إلى الصقر الجريح .. و كفى
الشاعر: أحمد المتوكل بن علي النعمي · البحر: الكامل
«إلى الصقر الجريح .. و كفى» من شعر أحمد المتوكل بن علي النعمي، وتقع في ٢٥١ بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا أيها الصقر الجريح دعاني ... عذب الحروف وأنت من ناداني
لأهيم فيك وفي جلالك لحظة ... يا سيد الوادي و أنت تراني
و ترى مقامي في يديك بعجزه ... يأسى و تفكيري العميق جفاني
و أظل أعصر مهجتي متثاقلا ... أرنو لفتح الواهب المنان
ونفضت عن قلمي الغبار وسرت في ... قلق وهل تثني الصعاب عناني
فالله يعلم ما حوته جوانحي ... سرا وما قد ضاق عن كتماني
فأتاك بعض القول واستبقيت ما ... يبقى كأجمل ما يجن جناني
أقبلت يا صقرا يطير لوحده ... فوق الجبال لكسب كل رهان
قد غرد الكلم الجميل وجال في ... ريب المنون وصال في الميدان
و تفرد الصقر الجريح بوثبة ... لم تجرح الأطيار في الأغصان
لكن على المستنسرين قوية ... قذفت بهم لمجاهل النسيان
لم تؤذ أقواما كرام النفس في ... سير الحياة الدائم الهيجان
فأحال غابات الزمان مساحة ... غصت بكل مداهن خوان
غصت بذكر الناكرين ومن أبوا ... إلا الهروب كطائش الغلمان
يخفون سوءتهم بما أوتوا و إن ... جهدوا فما تخفى عن العميان
*** ... يا أيها الصقر الجريح أما لنا
في الخافقين مسارح للعاني ... و منابر للأصفياء و صفوهم
تبنى من التقدير و العرفان ... و مشاهد نقتات دفء ظلالها
متنفسين روائح الريحان ... و روائع الروض البهي نضيرة
مختالة بجوانب البستان ... و حكاية نغتال في أوراقها
شؤم العقوق بأقرب الإخوان ... فعلى امتداد الأفق كم من قصة
تفني وما فيها سوى الشنآن ... وعلى رصيف العمر كم من شاعر
متميز و مهندس فنان ... عاش الحياة وسار عبر محيطها
بصلابة و أحاط بالخذلان ... و رعى رياض حياته بعزيمة
لبناء آمال و رفع أماني ... و مشى وفيا للحروف ونبضها
متسيدا في السبك و البنيان ... و مغردا بالشعر في ترحاله
بين الحروف بساحر الأوزان ... فزهت لقوم عاصروه خصاله
منذ الصبا وسمت على الأكوان ... و علت بآفاق الحياة حميدة
و تضوعت مسكا بكل مكان ... الحاقدون يغيظهم بالصمت إن
نقموا ويدفعهم إلى الإعلان ... عاش الحياة نعيمها و حميمها
يشدو مع الأفراح و الأحزان ... لم يعط بالا للخطوب بل انتشى
بخياله في السفح و الوديان ... وأفاض في حب القصيد وهام في
كل الدروب بسكرة الأشجان ... ***
ياأيها الصقر الجريح عزفت في ... نبض السطور بمعزف أشجاني
فرميتني في فكرك الزاهي ولم ... أجهل يقينا من عليه رماني
و رسمت رحلتك التي دبجتها ... في كل نبض دامع أبكاني
و رحلت نهرا جاريا في جنة ... مخضرة جريانه أجراني
و سريت بالأرواح بين مزاهر ... و قياثر ممسوسة و أغان
ونثرت شعرك حالما مترنما ... نثر اللآلئ في حجور غواني
تهتز بالألحان كل خريدة ... و تميد حسنا في هوى حسان
وتذوب سحرا حين يغمرها الهوى ... ويسيل عذب القول في الآذان
فجذبت أعناق الرجال و أشرقت ... طربا مشاعرهم خلال ثوان
لخيال ذي الإبداع والشرف العلـ ... ـي ومشعل النيران في الأذهان
و جلالة الأخلاق يوم تسيد الـ ... آفاق و استعلى على الأقران
برد و ظل للصحاب و روضة ... طابت و للأعدا حميم آن
