ملحمة الغربة
الشاعر: أحمد المتوكل بن علي النعمي · البحر: الطويل
«ملحمة الغربة» من شعر أحمد المتوكل بن علي النعمي، وتقع في 92 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
ربى قريتي إني بهمي لراحل ... إلى حيث لا يلقى اللئيم المخاتل
إلى حيث لا ألقى قريبا بفعله ... تجور على صفو التآخي غوائل
ربى قريتي هذا نداء بعثته ... بحبي وما في النفس ضخم وهائل
شعرت بأني في روابيك تائه ... و أنت مزار يأسر العين ماثل
و أن فعال البعض تكوي بلاهب ... و تحرق في خبث و فيها قلاقل
وأن جمال العيش في نفس عاشق ... يعاني ومن يأسو الجراحات ذاهل
و أن الذي قد كان حبا بقريتي ... ذوى في انكسار و التوى ثم كاحل
وأن اجتماع الشمل أمسى مهددا ... بفصم ومن أشجى المساءات ناكل
*** ... ربى قريتي والحقد فينا موطن
و بعض ضعاف الناس لؤما يجادل ... ربى قريتي أهواك و الناس هوة
بدرب الهوى والفارغون المشاكل ... أراك جمال الدهر حتى كأنني
أسير لدى عينيك ساه و ناحل ... إذا عانقتني من لياليك نسمة
جننت وسعد القلب لا شك حاصل ... و إن كنت في منأى فللبعد قصة
تبعثر أشلائي فتبكي السواحل ... أحن لأرض جرحتني همومها
و أسعدني فيها الرضا و التفاؤل ... أحن لبئر جمعتنا مياهها
نساء و أطفالا و كهلا يطاول ... و شهما فتي القلب قد فاض خيره
و يحمل عن لم يستطع و يناول ... أتى بجرار البيت والشمس فوقه
تعذبه لكنه ثم نازل ... و أهفو لواد ليتني لم أجد به
سوى الأثل و الأنهار والقلب غافل ... *********
ربى قريتي ضميت إنسا وجنة ... و أهلا و أعداء و في القوم عاقل
جدحت لنا الآلام في كأس غربة ... وفي منتدى الآمال ترعى السنابل
و كنت لنا الأم الرؤوم التي ربت ... على سعدنا فاستهدفتها المعاول
أيا قريتي هل أنت إلاحبيبة ... لها في فمي المغلوب و النفس باذل
بذلت لها الأحشاء حتى أنالها ... وصالا و لكن البئيس المواصل
شرقت بآمالي و قد كنت عاشقا ... له في بساط العشق بان وغازل
وعشت أماسيها جمالا و متعة ... ليخلفها صبح بما طاب حافل
أتوق للقياها و أبكي فراقها ... فتشكو بشكواي الظبا و العنادل
*** ... ربى قريتي في اليوم لابد أن أرى
عراكا يذكيه الهوى والقلاقل ... متى تلقني يا صاح تلق الذي له
بحب دروب الماضيات المحافل ... أذاكر نفسي بعض من يصحبونني
وفي غالب الأصحاب حق و باطل ... و لؤم و معروف فتنكر تارة
و تفخر تارات و أخرى تنازل ... وتصمت تارات و تصرخ تارة
وتهجر في أخرى و أخرى تواصل ... فأذكر أسماء أحبت و لم تجد
و لم تلق أحقادا و ما ثم عاطل ... لها في فؤادي الغض حب و رفعة
و شوق و تقدير عميق مماثل ... تقوم إلى الجلى بعزم و همة
و يسعى إلى الأمجاد بالجد عامل ... ***
أنا الرجل الضرب الذي تعرفينه ... و بالطيب سمتني القرى والمنازل
بلا حدث أحدثته عشت خاليا ... من القذف و الأوباش ذمي تحاول
أرى الموت تسطو في الكرام سيوفه ... و يبقى لقذف المخلصين التنابل
