أقيمت على ساقين حق وباطل
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
أقيمَت عَلى ساقَين حق وَباطِلحروب بَني الدُنيا على قَتل عاهِلِ
تنازَع في حبّ البَقاءِ جَميعُهُمفَدارَت رحى تلكَ الحُروبِ الهَوائِلِ
وَلَو أَنَّها دارَت عَلى الجَهلِ لم تدعأَخا سفهٍ باغٍ عَلى الخلق جاهِلِ
وَلكن عَلى حبّ التغلّب في الوَرىأقيمَت فَكانَت باطِلاً أَيّ باطِلِ
وَقامَت قِياماتُ الرِجالِ فَلَن تَرىسِوى قائِلٍ بِالحَربِ لِلحَرب عامِلِ
وَجنّوا جنوناً لَم يَرَ الدَهرُ مثلهفصحَّ لِهذا فيهِمُ قَولُ قائِلِ
مرضتُ من الحَمقى فَلَم أُدرك المُنىتَمَنَّيتُ لَو أُشفى برؤية عاقِلِ
يجدّون في نَيل الأَماني وَإِنَّمامُنوا بِالمَنايا عاجِلاً غَيرَ آجِلِ
فَشيباً وَشبّانا إِلى الحَرب نُزَّلاًتَراهُم وَما غَيرُ الرَدى من مَنازِلِ
وَمن عجبٍ أَنّي أَرى الطِفل قائِداًبكلّ قَبيلٍ من صنوف القَبائِلِ
يُثير غبارَ المَوتِ في وَجهِ أَهلِهِبنفخَة بوقِ الحرب بَينَ الجحافِلِ
فَيَمضي لأَمر بِالمقود لأَمرهِلإِحقاق حقٍّ أَو لإِزهاق باطِلِ
يجدّان في صَون البلاد من العِدىوَمن غائِلٍ يَنتابها بِالغَوائِلِ
وَيَقتَحِمانِ الهَولَ من كلّ هائللِتَثبيتِ مجدٍ من تُراثِ الأَوائِلِ
وَهذا هو الحَقّ الصراح بِلا مراوَحسبُك منه صونُ ذاتِ الغَلائِلِ
لَئِن قيلَ إِن الأَرض بِالحَربِ أَمحَلَتوَلَم يَبقَ فيها مَوضِعٌ غير ماحلِ
وَمعتزلاً لِلحَربِ لم يَبقَ في السَماسِوى أعزلٍ بَينَ السماكين عازِلِ
فَقُل لِبَني الدُنيا مقالَة حكمَةٍتناقَلها أَهلُ النُهى في المَحافِلِ
مجازرُ هذي الحَرب لا مُنتَهى لهاوَجَزّارُها لا يَنتَهي بِالتَطاوُلِ
فَغَلّوا يَدَيهِ وَاِفعَلوا فيه فعلهوَكيلوا له صاعاً بِصاع المَكايِلِ
وَإلّا فَأَنتُم عرضَةٌ منهُ لِلرَدىقَريباً بِأَيّام تمرُّ قَلائِلِ
فَلا تهمِلوا حقّاً يَضِع لِضَياعكمبِداع اِنخِذالٍ فيكُمُ وَتَخاذُلِ
إِلى كَم تَدور الحَربُ في الناسِ دورهاتُجنّد لهم فَوقَ الثرى وَالجَنادِلِ
وَتُشبع أطيارَ الفَلا من لحومِهِمكَذا الوَحشَ وَالحيتانَ من كلّ آكلِ
لَقَد أقفرت من أهلها الأَرضُ بعدماشكت ثِقَلاً منهم شكايَةَ حامِلِ
غَدا كُلّ ربع مقفراً من رجالِهِوَلم يَكُ فيها مربعٌ غَيرُ آهِلِ
لقَد عَمَّت الدُنيا بطوفانِها الوَغىفَأَجرَت بُحوراً من دِماءٍ سَوائِلِ
فَيا سابِحاً قَد راعَ في الماءِ سابِحاتعقَّبه من ساحِلٍ بعد ساحِلِ
تجنَّبه وَاِحذَر لجّةً بَعدَ لُجَّةٍتُقلّك أَن تَأتي بشرّ القَلاقِلِ
وَلا تطغَ فيه إِنّه البحرُ إِن طَغىتساوى لدَيه كلّ عالٍ وَسافِلِ
وَيا فارِساً يُزري بمن كانَ راجِلاًيَصول عَلى متنِ الخُيولِ الأصايلِ
تسرّعتَ في شَأن القِتال كَحاصِدٍبمدفعهِ الرشّاش كلَّ مُقاتِلِ