*** ... من أين أبدأ يا مبدد وحدتي
و مناصحي في السر والإعلان ... من أين بل كيف البداية يا أبي
فبداخلي الأشجان كالبركان ... برزت حميما طامرا لما دجى
ليل بألطف ما به ينعاني ... دب الأسى في الناظرين وقد طغى
في الحائرين بخفة من جان ... منك ابتدأت حكايتي و سأنتهي
فيها ففيك بدائع الأشجان ... فاقبل غناء الحب من نجل يحبـ
ـك يا علي المرتقى والشان ... فلأنت يا أبتاه قدوة شاعر
يهواك شعرا سامقا و معاني ... يهواك قلبا دافئا فحنانه
يدني و جل الحب في التحنان ... و لقلبك الصافي ربيع سعادتي
فهو الذي بالحمد قد سماني ... و رعى مواهبي الفتية بل رعى
خطوي بآفاق الدنا و رعاني ... و هو الذي غذى فؤادي حبه
فسعدت يوما أنه رباني ... و هو الذي غنى لأضحك عنده
و هو الذي بالمكرمات سقاني ... و هو الذي يحنو علي إذا أسأ
ت بفعلة ولججت في عصيان ... و هو الذي إن خفت منه يحيطني
بذراعه وهو الرحيم الحاني ... و هو الذي زرع الجنان فغردت
فيها الطيور ورفرفت بمغان ... و هو الذي خبر الحياة بحلوها
و بمرها فسعى لرفع مكاني ... نفسي الفداء لشاعر ما غاب عن
ساح البيان وشامخ التبيان ... وعليه أثنى الخيرون و ذمه الـ
أتباع يا لفداحة الخسران ... وكأنه ما كان من يعفو و يسـ
ـترهم برغم الطيش والخذلان ... تبت يداك فما أتيت لغدرة
بأخيك لم تحتج إلى برهان ... فدع الطموح لسيد واترك تعلـ
ـلقك البغيض بغيمة و دخان ... ***
أبتاه بئس الطامحون بجهلهم ... نحو الضياع وحفرة السكران
ظنوا و بئس الظن أن سباقهم ... للحالقات شجاعة الشجعان
فترى نجاح الكادحين يذيبهم ... كمدا و يبقيهم بذل هوان
يسعون في نسف الفضائل جهرة ... ويرون أن الفضل في النكران
ويرون في طعن الظهور حصافة ... فيهم تقربهم إلى الدهقان
و فصاحة فيما يقول كبيرهم ... تبقيهم في زائف التيجان
ورم خبيث في شغاف قلوبهم ... حملوه بين لفائف الأضغان
إن المقاتل من يزين سيفه ... لا من تراقص خلفنا بسنان
و يغير في نحر العدو مخاطرا ... ويجود بالأنفاس دون ضمان
و يقدم النفس النفيسة لا يرى ... إلا خلودا في رحاب جنان
قد مجد الأعراف عبر دروبه ... و أضاءها بحلاوة الإيمان
ما مال للغدر المشين فقلبه ... زاك و منه الطيبات دواني
تدنو فيفعلها و يكسب أجرها ... وعلى الجبين تضيء كالعنوان
و سعى لنشر الخير دون تردد ... و أنيسه نور من القرآن
شتان يا أبتاه بين مخرف ... قرد و بين جهابذ الفرسان
الأول المعتوه حلق وحده ... في الحانقين بسبة و لعان
أفنى مباهجه الجنوح وعاش في ... غوغائه بالزور و البهتان
و غزا للؤم طباعه في أهله ... و سلاحه عود برجل أتان
حتى يرينا أنه بلغ السما ... و هو الذي ما زال في القيعان
ما زال مخدوع الفؤاد بثلة ... حصرته بين السقف والجدران
أما الفوارس فالطريق طريقهم ... وهم الرجال هم بكل زمان
الفارس الطماح عاش على الهدى ... متضرعا متطهر الأردان
يحيا بكل أمانة في قومه ... بالصدق و الحب النقي الباني
أبلى نضير شبابه متجشما ... كل الصعاب بهمة الفتيان
و أضاء ديجور الطريق بشعلة ... قد أوقدت من منهج رباني
يرنو لجمع الناس دون تعثر ... ويعي الخطا ما كان في الإمكان