نداماي بيض كالبدور ومجلسي ... فسيح وفي الآفاق سد و حائل
وما ذرفت عيناي إلا تضرعا ... لربي و إني في المجرات نازل
أيا قريتي لم يرتدع فيك مغرض ... تمادى و أذكت ما دهاه الغوائل
يسائله الأشرار شرا فيحتفي ... و تطلبه في الخير يبقى يماطل
سرى يزرع الأحقاد من خبث نفسه ... وظيفته فرق خيارا تواصلوا
يمور بما يبدي و يعدو فيصطلي ... بنار الهوى في غمرة النار عاطل
فيصحبه جهلا و يبقى أسيره ... و تغمره في السيئات المجاهل
و يفرح في أنس لهجر بقومه ... وتغلي لصلح القوم منه المراجل
*** ... أيا قريتي ليلي طويل و نوره
يظل على رأسي و إني لنائل ... ألا رب خصم فيك ياقريتي مشى
فأمسى بأثوابي و كم مات قاتل ... و لكن قلبي في شعور مروع
تقيده فيما يعاني سلاسل ... أراني غريبا في ديار أحبها
تحاصرني من ساكنيها مسائل ... فعشت أرائي الناس أني ضائع
فما ضاع في الأهلين إلا الأفاضل ... حملت عصا التسياركي أقطع المدى
وأنسى همومي فالمدى لايشاكل ... فهل قدر الإخوان من يزدريهم
وهل أبغضوا من خيره اليوم واصل ؟ ... وهل صار في مستنقع الشر طيب
وهل صار رمزا للمعالي مخاتل ؟ ... أحرجة آمالي أفيقي لتسمعي
من الطائر الغريد شعرا يغازل ... أغرك مني أنني عشت عاشقا
وأن لهيب الحب بالصدق قاتل ؟ ... أغرك مني أنني فيك مولع
ولست بشعري في الروابي أجامل ؟ ... و أنك في قلب المواويل درة
ولحن تغنيه الرؤى و الخمائل ... شدا بك صقر ذات يوم و ما هفى
لغيرك بل قد عاش عمرا يناضل ... يريدك أن تبقي شموسا على الدنا
وذكرك في الآفاق حلو و كامل ... ***
سأبكي على المعروف والجود والصفا ... وأبكي ويبكي الحب تبكي البلابل
و أبكي على صحب ذكرت زمانهم ... على نبلهم فينا تشير الدلائل
فقالت يمين الله إنك صادق ... و غيرك كذاب صفيق و مائل
أريد بأن تبقى الأمين بمهجتي ... و لكن أوباشي بخبث تطاولوا
و أرنو لأن تحيا بحب أزقتي ... و لكن صبياني هنا ما تنازلوا
و أحيا بأشجاري و ليلي قريرة ... و أرقب سيل الماء و السيل سائل
تظل بقلبي يا أحيمد شاعرا ... يغرد في حب و للطيب حامل
تنوء بظلم الناس والناس لا تعي ... وما يعرف الأعراف و العدل سافل
فما دمر الأبيات إلا حماتها ... و ما ساد في الأشرار إلا الأراذل
وظلم ذوي القربى أشد على الفتى ... من القتل مغدورا فهل أنت عاذل ؟
*** ... أحرجة آمالي أروم وشائجا
من الحب يرعاها الندى والتبادل ... فيا قريتي شتان مابين منصف
وبين ظلوم ظلمه اليوم ماحل ... و بين أناس جمع الود بينهم
و قوم لغير الحب كان التباذل ... و ياقريتي ما الفرق ما بين شاعر
يظل لوصل ليس يبلى يحاول ؟ ... وبين حقود ذاع في الناس لؤمه
بوجهين يلقى من أعانوا و ناولوا ؟ ... لك الله يا قلبي تجرعت علقما
و سما زعافا فرغته المناحل ... وثقت بأشرار يلين كلامهم
نفاقا فهل أغراك عاث وهازل ؟ ... و لكن رب العرش أهداك ثلة
