صَخْرَةُ الْمُلْتَقَى
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
صخرةٌ لا تَجلُّ في الكائناتِغَشِيتهَا جلالةُ الآبداتِ
جاورتها الصحراء تستشرفُ اليمَّوقرَّ المحيطُ جنبَ الفلاةِ
أبديَّانِ قد أفاءا إليهالم تجُمِّعهما يدُ الحادثاتِ
وجدا الملتقَى عليها فقرَّابعد آباد فرقةٍ وشتاتِ
ليلةَ غوَّرتْ بها الأنجمُ الزهــرُ وأضفتْ سوادفَ الظلماتِ
لو تلفتَّ في دجاها لراعتــكَ خوالي الأبراجِ والهالاتِ
وكأنَّ الزمانَ خالجَه الروعُ ولجَّ الوجودُ في الشُّبهاتِ
وكأنَّ الوجودَ لم يحوِ إلاذلكَ الصخرَ رائع الجنباتِ
عقدةُ الاتصالِ بين جلاليــن أجدَّا به وثيقَ الصلات
برزخ تعبرُ الليالي عليهبين عبرينِ من بِلًى وحياةِ
ركزتها الآبادُ بينهما رمزًاعلى صولةِ الدهور العواتي
فأقامت تُسرُّ للقفر واليمِّأحاديثَ أعصرٍ خالياتِ
واحتوت سرَّ كائنين كأنْ لميُبعَثَا سيرةً مع الكائنات
•••كشفت لي الصحراءُ من دوِّها
الواسع ما لا تحدُّهُ نظراتيوبساطًا من الرمال تراءى
ككتاب مموَّهِ الصفحاتِهو مهدُ السحرِ الخفيِّ ومثوى
ما تُجِنُّ الصحراءُ من معجزاتِربَّ ليل مكوكبٍ خطرتْ فيـ
ـه الدراري وضيئةَ القسماتِورمى البدرُ بالأشعةِ تبدو
فوق وجه الرمالِ منعكساتِوسَرَتْ نسمةٌ من الليلِ حيرَى
وغناءُ الصوادحِ الطائراتِفإذا الليلُ روعةٌ وجلالٌ
وإذا القفر غارقٌ في سُباتِغير ذاك الغريب في تيهه النَّا
ئي كئيب الفؤاد والنظراتِأرَّقتهُ صبابةٌ حملتها
نفسُه من ربوعِهِ النائياتِقد شجاهُ هوى اقتحامِ الصحارى
والصحارَى مثارةُ الصَّبواتِرُبَّ ناءٍ مدَّت إليه هواها
فهوى في شراكها القاتلاتِيقطع الدوَّ بارداتِ الليالي
ويجوبُ الحزونَ ملتهباتِقتلته سمومُها وبراهُ
ظمأٌ من عيونها المجدباتِحَرَمَتْهُ الصحراءُ ظلًّا وريفًا
في حواشي واحاتها النضراتِفسَلِ القفرَ هل له فيه قبرٌ
ضَمَّ من جسمهِ نحيلَ رُفاتِ؟أترى غير أعظُمٍ نخراتٍ
في ثنايا الرمالِ منتثراتِ؟•••
صحراءُ الحياة كم هِمتُ فيهاشاردَ الفكر، تائهَ الخطواتِ
سرتُ فيها وحدي، وقد حَطَمَ المقدارُ في جنحِ ليلها مشكاتي
ولكم أرمدَ الهجير جفونيورمتني الحرور باللفحاتِ
لم أجدْ لي في واحة العيش ظلًّاأو غديرًا يَبُلُّ حَرَّ لهاتي
أسفًا للحياةِ أصلى لظاهاوأراها وريفةَ العَذَبَاتِ
بَعُدَتْ عنِّي الحقيقةُ فيهاوأضلَّت مسعايَ للغاياتِ
كلما هاجتِ الرياحُ صراخيهدَّجت في هزيمها صرخاتي
غيرُ ذاك الصخر العتيد الذي ضــجَّ عليه العُبابُ من أنَّاتي
ظللتني ذراهُ منفردَ النفسِأبثُّ المحيطَ حرَّ شكاتي
•••أنا فوق المحيطِ كالطائر
التائهِ يعلو موائجَ اللُّجاتِناشرًا فوق عُرضِهِ من جناحيَّ
ظلالَ الهمومِ والحسراتِمُمعِنًا في سمائِه أتغنَّى
بنشيدِ الخلودِ في صَدَحاتِيللإله العظيم من لُجِّه الساكن
أتلو الجميلَ من صلواتيوأناجيه طائرًا رَفَّ في الليل
يُغنِّي خَمائلَ الجَنَّاتِ•••
صخرةَ الملتقى، أتيتك بعد الأيــن أشكو من الحياة أذاتي
أنا ذاك الشادي الذي نسلتْ ريــشَ جناحيه هَبَّةُ العاصفاتِ
أنا ذاك الشريدُ في صحراء العيــش ضَلَّ السبيلَ في الفلواتِ
في ثراها الغبيِّ وسَّدْتُ أحلامي وماضي الهنيَّ من أوقاتي
أنا قيثارةٌ جَفَتْها اللياليفي زوايا النسيانِ والغفلاتِ
وأرثَّت أوتارَها فهي تبكيمن شجاهَا حبيسةَ النغماتِ
أنا طيفُ الماضي على صخرة الآباد، أستشرفُ الزمان الآتي
وورائي الصحراء، وادي المناياوأمامي المحيط لُجُّ الحياةِ
بين عبريهما ثوتْ غُرُّ أيامي وحال الوضيءُ من ليلاتي
•••لا أُسمِّيكِ صخرةَ الملتقى
لكنْ أُسَمِّيكِ صخرةَ المأساةِ!!
عن القصيدة
«صَخْرَةُ الْمُلْتَقَى» من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في ٥٦ بيتًا. ورويّها حرف التاء.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.