و تراه أول قومه في فزعة ... يغشى الوغى والناس في اطمئنان
يمضى يشاهد خيره في غيره ... و يظل يسعد غيره و يعاني
*** ... ( أنا والرصيف ) جمعت فيها للدنا
نهج الصلاح بحنكة القبطان ... أبحرت فيها شاعرا بل خضتها
ذئبا و ليس الذئب كالسرحان ... أبحرت لم تحفل بكل مجاهل
و اجتزتها في خبرة الربان ... (أنا والرصيف) صنعت مثلك يا أبي
لما مشى جمع إلى الشيطان ... ساروا مع الخبث المبين جماعة
نكصت عن المعروف في روغان ... فوقفت وحدي والقصيدة دمية
غجرية رقصت على ألحاني ... في ظل صحبة صادق ومنافق
و مراهق و مزمر بالدان ... و مهرطق متنطع بالقول يطـ
ـلي خيبة الأفعال بالقطران ... فذهلت مما قد رأيت و بت في
هم و عشت غرائب السكان ... فضحكت حينا وابتسمت وحلقت
أحلام من غنى على الأكوان ... و بكيت حينا حائرا مما دهى
أحلامنا و الدمع في الأوجان ... وكتمت عبرة ذاهل ومددت كفـ
ـي ماسحا عينا بكت ببناني ... أعتقتها أدري لأملك غيرها
فملكتها و حكمت في إيواني ... و قصدت بحرك يا أبي بسعادة
أجتزها بالسيف من حرمان ... بحران يا أبتاه خضتهما معا
بحران مشتبهان مختلفان ... فحملت راية صابر بجهاده
وظفرت حين تقاطع البحران ... فسموت في بحر ومن بحر يمو
ج كفيت شر مكائد الحيتان ... أرهقت غيرك بالصراع وأنت في
جو السماء تسود بالطيران ... فتركتهم يتصارعون وسرت في
درب النجاة و لم تزل بأمان ... والآن عدت بعيد رحلتك التي
قد أبهرت قاص هناك و داني ... لم تألها عند المصاعب جهد صلـ
ب ثابت و لقد قهرت الشاني ... ***
( أنا والرصيف ) بنبضها أحيا أنا ... ويموت زيف المكر والطغيان
فأدك في زمن الصغار خنافسا ... قنعت بثفل الكأس و الفنجان
( أنا والرصيف ) خطاب كل مفوه ... في إنس هاتيك البلاد و جان
(أنا والرصيف) حملتها بسواعدي ... من بعد ما لاقت من استحسان
و زهت على الأرجاء تاجا رائعا ... في حضرة الأدباء و السلطان
كالوردة الحمراء فاح عبيرها ... و تمايلت في منظر فتان
( أنا والرصيف ) قصيدة مقدامة ... قادت عقول القوم للهذيان
من سحرها فقدوا العقول وسافروا ... فيما تصوغ كهائم نشوان
دخلت قلوبا فاشرأب لما بها ... قراؤها في صادق الإذعان
فتضج ألسنة الورى في نقلها ... يوما لشام في الربى و يمان
كم عشت فيها أستحث جمالها ... بمعازفي و أخطها بجناني
أشدو بها و أعيدها متذوقا ... مترنما و بها عزفت كماني
عنقود ألماس تألق لامعا ... فوق الصدور و فاق في لمعان
و سرى بروعته يرقص أنجما ... و البدر يشهد ما الجريح يعاني
من ذا يشابهه و يبدع مثله ... في فن نظم و اختيال بيان
قد صيغ من غر الفضائل نهجه ... و تجملت دنياه بالأوزان
*** ... يا شاطئ الأحلام زارك شاعر
متمرس بمثالث و مثان ... فاسمعه حبا إذ رأيت طريقه
عبر البحار و ساحر الشطآن ... يغشاك ما يغشاك من تطوافه
فتبيت تهذر هذرة الكهان ... فالحب في القلب الجريح يعيش في
صدق ولايخفى على الأقران ... و هو الكريم تراه ليس بممسك
كفا و ليس بمسرف منان ... هلا أجبت و كنت طيفا عابرا
في ليلة سكنت بلا هيجان ... إذ لا يزال هو الخيال بعينه
و حقيقة و بها يجود الحاني ... إذ لا يزال هو الصبور و غيره
قصد السفاهة في انتقام فاني ... إذ لا يزال هو المحلق فرحة
