الحب في شوق إلى الحرم
تراهم زمراً مثل الحجيج أتوا — سعياً وفوق مـتون الأنـيق الرسم
ومن هو الآية الكبرى لمعـتبر — ومن هو الرحمة المهداة للأمم
ومن هو الطود للعلياء شامخة — ومن هو النعمة العظمى لمغـتـنم
سريت من حرم ليلاً إلى حرم — وأنت في عين من يرعاك في الذمم
تسري إلى الشوق جرياً في أعنـته — كما سرى البدر في داج من الظلم
وبتّ ترقى إلى أن نلت منـزلة — يخطّ عن شأوها العالي من القمم
حتى بلغت بعين الله مرتبة — من قاب قوسين لم تدرك ولم تُرم
وقد متك جميع الأنبـياء بها — على الصفوف تؤم الكل عن أمم
فالأنبـيا غبطة أن قدّموك بهم — والرسل تـقديم مخدوم على خدم
وأنت تخترق السبع الطباق بهم — سعياً وتـفـتـتح الأقـفال في شمم
لله في الله من سلطان محتكم — في موكب كنت فيه صاحب العلم
حتى إذا لم تدع شأواً والمستـبق — على عنان ولإجنحا لمقـتحم
ولا مناراً به تـفضي إلى زلف — من الدنو ولا مر في لمستـنم
حفضت كل مقام بالإضافة إذ — جزمت من فعله آتٍ على عُزُم
ولا نصبت لذكر الله في نصب — نوديت بالرفع مثل المفرد العلم
كما تـفوز بوصل أيّ مستـتر — عن مبصر وتجوز القصد في همم
وتسبق الطرف في رمز تـغيب به — عن العيون وسرّ أيّ مكتـتم
وحزت كل فخار غير مشترك — ورضت كل سبـيل غير منـهزم
وطلت كل مطال لا يرام علا — وجزت كل مقام غير مزدحم
وجلّ مقدار ما أو ليت من رتب — وطال جاهك عن عال ومستـنم
وزيّن الكون ما أو تيت من شرف — وعزّ إدراك ما وليتّ من نعم
بشرى لنا معشر الإسلام إنّ لنا — بفخره شيمة تعلو على الشيم
ومن مقامته الكبرى لنا وبنا — من العناية ركناً غير منهدم
لماّ دعا الله داعينا لطاعته — قدنا إليه نفوساً قط لم تصم
وحينما اخـتارنا الباري لحجته — بأكرم الرسل كنا أكرم الأمم
راعت قلوب العدا أنباء بعـثـته — وها لهم منه قهار بلا غشم
وحينما راعهم من نصره نفروا — كنبأة أجفلت غفلاً من الغنم
مازال يلقاهم في كل معـترك — حتى أطاح بهم أشلاء كالرمم
وساقهم زمراً بالـحتف يحصدهم — حتى حكوا بالـقنا لحماً على وضم
ودوا الفرار فكانوا يغبطون به — من لم يسلّ حساماً فيه للنقم
حتى إذا غادرتهم خيله مزعاً — أشلاء شالت مع العقبان والرخم
تمضي الليالي ولا يدرون عدتها — لما أتـتهم بوطئ الحافر القدم
يقـضون أبـيضها يسودّ عن دمهم — ما لم تكن من ليالي الأشهر الحرم
كأنما الدين ضيفاً حلَّ ساحـتهم — وهم له بين بّطاش ومحترم
لكنه بات يرمهم مباغـته — بكل قَدم إلى لحم العدا قَرِم
يجرّ بحر خميس فوق سابحة — كأنه عرم ينحّط عن قمم
ويرتمي والفضا آذيّه شمم — يرمي بموج من الأبطال ملـتطم
من كل منـتدب لله محـتسب — يهوي بمحتكم منه ومحـتدم
يعدو إلى الموت في صمصامة ذكر — يسطو بمستأصل للكفر مصطلم
حتى غدت ملة الإسلام وهي بهم — في خير حاميه تحمى الحمى بهم
وأصبحت في حماها وهي آمنة — من بعد غربتها موصولة الرحم
مكفولة ابداً منهم بخير أب — وخير راع من الـتقوى عن الوصم
يحوطها بكتاب الله ذولبد — وخير بعل فلم تيم ولم تـئم
هم الجبال فسل عنهم مصادمهم — وللردى أخذة المصدوم بالصدم
أيّان شدّوا عليه في تصادمهم — ماذا رأى منهم في كل منصدم
وسل حنـيناً وسـل بدراً وسل أُحُداً — وسل قريضة إذ أجلو عن الحرم
وسل مواقعهم عنهم فـتلك لهم — فصول حـتف لهم أدهى من الوخم
