الأسطورة الأزليّة
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
الأسطورة الأزليّةرقم القصيدة : 68004
-----------------------------------كان زمان ، لم يكن كائنا
و حالة ، ما برحت باقيةملّ بنو الإنسان أطوارهم
و برموا بالسقم و العافيةفاستصرخوا خالقهم و اشتهوا
لو أنّه كوّنهم ثانيةو بلغت أصواتهم عرشه
في ليلة مقمرة صافيةفقال ، إنّي فاعل ما اشتهوا
لعلّ فيه حكمة خافيةو شاهدوه هابطا من عل
فاحتشدوا في السّهل و الرّابيهمن القرى القانعة الطاوية
و المدن الجامحة الغاديةتألّبوا من كلّ صوب كما
تجتمع الأمطار في الساقيهيسابق الصّعلوك ربّ الغنى
و الأبله الباقعة الداهيةو يدفع الشّيخ التوى عوده
وصار مثل الرمّة الباليةفتى مضى الفجر و لمّا نزل
روعته في وجهه باقيةو تزحم الحسناء ممكورة
خلذابة كالروضة الحاليةدميمة تشبه في قبحها
مدينة مهجورة عافيةفقال ربّ العرش : ما خطبكم :
مابالكم صرخاتكم عالية ؟هل أصبحت أرضكم عاقرا ،
أم غارت الأنجك في هاوية ؟أم أقلع الماء فلا جدول ،
و ماتت الطير فلا شادية ؟أم فقدت أعينكم نورها ،
أم غشيت أرواحكم غاشية ؟أين الهوى ، إن لم يكن قد قضى
فكل جرح واجد آسيةالفتى :
قال الفتى : يا ربّ إنّ الصّبامصدر أحزاني و آلامي
ألبستنيه مونقا بعدماأبلاه أخوالي و أعمامي
و صار في مذهبهم عصرهفترة زلاّت و آثام
فاختلفت حالي و حالاتهمكأنّني في غير أقوامي
وصرت كالجدول في فدفدأو شاعر ما بين أصنام
و الأخضر المورق في يابسأو مثل صاح بين نوّام
دنياهم دنياي ، لكنّماأعلامهم ليست كأعلامي
عندهم الروضة أشجارهاو الروض عندي الزهر النامي
و الطير لحم ودم عندهمو ليس عندي غير أنغام
سكري بها أو بالندى و الشذىو سكرهم بالخمر في الجام
يسخر قلبي بلياليهمو يسخر الدهر بأيّامي
كأنّني جئت لتبكيتهمكأنّما جاؤوا لإيلامي
عبء على نفسي هذا الصّباألجائش المستوفز الطامي
يزرع حولي زهرات المنىو شوكها في قلبي الدامي
فان º له كلّ فان هوىفان ، و لا ينجو من الذام
خذه ، و خذ قلبي و أحلاميفإنّني أشقى بأحلامي
ومر يمرّ الدهر في لحظةكالطيف أو كالبرق قدّمي
وازرع نجوم في لمّتيفينجلي حندس أوهامي
الشبح :وجاء شيخ حائر واجف
مشتعل اللّمّة بالي الإهابكأنّما زلزلة تحته
لما به رعشة واضطرابفصاح : يا ربّاه خذ حكمتي
واردد على عبدك عصر الشبابإنّ أماني الروح أزهارها
و إنّ روحي اليوم قفر يبابتلك الأماني ، على كذبها ،
لم تكن اللّذّة فيها كذّابزالت و ما زالت º و إنّ الشّقا
أن تطمس الآي و يبقى الكتابو تسلب السرحة أرواقها
و لم تزل أعراقها في الترابكنت غنيّا في زمان الصّبا
و كنت صفر الكفّ ، صفر الوطابصحوت من جهلي فأبصرتني
كأنّني سفينة في العبابقيل لها ، في البحر كلّ المنى
فلم تجد فب البحر إلاّ الضّبابنأت عن الشّطّ و لم تقترب
