مدينة بلا مطر
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: الطويل
«مدينة بلا مطر» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 39 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الألف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مدينتنا تؤرّق ليلها نار بلا لهب ... تحمّ دروبها و الدّور ثم تزول حمّاها
و يصبغها الغروب بكل ما حملته من سحب ... فتوشك أن تطير شراره و يهب موتاها
صحا من نومه الطينيّ تحت عرائش العنب ... صحا تموز عاد لبابل الخضراء يرعاها
و توشك أن تدق طبول بابل ثم يغشاها ... صفير الريح في أبراجها و أنين مرضاها
و في غرفات عشتار ... تظل مجامر الفخار خاوية بلا نار
و يرتفع الدعاء كأن كل حناجر القصب ... من المستنقعات تصيح
لاهثة من التعب ... تؤوب إله الدم خبز بابل شمس آذار
و نحن نهيم كالغرباء من دار إلى دار ... لنسأل عن هداياها
جياع نحن و اأسفاه فارغتان كفّاها ... و قاسيتان عيناها
و باردتان كالذهب ... سحائب مرعدات مبرقات دون إمطار
قضينا العام بعد العام بعد العام نرعاها ... وريح تشبه الإعصار لا مرّت كإعصار
و لا هدأت ننام و نستفيق و نحن نخشاها ... فيا أربابنا المتطلعين بغير ما رحمه
عيونكم الحجار نحسّها تنداح في العتمة ... لترجمنا بلا نقمة
تدور كأنهن رحى بطيئات تلوك جفوننا ... حتى ألناها
عيونكم الحجار كأنّها لبنان أسوار ... بأيدينا بما لا تفعل الأيدي بنيناها
عذارانا حزاني ذاهلات حول عشتار ... يغيض الماء شيئا بعد شيء من محيّاها
و غصنا بعد غصن تذبل الكرمة ... بطيء موتنا المنسلّ بين النور و الظلمة
له الويلات من أسد نكابد شدقه الأدرد ... أنار البرق في عينيه أم من شعله المعبد
أفي عينيه مبخرتان أوجرتا لعشتار ... أنافذتان من ملكوت ذات العالم الأسود
هنالك حيث يحمل كل عام جرحة الناريّ ... جرح العالم الدوار فاديه
و منقذه الذي في كل عام من هناك يعود بالازهار ... و الأمطار تجرحنا يداه لنستفيق على أياديه
و لكن مرّت الأعوام كثرا ما حسبناه ... بلا مطر و لو قطرة
و لا زهرة و لو زهرة ... بلا ثمر كأنّ نخيلنا الجرداء أنصاب أقمناها
لنذبل تحتها و نموت ... سيدنا جفانا آه يا قبره
أما في قاعك الطيني من جرّة ... أما فيها بقايا من دماء الرب أو بذره
حدائقه الصغيرة أمس حعنا فافترسناها ... سرقنا من بيوت النمل من أجرانها دخنا و شوفانا
و أوشابا زرعناها ... فوفّينا و ما وفى لنا نذره
و سار صغار بابل يحملون سلال صبّار ... و فاكهة من الفخّار قربانا لعشتار
و يشعل خاطف البرق ... بظل من ظلال الماء و الخضراء و النار
و جوههم المدوّرة الصغيرة و هي تستسقي ... فيوشك أن يفتّح و هي تومض حقل نوار
ورفّ كأنّ ألف فراشة نثرت على الأفق ... نشيدهم الصغير
قبور إخوتنا تنادينا ... و تبحث عنك أيدينا
ل؟أن الخوف ملء قلوبنا و رياح آذار ... تهز مهودنا فنخاف و الأصوات تدعونا