المصدري البـيض حمراً بعدما وردت — بحر المنايا تروّي من دم بدم
والراكبين عتاق الخيل قاصمة — من العدا كلّ مسوّدٍ من اللمم
والكاتبـين بسمر الخط ما تركت — رماحهم صدر مقدام بدون فم
ولم تغادر غداة الكرّ في عُزُم — أقلامهم حرف جسم غير منعجم
شاكي السلاح لهم سيما تميّزهم — وميزة الفحل بالأقدام لا القِدم
بهم صفات من الإيمان طادية — والورد يمتاز بالسيما عن السلم
تهدي إليك رياح النصر نشرهم — كأنَّ في نفحتـيه عيش ملتـثم
تسري به نـفحات من ملائكها — فـتحسب الزهد في الأكمام كلِّ كمي
كأنهم في ظهور الخيل نبت ربا — أو أفرغوا فوقها عن قالب اللجم
أو أنهم ولدوا في عز صهوتها — من شدة الحَزم لا من شّدة الحُزُم
طارت قلوب العدا من بأسهم فَرقاً — فأصبحوا في الفضا كالعهن في الحمُم
أو كالفراش إذا ما انبتَّ منـتشراً — فما تـفرِّق بين البُهمْ والبُهَم
ومن تكن برسول الله نصرته — يدن له الكون مطواعاً بلا لُجُم
فإن من نصر المختار فهو حرٍ — أن تـلقه الأسد في آجامها تجم
ولن ترى من وليٍّ غير منـتصرٍ — به ولا من وفيٍّ غير ملـتزم
ولا صديق له إلاّ سما شرفاً — به ولا من عدوّ غير منفصم
أحلَّ أمَّـته في حرز ملّـته — لماّ دعاهم إلى مرضاة ربهم
تراه إذ حلَّ فيهم منهموا بهم — كاللَّيث حلَّ مع الأشبال في أُجم
كم جدَّ لت كلمات الله من جدِل — قد حارب الله في كَلْم وفي كلِم
وكم أرادت به كيداً فما نجحت — فيه وكم حطّم البرهان من خصم
كفاك بالعلم في الأميّ معجزة — جاءت ببرهان صدق غير منكـتم
وأيّدته بسلطانيْ هدى ودها — في الجاهليَّة والتأديب في اليتم
خدمته بمديح أستـقيل به — أخطاء منغمس منيّ ومجترم
أكاد أفنى حياء ما ذكرت به — ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم
إذ قلّداني ما تخشى عواقبه — وألبساني رداء غير محترم
حتى تخبطت في يهماء دامسة — كأنّني بهما هدي من النعمّ
أطعت غيّ الصبا في الحالـتين وما — وصلت منه به الاَّ إلى الحَرَم
هبني توغّلت في أحشائه فوهل — حصلت إلاّ على الآثام والنقم
فيا حسارة نفس في تجارتها — قد ارتـضت عاجلاً عن عنبطة النعم
يا ويحها وهي في الهواء تائهة — لم تشـتر الدين بالدنيا ولم تسم
ومن يـبع آحلاً منه بعاجله — يخسر حياتيه بين السمّ والدسم
ومشتري الغرض الغاني بـباقية — بـين له الغبن في بـيع وفي سلم
إن آت ذنباً فما عهدي بمنـتقض — ولا ذمامي عن الـتقوى بمنفصم
ولا صِلاتي بمنبثّ أو واصرها — من النبي ولا حبلي بمنصرم
فإنَّ لي ذمّة منه بـتسميتي — باسم والله والله ملـَتزَمي
دعني أرددّ شدوي في اسمه دأبا — محمداً وهو أو في الخلق بالذمم
عن لم يكن في معادي آخذاً بـيدي — إلى السويِّ فلحماني على وضم
وإن غُلبت على طبعي فأكرمني — فضلا وإلا فّقل يا زلة القدم
حاشاه أن يحرم الداجي مكارمه — والجود طادية فيه من الشيم
أو يستغيث به الدعي فيحرمه — أو يرجع الحار منه غير ومحـترم
ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه — رأيت منه الجدا ينهّل كالديم
ومذ تركت قياد الأمر في يده — وجدته لخلاصي خير ملتزم
ولن يفوت الغنى منه يداً تربت — به عادت إلى جدواه للغُنُم
إذا نبـتت في حقولي فضلها كرماً — إنَّ الحيا ينبت الأزهار في الأكم
ولم أرد زهرة الدنيا التي اقـتطفت — يد الأديب على إعطائها السجِم