شبرا من السرّ الذي في الحجابو لو ترجّى أو به لاشتفت
لكنّما عزّ عليها الإيابمر تقف الأيّام عن سيرها
فإنّها تركض مثل السّحابوضع أمامي ، لا ورائي ، المنى
وطوّل الدرب ، وزد في الصّعابما لذّتي بالماء أروى به
بل لذّتي بالعدو خلف السّرابالحسناء :
و قالت الحسناء : يا خالقيو هبتني الحسن فأشقيتني
وجهي سنّي مشرق ، و إنّممرعى عيون الخلق وجهي السني
حظّي منه حظّ ورد الربىمن عطره الفوّاح و السوسن
و مثل حظّ السرو من فيئهو الطير من تغريدها المتقن
و مثل حظّ النجم من نورهفي الحندس المعتكر الأدجن
للقائل الفيء ، و السامعالتغريد ، و الزهرة للمجتني
و النور للمدلج و المجتلي ،و الدرّ للغائص و المقتني
كم ريبة دبّت إلى مضجعيمع الجمال الرائع الممكن
إن عشقت نفسي فويل لهاو الويل لي إن رجل حبّني
السمّ و الشوك و جمر الغضاأهون من كاشحة الألسن
كم تقتفيني نظرات الخناويلي من خائنة الأعين
لم يبق في روحي من موضعيت ربّ لم يخدش و لم يطعن
إنّ الغنى في الوجه لي آفةفليت أنّي دمية ليتني ...
الجارية :و سكتت º فصاحت الجارية
باكية من بؤسها شاكية :ذنبي إلى هذا الورى خلقتي
فهل أنا المجرمة الجانية ؟إن أخطأ الخزّاف في جبله ال
طين فأيّ ذنب للآنية ؟أليس من يسخر بي يزذري
بالقوّة الموجدة البارية ؟لو كنت حسناء بلغت العلى
فللجمال الرتبة العاليةفبات من أسجد قدّامه
صاغرة يسجد قدّميةفإنّني في ملإ ظالم
أحكامه جائرة قاسيةليس لذّات القبح من غافر
وفيه من يغفر للزّانيةنفسي جزء منك ، يا خالقي
و إنّها عاقلة راقيةأليس ظلما ، و هي بنت العلى ،
إن تك بالقبح إذن كاسية ؟فليكن الحسن رداء لها
ترفل به ، أو فلتكن عاريةالفقير :
و أقبل الصّعلوك مسترحمافي مقلتيه شبح اليأس
يصرخ يا ربّاه حتّى متىتحكّم الموسر في نفسي ؟
و تضع التاج على رأسهو تضع الشوك على رأسي ؟
و يشرب اللّذّات من كأسهو أشرب الفصّات من كأسي
و تنجلي الأنجم في ليلهضاحكة كالغيد في عرس
و يتوارى في نهري السناأو يتبدّى حانق الشّمس
يا ربّ لا تنقله عن أنسهو إنّما إلى الأنس
فإن تشأ أن لا يذوق الهناقلبي فجرّدني من الحسّ
لو لم يكن غيري في غبطةما شعرت روحي بالبؤس
الغني :و قال ذو الثّروة : ما أشتهي
لا أشتهي أنّي ذو ثروةأنفقت أيّامي على جمعها
و خلتني أدركت أمنيتيفاستعبدتني في زمان الصبا
و أوقرت بالهمّ شيخوختيقد ملكتني قبلما حزتها
و ملكتني و هي في حوزتيكنحلة أمسكها شهدها
من الجناحين فلم تفلتحسبتها تكسبني قوّة
فافترست قوّتها قوّتيجنت على نفسي و أحلامها
جناية الشوك على الوردةينمو فتذوي فهي علّيقه
يحذرها الطائف بالروضةمن قائل عنّي لمن خالني
أمرح من دنياي في جنّة :لا تنظر الأضواء في حجرتي
وانظر إلى الظلماء في مهجتيو لا يغرّنّك قصري فما