جياع نحن مرتجفون في الظلمة ... و نبحث عن يد في الليل تطعمنا تغطّينا
نشد عيوننا المتلفتات بزندها العاري ... و نبحث عنك في الظلماء عن ثديين عن حلمة
فيا من صدرها الأفق الكبير و ذديها الخيمة ... سمعت نشيجنا و رأيت كيف نومت فاسقينا
نموت و أنت واأسفاه قاسية بلا رحمة ... فيا آباءنا من يفتدينا من سيحيينا
و من سيمةت يولم لحمه فينا ... و أبرقت السماء كأن زنبقة من النار
تفتح فوق بابل نفسها و أضاء وادينا ... و غلغل في قراره أرضنا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الألف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- الدور: دَوَرَ: دَارَ الشيءُ يَدُورُ دَوْراً ودَوَرَاناً ودُؤُوراً واسْتَدَارَ وأَدَرْتُه أَنا ودَوَّرْتُه وأَدَارَه غَيْرُهُ ودَوَّرَ بِهِ ودُرْتُ بِهِ وأَدَرْت اسْتَدَرْتُ، ودَاوَرَهُ مُدَاوَرَةً ودِوَاراً: دَارَ مَعَهُ؛ قَالَ … (لسان العرب)
- الطيني: طين: الطِّينُ: مَعْرُوفٌ الوَحَلُ، وَاحِدَتُهُ طِينةٌ، وَهُوَ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْمَوْصُوفِ بِهَا؛ حَكَى سِيبَوَيْهِ عن العرب: ممرت بصحيفةٍ طينٍ خاتَمُها، جَعَلَهُ صِفَةً لأَنه فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، كأَنه قَالَ لَيّنٍ … (لسان العرب)
- العنب: عنب: العِنَبُ: مَعْرُوفٌ، واحدتُه عِنَبة؛ ويُجْمَعُ العِنبُ أَيضاً عَلَى أَعناب. وَهُوَ العِنَباءُ، بِالْمَدِّ، أَيضاً؛ قَالَ: تُطْعِمْنَ أَحياناً، وحِيناً تَسْقِينْ ... العِنَباءَ المُتَنَقَّى والتِّينْ، كأَنها مِنْ ثَم … (لسان العرب)
- القصب: قصب: القَصَبُ: كلُّ نَباتٍ ذِي أَنابيبَ، واحدتُها قَصَبةٌ؛ وكلُّ نباتٍ كَانَ ساقُه أَنابيبَ وكُعوباً، فَهُوَ قَصَبٌ. والقَصَبُ: الأَباء. والقَصْباءُ: جماعةُ القَصَب، واحدتُها قَصَبة وقَصباءةٌ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: الطَّرْف … (لسان العرب)
- تؤرق: ورق: الوَرَقُ: وَرَقُ الشَّجَرَةِ وَالشَّوْكِ. والوَرَقُ: مِنْ أَوْراق الشَّجَرِ والكِتاب، الْوَاحِدَةُ وَرَقةٌ. ابْنُ سِيدَهْ: الوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ مَعْرُوفٌ، وَقَالَ أَبو حَنِيفَةَ: الوَرَقُ كُلُّ مَا تَبَسَّطَ تَبَ … (لسان العرب)
- تؤوب: توب: التَّوْبةُ: الرُّجُوعُ مِنَ الذَّنْبِ. وَفِي الْحَدِيثِ: النَّدَمُ تَوْبةٌ. والتَّوْبُ مثلُه. وَقَالَ الأَخفش: التَّوْبُ جَمْعُ تَوْبةٍ مِثْلُ عَزْمةٍ وعَزْمٍ. وتابَ إِلَى اللهِ يَتُوبُ تَوْباً وتَوْبةً ومَتاباً: أَ … (لسان العرب)
- تحم: تحم: الأَتْحَمِيُّ: ضرْب مِنَ البُرود؛ قَالَ رُؤْبَةُ: أَمْسَى كَسَحْقِ الأَتْحَمِيِّ أَرْسُمُهْ وَقَالَ الشاعر: وَعَلَيْهِ أَتْحَمِيٌّ، ... نَسْجُه مِنْ نَسْج هَوْرَمْ [[. قوله [من نسج هورم] هكذا في الأَصل بالراء ومثله … (لسان العرب)