نحو الفضا والمجد والرضوان ... إذ لا يزال هو المحكم عقله
في النائبات على مدى الأزمان ... تاالله ما في الناس مثلك يا أبي
في لطفك الممزوج بالإحسان ... أو بشر وجه في لقاء أحبة
يغشونه حبا بلا استئذان ... أو بسمة تختال في أردانه
و هي التي طهرت من الأدران ... في حب فعل الخير دون تكلف
أو مطمع في الدر و العقيان ... طلق المحيا فالظواهر كالبوا
طن في عيون محبه سيان ... ***
يا أيها الصقر الجريح ملكت والـ ... ـقلب الرقيق يثور بالخفقان
فافتح لقلبك مغلقا واقنع بما ... ساق الهوى و أسل دم الأجفان
واشرب زلال الماء دون منغص ... تلق الصفاء و غن بالألحان
واكتم بقلبك ما تريد وهيج الـ ... ـصاحي بذكر حناتم و دنان
واقصد بشعرك قلب كل جميلة ... في أرضها وكن الحبيب الداني
و كن الدوا للغادة الهيفاء إن ... جمحت وحلق في عيون حسان
كحل بليلى مقلتيك و سرح الـ ... شعر الجميل بممشط مزدان
واخطب إذا ما شئت جارتها وطـ ... ـلق من نكحت وأنت في روقان
و تزوج الحسناء حين تسامعت ... وصفا يهيم بخصرها الريان
لن يمنع القلب الطموح تأود ... و هي التي مالت كغصن البان
وانبذ هواها إن أردت فما توقـ ... ـف عالم الغادات عن دوران
و المهر للحسناء ما قدرته ... مهرا فمليونان أو ألفان
فالأمر أمرك والملام على الذي ... أمسى يقبح فعله الملكان
و انه الذي ما زال ينسج حلمه ... في سقف صحراء ومطبخ حان
واقطع هناك و صل هنا متفردا ... ببيان أستاذ و حكمة باني
و اطو المفاوز إن أردت مسافرا ... و اقعد بأرضك في خيار ثاني
قوض خيام الطامعين ليسمعوا ... ما غاب عن فهر وعن مروان
و ابن القصور العاليات و حينا ... من فوقها و هلم بالأحضان
واستقبل الأحباب في جنح الدجى ... في القلب قبل القصر كالنعمان
و كن الحياة بخيرها لمغامر ... و مسافر و مخاصم و أناني
*** ... يا أيها الحر الكريم ألا ترى
بيع العبيد بأبخس الأثمان ... فلطالما آذوك دون هوادة
و لطالما بعدوا بغير تدان ... و لطالما كنت الرقيق بعطفه
فرفعت مستلق على الكثبان ... ليعود للعليا يغرد رافعا
راياته في عزة و تفان ... و يدل في زهو فقد أخرجته
بالنصح من متشابك القضبان ... وسحبت معتزلا إلى ساحاتك الـ
ـنشوى فأمعن أيما إمعان ... وأثرت في النائي بعفوك راحة
يدنو بها وصفحت عن هجران ... يتساءلون بأي شيء قدتهم
بنقاء قلب أم بصدق لسان ... فرأوك نهرا جال كل مفازة
ونمت زهور الحب في الأغصان ... و نمت حدائق بهجة و سعادة
و تزينت في مربع فينان ... كم ريشة و دسيسة و جناية
أزهقتها بدقائق و ثوان ... تعطي بصمت أم ترد بدرة
صماء ما آلت إلى خسران ... فاصبر على ما جاء إن غناءك الـ
محزون رعد في فؤاد جبان ... ما زال يزبد خسة و يفور كالـ
ـقدر المغطى ساعة الغليان ... ما احمر من خجل مضيع نفسه
في المخزيات وظل في العدوان ... ما عاد للحق المبين فباء بالـ
خزي المشين و باء بالخذلان ... هل قام في طهر ليرفع ذكره
( فالذكر للإنسان عمر ثاني ) ... أترى يعود إلى النقاء بموقف
و يعود للأصحاب و الخلان ... ***
الله يا زمنا قسى لقساوة الـ ... إنسان بئس قساوة الإنسان
تقسو القلوب فلا نعي أنا فقــ ... ـدنا وحدة في الصف والأبدان