وَيا أَيُّها الدَبّاب كَالشَيخ مثقَلابِرَبِّكَ ما أغناك عن ذا التَثاقلِ
تُحطِّم من تلقى وَتطرح جانِباًنُفوسَ الوَرى يا ويحَ تلك المَقاصِلِ
وَيا رامِحاً ما ضرَّ لو كنت أعزلاوَلَم تكُ تَسطو بِالرِماح الذَوابِلِ
وَيا نابِلاً لا كنت عيناً وَنابِلاًفَما ضرّنا غير العيونِ النَوابِلِ
تقارَبت الآجالُ منّا بها وَإِنتباعدتِ الأَجيال بُعدَ المَنازِلِ
عجلنَ أفولاً كَالنُجوم بصبحِهاوَما كان نجمٌ مصبحاً غيرَ آفِلِ
ترفَّق بخلقِ اللَهِ إِن كنتَ عاقِلاًسَيُسأل عَن أفعاله كلّ عاقِلِ
وَيا طائِراً طال الثريّا جناحُهتعاليت فاِجنَح لِلثَرى بِالتَنازُلِ
سموت إِلى الشِعري فهل كُنت شاعِراًأطلّ عَلى الدُنيا عَلى غيرِ طائِلِ
رويدك ما عيشُ الخيالِ بِنافِعٍفَلا تتخيَّل منهُ نَفعاً لِخائلِ
بلَغتُ مداه دون أَن أبلغ المُنىفَأَقصرتُ عنه بعد كلّ تطاولِ
وَلا تَكُ مِثلي واجداً ضاع عمرُهوَكانَ لَهُ في الشِعر أكبرُ شاغِلِ
وَكُن أبداً نحو الحَقيقَة مائِلاًوَإِن ثقلت طبعاً على كُلّ مائِلِ
وَإلا فَعادل بَينَ هذا وَهذِهجناحان محتاجان كلَّ تعادلِ
وَيا طائِراً إِن طارَ لاح كَبارِقٍوَإِن قَرَّ يُلفَ معقلاً في المَعاقِلِ
دَع الحَربَ لا تحفل بها وَبِأَهلِهاوَلا تشعِلنها بالقَنا وَالقَنابِلِ
وَأَبصر إِذا أَبصَرت إِملاقَ أَيّمٍتُفيض من الآماقِ دمعَ الثَواكِلِ
قَضى زوجُها في هذه الحرب تارِكاًصِغاراً وَلم يَترُك لهم بعض نائِلِ
طوت وَطَوى أولادُها عن مجاعَةٍوَلم يجدوا ما فيهِ بُلغة آكلِ
حكوا بِلَهيب الجوع شمعاً فَقد غدوايَذوبون جوعاً في الضُحى وَالأَصائِلِ
فَماتوا تباعاً لَم يدع منهُم الجَوىسِوى واحِدٍ يَرتاد في زِيِّ سائِلِ
إِلى أَن تولّاه الهزالُ بطبعهوَما سعيُ مجدودٍ قويٍّ كَناحِلِ
فَخافَت عَلَيهِ المَوتَ وَالمَوتُ حاضِرٌرَقيبُهما عن أَيمُنٍ وَشمائِلِ
فخفَّت إِلى الجيران تَلتَمِس النَدىوَلم يَك فيهِم ذا نَدىً غير باخِلِ
ترجّي لقَيماتٍ لتُشبع طِفلَهافَأَشبَعَها يَأساً رجالُ المَنازِلِ
وَراودَها عَن نَفسِها بعضُ من رَأىتَلاميحَ وجهٍ لِلمَحاسِن شامِلِ
فَهان عَلَيها المَوتُ موتاً تذوقُهُشَريفاً وَلا عَيشاً كَعَيشِ الأسافِلِ
وَكيف تبيح العِرضَ وَهو أعزُّ مايُصان وَقد عاشَت قرينَةَ فاضِلِ
وَأيّ كَريم إِن كبا عاد ناهِضاًبغير اِنعِطافٍ من كَريم حلاحلِ
أتسفلُ أم تعلو لتبلغُ بُلغَةمن العَيشِ لا تَأتي بغير التَسافلِ
وَتَقضي عَلى ما عندَها من شَمائِللتحيا وَشرُّ المَوتِ مَوتُ الشَمائِلِ
وَكَيفَ تَرى جوعاً يَموتُ وَحيدُهافَيَلحَقُ من أولادها بِالأوائِلِ
لقَد أشكلت هذي المَسائِل عندَهاوَلِلَّهِ من أَمثالِ تلكَ المَسائِلِ
أَلحَّ بها حبُّ البَقاءِ لطِفلِهاوَفي جَوفِها حرُّ الأسى كَالمَشاعِلِ
