آخر كلمات القَرَّاء الضرير
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
يا أفق الوطن المسكينماذا في غدك المكنون؟
دعني أهتك عنكضباب كتابك حتى أشهد
يا لله!إني لا أشهد غير سوادٍ ملعون
وشبابٍ مهزوم النخوةمهتوك العزم
وحطامٍ كالعصف الذاويمن شجر التين المحروق
وغصونِ الزيتون الباليوبقايا راكدةٍ من ماءٍ وعيون
وقوافلَ من فلكٍ مشحونتحمل للشعب المحروم
شحنة "بانجو" وهيروين(2)
إني أسمع عصف الريح الصَّرصرْتعوي في الوطن المفجوع
وتزأريَهْدم ويدمر
يجتاحُ اليابسَ والأخضر(3)
ما كانت هذي بالرؤيابل أشهدُ ذلك رأيَ العين
وأرى أيضًا بقرات سبعًاعجفاوات سودًا
ينزفن دماءً وصديدًايأكلن سمينات من
أبقارٍ.. ألفٍ.. بل مليونْوأرى كل سنابل أرض النهر
تجف.. وتيْبَسُ ثم تَهاوَىلتكون طعامًا للدود المنكود
(4)وأرى الطوفانَ العارِم قادمْ
بسيول عاتيةٍ سوداءليست من ماء
بل من قَيءٍ.. وصديدٍودماءْ..
فإذا ما حُمَّ اليومُ الأسودُفاحذر أن تسأل- يا
ولدي الطيب- عن نوحوسفينة نوحْ
أو عن جبلٍ يحميكويعْصمكَ من اللُّجَجِ
السوداءِ.. الحمراءْأو عن قطعة ضوءٍ
تستهديها في الظلماءأو عن نوحٍ وسفينته
فسفينة نوحٍ..صادرها "الأمنُ الليلي"
وزوارُ الفَجرْفي صمت.. فكوها..
باعوها لَوْحًا لوحامسمارًا.. مسمارا
للملِك "اليأجوج"باعوها بالدولار.. وبالدينار
وبالويسكي المستورد والكفياروأجوس خلال الجوديّ..
فيا بؤس الجوديِّ الأخضرمَرسى نوحٍ.. وسفينته
وحمائمه.. وصحابتهجعلوه "منطقة حرة"
"منطقة الجودي الحرةللتهليب.. وللتهريبْ"
(5)فلتلزم تابوت الصمت
ولتحذر أن تهتففي غدك المفجوع العاني
"يا يوسف فلتأت إلينا..يا يوسف لا تبعد عنا"
يوسف صدِّيقٌ يا ولديولذلك يأبى أن يتولى
أمرَ خزائنِ وطنٍ منهوبٍمطحونْ..
ليكون عليها خيرَ أمينْيوسف هاجر للصحراءْ
آثر أن يرجع للجبِّ المعزولهناكْ
فخزائن هذا الوطنِ المطحونِتولاها حرَّاس الوطن
من العسكرشطارِ المنسر
(6)وأرى في سِفْر الوطنِ المكنونِ
الطفلَ الأخضرَنَبْتَ الوطنِ العاني
إما مفقودًا.. أو مغتصباأو موْءودا
إذ يأتي يومٌ يا ولدي..يتشبث فيه بثدي الأم
يعتصر بفكيه الحلَمةيستجديها نقطةَ لبنٍ
هاربةً في أعماق الصدرلكي تنقذه
من جوع ساعرْلكنَّ الحلمةَ لا تسعفه
إلا بنقاط من دمْيتلوها قيْءٌ وعدمْ
فالعسكر- في نهم كافر-امتصوا حتى لبن الأمِّ
فلما شبعواخنقوها في ليلٍ دامٍ
أما الطفل..فقد وأدوه بقاعِ النهرْ
(7)وأرى ألسنة الصفوة
من أحرار الناس ستُقطعْوعيون الأطهار ستُقلعْ
لتكون قلائد وعقوداوأساور تُهدَى
"لِسالومى"راقصةِ الملكِ اليأجوجْ
(8)والكلمةْ..
يا ويلَ الكلمةستُراق دماها ليل نهارْ
كي تَروي بستان "سالومى"ولِتَروِيَ أرض "اليأجوج"
المنهوبة من "أرض النهرْ"(9)
وستشهد كل فجاج الأرضتضيقُ.. تضيقُ بما رحُبت
حتى يتخذ الأحياءُقبورَ الأمواتِ مساكنْ
بل يغدو الموت- بلا ألمٍ-حلمَ الأحلامْ..
يطلبه الناس صباح مساء"بحق البؤس
وحق الذلتعالَ.. تعال"
فلا يأتيحتى الأيام- وصدقني-
ستحاول أن تنتحر فلا تقدرْتنتحر لتخلص من عارٍ
موهومٍ.. كاذبْألصقه فيها الأفاقون
الأفاكونإذ قالوا:
"عار الأيامظلم الأيام
غدر الأيام"مع أن الأيام من العار بريئةْ
والحقَّ أقول:العار الداعر فيمن سبوا الأيام
فيمن شحنوا الزمن الناصعَبمخازيهم.. هربًا منها
فيمن قالوا:ليس العدل أساس الملك
فيمن قالوا:"إن الملكَ بديلُ العدل.. وفوق العدل"
فيمن تخذوا الجبن فضيلةفيمن جعلوا الطهر جريمة
أما الصدق فشر رذيلةفيمن قصفوا عنق الكلمة
وبغدر قد غالوا الشمسوانتزعوا روح المستقبل
وانتهكوا الحاضر والأمسْ(10)
وأرى "سالومَى" والمنسرْفي رقصة عُهْر مجنون
تسكرهم أنخابٌ شتَّىمن خمر ضارٍ.. ودماءْ
في مأتم شعب مطحونْفي أرض النهر المحزونْ
(11)يا ولدي الطيب معذرةً
فالرؤية قد تاهتْ منيوالسحب الدامية السوداءْ
تمطر جمرًا وسكاكينْتطوى كل حطام باقٍ
من ماء وعيونْوجذور التين أو الزيتون
وأحسُّ بنبضي الذاويفي قلبي المطعونْ
يأسره الصمت الأبديُّفأعجزُ عن أن استقرئ
باقية باكيةمن سِفْر الوطن المكنونْ
عن القصيدة
«آخر كلمات القَرَّاء الضرير» من شعر جابر قميحة، وتقع في ٨٩ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.