ولا طويت على نصل لقطعهما — يد ازهير بما أثـنت على هرم
يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به — ومن أصدّبه خوفي من النقم
وما اعـتمدت على ركن أعزّ به — إلاّك عند حلول الحادث العرم
ولن يضيق رسول الله جاهك بي — والنشر في غمم والحشر في حمم
فإنما أنا حِبّ في تزلفُّه — إذا الكريم تحلى باسم منـتقم
فإنَّ من جودك الدنيا وضرّتها — وأنت أكرم من أوفي على قدم
وفي يديك كنوز العلم ما ثلة — ومن علومك علم اللوح والقلم
يا نـفس لا تـقنطي من زلة عظمت — فإنما الله أهل العفو والكرم
واستغفوي من عظيم الذنب موجدة — إنّ الكبائر في الغفران كاللَّمم
لعل رحمة ربيّ حين يقسمها — تكون من أوفر الأقسام في القيم
أو أنها لعصاة الله عن كرم — تأتي على حسب العصيان في القسم
ياربّ واجعل رجائي غير منعكس — واجعل هواي نقيّ الحبـيب والأدم
واجعل لحّبـيك في قلبي مكانـته — لديك واجعل حسابي غير محترم
والطف بعبدك في الدارين أنَّ له — تصرّفاً طالما أرداة في الردم
وانظر إليه بعين اللطف إن له — قلباً متى تدعه الأهواء يـنهزم
وأذن لسحب صلاة منك دائمة — لخاتم الرسل خير الخلق كلهم
تـنساب منها يمين الله سارية — على النبي بمنهلّ ومنسجم
مارخّت عذبات البان ريح صبا — فأصبحت الصب في أشواقه الدهم
ورقّمت آيها في الخدّ كاتـبة — وأطرب العيس حادي العيس بالنغم
ثم الرضا عن أبي بكر وعن عمر — ضجيعي المصطفى أكرم بقربهم
وعن فدائيّ خير الرسل في أحُد — وعن عليّ وعن عثمان ذي الكرم
والآل والصحب ثم الـتابعين فهم — من روّضوا الخيل تحت السيف واللجم
وهم شموس الهدى في نورهم وهم — أهل الـتـقى والنـقا والحكم والكرم
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الميم — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بالضرم: ضرم: الضَّرَمُ: مَصْدَرُ ضَرِمَ ضَرَماً. وضَرِمَت النارُ وتَضَرَّمَتْ واضْطَرَمَت: اشْتَعَلَتْ والْتَهَبَتْ، واضْطَرَمَ مَشِيبهُ كَمَا قَالُوا اشْتَعَلَ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وَأَنْشَدَ: وَفِي الْفَتى، بَعْدَ المَشِيب ا …
- بصيبه: صيب: الصُّيَّابُ والصُّيَّابة[[. قوله الصياب والصيابة [إلخ] بشد التحتية وتخفيفها على المعنيين المذكورين كما في القاموس وغيره.]]: أَصلُ الْقَوْمِ. والصُّيَابةُ والصُّيَابُ: الخالِصُ مِنْ كلِّ شَيْءٍ؛ أَنشد ثعلب: إِني وَسَ …
- بعارض: العَارِضُ : فا.-: المانع أو الحائل؛ عرضَ له عارضٌ منعه من المجيء.- من الأمور: العابر أو غير الدائم؛ جرى خلافٌ عارضٌ بين الصديقين؛ هذا حبٌّ عارض/ إجازة عارضة، إجازة تمنح للموظف بسبب طارئ طرأ له.-: صفحة الخدّ أو صفحة العنق …
- بواد: وَأَدَ: الوَأْدُ والوَئِيدُ: الصوتُ الْعَالِي الشديدُ كَصَوْتِ الْحَائِطِ إِذا سَقَطَ وَنَحْوِهِ؛ قَالَ المَعْلُوط: أَعاذِل، مَا يُدْرِيك أَنْ رُبَّ هَجْمَةٍ، ... لأَخْفافِها، فَوْقَ المِتانِ، وئِيدُ؟ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ …
- تلقاء: [ل ق ي]. (اِسْمٌ مِنَ اللِّقاءِ). 1."جَلَسَ تِلْقاءَهُ" : مُقابِلاً لَهُ، تُجاهَهُ. 2."قامَ بِمَهامِّهِ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِهِ" : دونَ أَنْ يَتَلَقَّى أَوامِرَ مِنْ أَحَدٍ، أَيْ بِحُرِّيَّةٍ وَإِرادَةٍ. يونس آية 15 قُلْ …