فَأَدلى بِها عطفُ الأمومَة لِلخَناإِذ اقتادها عنفاً لبعض الأَراذِلِ
فجاءَتهُ لا جاءت ليَقضي لُبانَةًوَما اللَّه عمّا يَبتَغيهِ بِغافِلِ
فَمَدّ كما شاءَ الشَقا لا كَما تَشايَداً نحوها تَغتالُ ذاتَ الغَلائِلِ
قَضى وطراً منها وَأَنقَدها كَماأَرادَ نقوداً زُيِّفَت بِالتَعاملِ
فَجابَت بِها الأسواق حَلّاً لمشكلوَبِالنَقد كَم حُلَّت كِبارُ المَشاكِلِ
أتَت تَشتَري لِلطِّفلِ خبزاً تُقيتهُوَأضلاعهُ شبه الغصون الذَوابِلِ
فَأَنكرها البَيّاع معرِفةً لهاكَأن لم يكن بِالنَقد يَوماً بِحافِلِ
وَقال لها هذه زُيوف وَما لَنابِها شغلٌ هَيّا اذهَبي لا تثاقلي
فَفاضَت دُموعُ العَين مِنها هواملاًوَلم يُجدِها فيضُ العُيون الهَوامِلِ
وَهَيهات يُجدي الدَمعُ رفعَ بَليّةٍإِذا نزلت في المرء بعضُ النَوازِلِ
تنوح وَلا تبدي مُصاباً بِها وَقَدأناخ عَلَيها دهرُها بِالكَلاكِلِ
وَعادَت عَلى يَأسٍ فقَرّت بدارهاوَأَدركها نزعُ المَمات المعاجِلِ
هنا اِستَسلَمَت لِلمَوتِ وهو حيالهاوَقد أَمَّ منها هيكَلاً في الهَياكِلِ
فَأَدركها في حالَة النزع طفلهابكسرة خبز دون إدمٍ لآكلِ
وَقال لَها أُمّاه أدركتُ لقمَةًخذيها وَلا يَقتلك فقدُ المَآكِلِ
قَضيت نهاري بِالسُؤال وَلم أجدمن الناسِ طُرّاً من يرقُّ لِسائِلِ
وَلمّا رَأَيت الخبز قد حال دونهزجاجٌ حواه وهو بعضُ الحَوائِلِ
هَجَمتُ عَلَيهِ هجمَةً فخطفتهُوَكِدت بِأَن أردى وَما اللَهُ قاتِلي
خففتُ وخفّ الناس خلفي وَكُلُّهُميَقول اِمسِكوا بِالسارِق المُتَحايِلِ
تَغَلغَلَ ما بَينَ المَنازِل خاطِفاًرَغيفاً فَمن يُدركهُ بَينَ المَنازِلِ
بلغتُك يا أُمّاه دونَ بُلوغِهِممُناهم وَقد ناضَلتُ كلّ مناضِلِ
فَضَمَّتهُ حالَ النَزعِ ضمَّ مودّعوَلم تُبدِ من وَهن جَواباً لِسائِلِ
لَقَد عقدَ المَوتُ الزُؤام لِسانَهافَأَعجزها وَيلاه عن نطق قائِلِ
وَفاضَت لِهذا روحُها عاجِلاً كماأفاض لها في دمعِه حالُ ثاكِلِ
قَضَت نحبها أُمُّ البَنينِ تضوُّراًمِنَ الجوعِ بَل نَحراً بِختلِ مُخاتِلِ
فَأَدرك معنى الموتِ طفلٌ حيالَهافَأغمي عَلَيهِ بِالبُكا وَالولاولِ
وَلم يصحُ إلّا والمفوّض حولهومن حوله بعضُ الجنود البَواسِلِ
فَمن قائِل هذا هو السارِق الَّذيشهدنا عَلَيهِ الآن دون تحامُلِ
وَمن قائِل هَيّا خُذوهُ أَمامَكُملِيَلقى جَزاءَ السارِق المُتَحايِلِ
هنالك سيق الطفل والناسُ حولهومن خلفِهِ ما بَينَ حافٍ وَناعِلِ
تساءل عنهُ الناس هل كان جانِياًهل الطفل يجني في حجور المَطافِلِ
وَلما رَأى في المخفَر الجلدَ قائِماًوَغِلّاً وَقيداً أُحكِما بِالسَلاسِلِ
وَنادى منادٍ أَن أَذيقوهُ طعمَ ماأذقتم سواه من طعام الأراذِلِ
تيقّن أنّ الموتَ أسرع نحوهفمات اِرتِياعاً دون أكلة آكِلِ