تقسو فنأسى أن غدت تلك القلو ... ب بما بها أقسى من الصوان
أين التلاحم و هو ركن قائم ... في المعضلات أمات بالسرطان
ام مات حب الناس دون مشيع ... أم تاه خلف مجاهل النسيان
لا شئ في الدنيا يمزق صفوها ... إلا التفرق داخل البنيان
ما بين أحباب توثق حبلهم ... بالدين فانفلتوا من الأوطان
و تنكبوا هدي الصراط و لم يعوا ... أن الحياة بهية الألوان
فالقانع الراضي تخر له على ... عظم المراد وقلة الأعوان
و تعز في جشع الفئام و تنتهي ... إذ تنتهي باللؤم و الأضغان
من كان يطعن في ظهور أحبة ... فقد الصفاء بأغلب الأحيان
فتراه في نتن المخازي قابعا ... في سقطة جاءته بالمجان
عادت عليه معايبا في نفسه ... و كتابه بالسيئات يعاني
و فعاله تنبيك عن سقطاته ... و يداه مهما صار ترتجفان
فيذوق في الأيام مر غراسه ... و يبوء بالإحراق في النيران
و يعيش في أزماته لا تنتهي ... حسراته و يظل في استهجان
مترصد للطيبين بمكمن ... فإذا تمكن صار كالثعبان
لوأنصف الأصحاب جهد صحابهم ... لم يشتك الإخوان من إخوان
لو أحسن الأقوام في أفعالهم ... لم يشتك الجيران من جيران
و لعاش كل الناس تحت قناعة ... في ظلها نحيا صنوف حنان
و لأنصتوا للناصحين وأوصدوا ... باب الشماتة في هدى رباني
*** ... ما زلت تغرف من بحور قصائد
بمغارف غزر الحروف بطان ... ما زلت تنحت كالفرزدق من صخو
ر ما تريد بمنتهى الإتقان ... تملي و تكتب كل حين بالسنا
و يداك في الأوراق تنطلقان ... و يمتع الآلاف صوت قصيدة
و يزيدها نحو العلا شيئان ... صدق الحروف وقوة السبك التي
كانت جمال الشعر في ديوان ... حملا قصيدك في بيان ساحر
فهما بعذب الشعر يلتقيان ... فإذا القصيدة تطرب الدنيا هوى
و تهزها بغنائها الرنان ... بالله فتش عن جمالك في دمي
ما زال من نبض الهوى يلقاني ... أفكارك العصماء أنت فطرتها
و تركتها تجري بغير عنان ... حلقت في الإبداع ردحا و انتهى
بك عاليا تزهو على الأفنان ... علمت أبناء الحزام بأن في الـ
ـعلم النجاة و رفعة العمران ... أفديك يا رمز الإباء و منتدى
نفح النقاء و خيرة الأعوان ... أفديك لو أني أقطع مهجتي
في راحتيك لكنت في نقصان ... ما زلت تغمرني بحبك يا أبي
و أنا الذي عمر الجفاء كياني ... لو كنت أعلم أن سعدك في يدي
لوهبته ورحلت في أكفاني ... و لصغت طيبتك التي ما عاقبت
من حاربوك قصائدا للشاني ... لكن قلبك لم يرد إلا الهدى
للناكبين طرائق الإيمان ... الناس حولك صامتون أسرتهم
بشمائل تروي ظما الظمآن ... شيدت صرحا في خمائل ربوة
و رفعت أعلاما على البنيان ... هذا البنا أبدعت في تخطيطه
و رسمت فيه الحب للأكوان ... و نسفت وهم الواهمين فلم يعد
للواهمين سوى الحطام الفاني ... وخرجت من غصص الحياة متوجا
بمرصع الأخلاق في تيجان ... و لقيت في جل النفوس مراحبا
و كسرت كل أصابع العدوان ... و مددت كفك في وفاء نادر
بحرارة و بسمت في اطمئنان ... و فتحت أبواب الحياة لجاحد
ما زال في حنق مع القطعان ... و عفوت عنه و إنه مهما عتى
لعفوت يا شهما بكل زمان ... فندبت للعلياء دون منافس
و علوت رغم غوائل الخوان ... ***
دع عنك تثريب اللئيم فإنه ... سيشوه بين كرائم المرجان
سيموت في حنق ويشقى معدما ... ويعض من ندم على الأسنان