تزينهم في العالمين الشمائل ... صحبت خيار القوم حتى ملكتهم
و إن خيار القوم شهم و باذل ... يسيلون تحنانا و إن الذي لهم
لكل صديق صادق لا يجامل ... عرفت ولم أعرف سوى الجود عندهم
وبات كئيب النفس بالحقد خامل ... فهل يستوي في الناس من صار ذكرهم
على كل ألقاب الردى والفطاحل ؟ ... وهل يستوي من عاش في النوم دهره
كسولا و مبروك بما قال عامل ... وهل يستوي في الخير بر و فاجر
وهل يستوي في الحرب قط و باسل ؟ ... وهل يستوي يا قريتي من رعى الخنى
فأنبت شوكا بالذي لا يعاجل ؟ ... تأجلت أرجو الخير حتى فقدته
و هل ينفع المحروم بالفقد آجل ؟ ... أينسى زمان الصفو من عاش معدما
و يلعب بالأشواق و الوجد نادل ؟ ... و ينسى عقاب الله في جل عيشه
و ينسى بأن الحي فان و زائل ؟ ... سأبقى غريبا في دهاليز قريتي
فهل يرحم الأغراب بالرفق عاقل ؟
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الجراحات: جرح: الجَرْح: الفعلُ: جَرَحه يَجْرَحُه جَرْحاً: أَثَّرَ فِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ وجَرَّحَه: أَكثر ذَلِكَ فِيهِ؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ: مَلُّوا قِراه، وهَرَّتْه كلابُهُمُ، ... وجَرَّحُوه بأَنْيابٍ وأَضْراسِ وَالِاسْمُ الجُرْح، ب … (لسان العرب)
- المخاتل: ختل: الخَتْل: تَخادُعٌ عَنْ غَفْلَةٍ. خَتَلَهُ يَخْتُلُهُ ويَخْتِلُهُ خَتْلًا وخَتَلاناً وخَاتَلَهُ: خَدَعه عَنْ غَفْلة؛ قَالَ رُوَيْسٌ: دَهَاني بِسِتٍّ، كُلُّهنَّ حَبِيبةٌ ... إِليَّ، وَكَانَ الموتُ ذَا خَتَلانِ والتَّخ … (لسان العرب)
- بعثته: بعث: بَعَثَهُ يَبْعَثُه بَعْثاً: أَرْسَلَهُ وَحْدَه، وبَعَثَ بِهِ: أَرسله مَعَ غَيْرِهِ. وابْتَعَثَه أَيضاً أَي أَرسله فانْبعَثَ. وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يَصِفُ النبي، ﷺ، شَهِيدُك يومَ الدِّينِ، وبَعِيثُك نعْمة؛ أَي مَبْعُ … (لسان العرب)
- بفعله: فعل: الفِعل: كِنَايَةٌ عَنْ كُلِّ عَمَلٍ متعدٍّ أَو غَيْرِ متعدٍّ، فَعَلَ يَفْعَلُ فَعْلًا وفِعْلًا، فَالِاسْمُ مَكْسُورٌ وَالْمَصْدَرُ مَفْتُوحٌ، وفَعَلَه وَبِهِ، وَالِاسْمُ الفِعْل، وَالْجَمْعُ الفِعَال مِثْلُ قِدْح وق … (لسان العرب)
- بقريتي: (قَرِيَ) الْقَافُ وَالرَّاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى جُمَعٍ وَاجْتِمَاعٍ. مِنْ ذَلِكَ الْقَرْيَةُ، سُمِّيَتْ قَرْيَةً لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا. وَيَقُولُونَ: قَرَيْتُ الْمَاءَ فِي الْمِق … (مقاييس اللغة)
- بلاهب: لهب: اللَّهَبُ واللَّهيبُ واللُّهابُ واللَّهَبَانُ: اشْتِعَالُ النَّارِ إِذا خَلَصَ مِنَ الدُّخَانِ. وَقِيلَ: لَهِيبُ النَّارِ حَرُّها. وَقَدْ أَلْهَبها فالْتَهَبَتْ، ولَهَّبَها فَتَلَهَّبَتْ: أَوْقَدَها؛ قَالَ: تَسْمَعُ … (لسان العرب)