ألا أَيُّها الحكام ما العدل حكمكُمإِذا جاءَ حكمٌ منكمُ غير عادِلِ
أطفلٌ كهذا الطفل يؤذى للقمةٍتخطَّفها مستقتلاً لمقاتِلِ
أيُعقل في القانون تحريم قنصهِ اضطراراً وَتَحليلُ اقتِناص العَقائِلِ
وَيا أَيُّها النوّاب هل من محقّقٍفَيَدمغ في تحقيقِهِ كُلَّ باطِلِ
فَكَم من قَضاء في الجَزاء جَزاؤُهمن اللَهِ لِلقاضي أشدُّ المعاولِ
فَلَم تُشرع الأَحكام إلّا لِحكمةٍيَراها عَياناً عالمٌ غير جاهِلِ
وَيا أيّها الناس اِرحَموا كلّ بائِسٍبِفَضلِكُم أَهلَ الغِنى وَالفَواضِلِ
وَلا سيما إِن يشقَ فيكم منعّمٌوَأَيّ نَعيمٍ في الدُنا غَيرُ زائِلِ
فَوَاللَّهِ ما تَدرونَ أَين مَصيرُكُمإِذا ما أُصِبتُم بِالسِنين المَواحلِ
ألا فاِتَّقوا يَوماً من الدهرِ عابِساًيَعود إِلَيكُم بِالعَوادي القَواتِلِ
وَلا تَقبِضوا في الخَيرِ كَفّاً وَبسطُهابِهِ كَفُّ شَرٍّ وَاِرتِياحِ أنامِلِ
وَمَن لِليَتامى وَالأَرامِل فيكُمُثمالُ اليَتامى عصمة لِلأَرامِلِ
كَرائِم تِذكار لكُم عن أَماثِلٍوَلِلَّهِ تذكار الكرام الأَماثلِ
قَضى أَهلُها في الحرب أكبرَ واجِبٍإِلى أَن قَضوا بينَ الظُبى وَالذَوابِلِ
فَمن شاءَ أحياها وأحيا بها الوَرىفكم نابهات ثمَّ غيرُ خوامِلِ
فَلا تخشوا الفَقرَ الَّذي قد خشيتُمُزمان حروبٍ بِالرَزايا حَوامِلِ
وَأدُّوا زكاة المال فَرضاً وَسارِعوابِها وَأضيفوها زَكاة النَوافِلِ
وَأدُّوا بفَرض العَينِ فرض كِفايَةٍعَلَيكُم وَفِعلُ الخَير خيرُ الفَعائِلِ
ألا فَاِجمَعوا أيتامُكُم من مياتمٍلِغَيركُم ذاتِ الذُرى وَالكَواهِلِ
وَشيدوا لَها عَمّا قَريبٍ ملاجِئاًوَلا تُلجئوهم لِلسوى عن تجاهلِ
وَغيضٌ من الفَيض الإلهي كافِللَنا وَلَهُم من كُلّ حالٍ وَعاطِلِ
فَنيطوا بِأَشياخٍ لكم أمر ميتمٍتُريدونَهُ يغدُ قَريبَ التناولِ
وَلا خير في أمرٍ تولَّتهُ فتيةأغيلمة دون الشيوخ الكَوامِلِ
فَلِلشَّيخ في كُلّ الأُمور تجارُبٌتَكامل فيها العَقل كُلَّ تَكامُلِ
لكم أسوةٌ بِالغَيرِ لا تَتَواكَلوابِأَمرٍ عميم الخير شَرَّ تَواكُلِ
ألا فاِجمَعوهُم جمعَ اللَهِ شملَكُموَلا تَقطَعوهُم لاِقتِطاع المَراحِلِ
فَقد يَذهَب الصيّادُ من أجل صيدِهِمَذاهِبَ لا يَجتازُها ألفُ راجِلِ
وَيَأتي بِما أوتي من الطَير شاكِراًوَلَو كانَ عُصفوراً وَبَعض بَلابِلِ
كَذلِكَ يُشجيني وَيُنسيني الوَنىسَماعي مَقالاً فاصِلاً لِلمَفاصِلِ
هو العار حَقّاً أَن تَضيع جَهالَةًوَدائِع إخوان لَنا في المَجاهِلِ
فَأَبناؤُنا أبناؤُهُم وَبنوهمُبنون لَنا أيضاً بحكم التَكافُلِ
عن القصيدة
«أقيمت على ساقين حق وباطل» من شعر عمر الرافعي، من العصر الحديث، وتقع في ١٣١ بيتًا. ورويّها حرف اللام.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.