إن زار صحبا لم يبالوا حاجة ... ويظل يصرع في لظى الحرمان
و يخور إن جن المساء فبأسه ... في يأسه و هناك ينسحقان
أبتاه لا عاش الحسود منعما ... في نفسه و لمات في طوفان
خفت موازين الحسود و إن بدا ... جسدا يميل بكفة الميزان
يا أيها الصقر الجريح تحية ... من طائر للصقر في جيزان
أكمل مشاوير الحياة و عش لنا ... ذخرا فمجدك قدوة الشبان
علم و أخلاق و خير فضائل ... أبقتك فينا سامق الأركان
وبنهجك المحبوب تبقى عالما ... متفردا في عالم حيران
و كن القريب لناسها مترفعا ... عن جانح بالعفو و الإحسان
فعليك من قلبي السلام و إنني ... لمودع و هنا ختمت بياني
بعبارة أنت الذي سطرتها ... يوما وصارت حكمة الأزمان
(من لم يعش للناس عاش بدونهم ... صمت القبور و وحشة الأكفان)
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الجريح: جرح: الجَرْح: الفعلُ: جَرَحه يَجْرَحُه جَرْحاً: أَثَّرَ فِيهِ بِالسِّلَاحِ؛ وجَرَّحَه: أَكثر ذَلِكَ فِيهِ؛ قَالَ الْحُطَيْئَةُ: مَلُّوا قِراه، وهَرَّتْه كلابُهُمُ، ... وجَرَّحُوه بأَنْيابٍ وأَضْراسِ وَالِاسْمُ الجُرْح، ب … (لسان العرب)
- الصعاب: صعب: الصَّعْبُ: خِلَافُ السَّهْل، نَقِيضُ الذَّلُول؛ والأُنثى صَعْبَة، بالهاءِ، وَجَمْعُهُمَا صِعاب؛ ونساءٌ صَعْبات، بِالتَّسْكِينِ لأَنه صِفَةٌ. وصَعُب الأَمر وأَصْعَبَ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، يَصْعُب صُعوبة: صَارَ صَعْب … (لسان العرب)
- الصقر: صقر: الصَقْرُ: الطَّائِرُ الَّذِي يُصاد بِهِ، مِنَ الْجَوَارِحِ. ابْنُ سِيدَهْ: والصَّقْرُ كُلُّ شَيْءٍ يَصيد مِنَ البُزَاةِ والشَّواهينِ وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ، وَالْجَمْعُ أَصْقُرٌ وصُقُورٌ وصُقُورَةٌ … (لسان العرب)
- العميق: لعمق: اللَّعْمَقُ: الْمَاضِي الجَلْد. (لسان العرب)
- المنان: منن: مَنَّهُ يَمُنُّه مَنّاً: قَطَعَهُ. والمَنِينُ: الْحَبْلُ الضَّعِيفُ. وحَبل مَنينٌ: مَقْطُوعٌ، وَفِي التَّهْذِيبِ: حَبْلٌ مَنينٌ إِذَا أخْلَقَ وَتَقَطَّعَ، وَالْجَمْعُ أَمِنَّةٌ ومُنُنٌ. وَكُلُّ حَبَلٍ نُزِحَ بِهِ أَ … (لسان العرب)
- الواهب: أهب: الأُهْبَةُ: العُدَّةُ. تَأَهَّبَ: اسْتَعَدَّ. وأَخَذ لِذَلِكَ الأَمْرِ أُهْبَتَه أَي هُبَتَه وعُدَّتَه، وَقَدْ أَهَّبَ لَهُ وتَأَهَّبَ. وأُهْبَةُ الحَرْبِ: عُدَّتُها، وَالْجَمْعُ أُهَبٌ. والإِهابُ: الجِلْد مِنَ البَ … (لسان العرب)
- بعجزه: عجز: العَجْزُ: نَقِيضُ الحَزْم، عَجَز عَنِ الأَمر يَعْجِزُ وعَجِزَ عَجْزاً فِيهِمَا؛ وَرَجُلٌ عَجِزٌ وعَجُزٌ: عاجِزٌ. ومَرَةٌ عاجِزٌ: عاجِزَةٌ عَنِ الشَّيْءِ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي. وعَجَّز فلانٌ رَأْيَ فُلَانٍ إِذا نَسَب … (لسان العرب)
- تفكيري: فكر: الفَكْرُ والفِكْرُ: إِعمال الْخَاطِرِ فِي الشَّيْءِ؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَا يُجْمَعُ الفِكْرُ وَلَا العِلْمُ وَلَا النظرُ، قَالَ: وَقَدْ حَكَى ابْنُ دُرَيْدٍ فِي جَمْعِهِ أَفكاراً. والفِكْرة: كالفِكْر وَقَدْ فَكَر … (لسان العرب)