قصري سوى سجن لحرّيّتيأنّي في الصرح الرفيع الذرى
كطائر ، في قفص ، ميّتكم في عباب البحر من سابح
قد مات ظمآنا إلى قطرةموت الطوى شرّ و لكنّما
أفظع منه الموت بالتّخمةإن سهر العاشق من لوعة
أو سهر المحزون من كربهفالشوق كالحزن له آخر
و ينقضي في آخر المدّةأمّا أنا فقلقي دائم
ما دمت في مالي و في فضّتيو الخوف من كارثة لم تقع
أمصّ من كارثة حلّتكم من فقير مرّ بي ضاحكا
كأنّما يسخر من غصّتيرأيته بالأمس من كوّتي
فخلتني أنظر من هوّةو كنت كالحوت رأى موجة
ضاحكة ترقص كالطفلهأو حيّة تدبّ في منجم
ترنو إلى فراشة حرّهقد اختفت ذاتي في بردتي
فما يرى الخلق سوى بردتيفهم إذا ما سلّموا سلّموا
على خيوط البرد و الحلّةربّاه أطلق من عقال الغنى
روحي ، فإنّي منه في محنهوانزع من الدينار من قبضتي
صلابة الدينار من سحنتيو حوّل المال إلى راحة
و حوّل القصر إلى خيمةللأبله :
و صرخ الأبله مستفسراما القصد من خلقي كذا و المراد ؟
ألم يكن يكمل هذا الورىإلاّ أوجدتني في فساد
لي صورة النّاس و حاجاتهممن مطعم أو مشرب أو رقاد
لكنّ لبّي غير ألبابهمفإنّه مكتنف بالسواد
يعجزني إدراك ما أدركواكأنّ عقلي فحمة أو رماد
إن كنت إنسانا فلم يا ترىلست بادراكي كباقي العباد ؟
أولم أكن منهم فمرني أكنجرادة أو أرنبا أو جواد
فالندّ لا يعدم مع ندّهذريعة للسلم أو للجهاد
لا تسخر النّملة من نملةو ليس يزري بالقراد القراد
أم أنت كالحقل على رغمهينمو مع الحنطة فيه القتاد
للأديب :وجاء بعد المستريب
الألمعي العبقريّ اللّبيبفقال : إنّي تائه حائر
أنا غريب في مكان غريبأبحث عن نفسي فلا أهتدي
و ليس يهديني إليها أريبأنا عليم حيث لا عالم
أنا لبيب عند غير اللّبيبلو أنّني كنت بلا فطنه
سرت و لم تكثر أمامي الدروبو كان عقلي كعقول الورى
و كان قلبي مثل باقي القلوبو ثار عندي كالنجوم الورى
فلا عدوّ فيهم أو حبيبولم أر في ضحكهم و البكا
شيئا سوى الضّحك و غير النّحيبو لم أسائل كوكبا طالعا
ما لك تبدو ، و لماذا تغيبو لم أقف في الروض عند الضحى
يذهلني لون و شكل و طيبو لم أقل ما كنت من قبلما
كنت ، و لا ما في سجلّ الغيوبما العقل ، يا ربّ ، سوى محنة
لولاه لم تكتب عليّ الذنوبالخاتمة :
لمّا وعى الله شكايا الورىقال لهم : كونوا كما تشتهون
فاستبشر الشيخ و سرّ الفتىو الكاعب الحسناء و الحيزبون
...لكنّهم لمّا اضمحلّ الدجى
لم يجدوا غير الذي كانا...
هم حدّدوا القبح فكان الجمالو عرّفوا الخير فكان الطلاح
و ليس من نقص و لا من كمالفالشوك في التحقيق مثل الأقاح
...و ذرّة الرمل ككلّ الجبال
و كالذي عزّ الذي هانا
عن القصيدة
«الأسطورة الأزليّة» من شعر إيليا أبو ماضي، من العصر الحديث، وتقع في ١٤٧ بيتًا.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.