كيف ترقَى رُقِيَّك الأَنبياءُ

الشاعر: البوصيري · البحر: الخفيف · الغرض: قصيدة مدح

«كيف ترقَى رُقِيَّك الأَنبياءُ» من شعر البوصيري، من العصر المملوكي، وتقع في 202 بيتًا. نُظمت على بحر الخفيف، ورويّها حرف الهمزة، وغرضها قصيدة مدح.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

كيف ترقَى رُقِيَّكــ الأَنبياءُ ... يا سماءً ما طاوَلَتْها سماءُ

لَمْ يُساوُوك في عُلاكَ وَقَدْ حا ... لَ سناً مِنك دونَهم وسَناءُ

إنّما مَثَّلُوا صِفاتِك للنا ... س كما مثَّلَ النجومَ الماءُ

أنتَ مِصباحُ كلِّ فضلٍ فما تَص ... دُرُ إلا عــــــن ضـــــوئِكَ الأَضـــــواءُ

لكَ ذاتُ العلومِ من عالِمِ الغَي ... بِ ومــــنــــهــــا لآدمَ الأَســــمــــاءُ

لم تَزَلْ في ضمائرِ الكونِ تُختَا ... رُ لك الأُمــــــــهـــــــاتُ الأَبـــــــاءُ

ما مضتْ فَترةٌ من الرُّسْلِ إِلّا ... بَشَّرَتْ قومَها بِكَ الأَنبياءُ

تتباهَى بِكَ العصورُ وَتَسْمو ... بِكَ علْياءٌ بعدَها علياءُ

وَبَــــدا للوُجُــــودِ منك كريمٌ ... مــــن كــــريــــمٍ آبَــــاؤُه كُرماءُ

نَسَبٌ تَحسِبُ العُلا بِحُلاهُ ... قَلَّدَتْهَا نجومهَا الْجَوزاءُ

حــــبذا عِقْدُ سُؤْدُدٍ وَفَخَارٍ ... أنتَ فيه اليتيمةُ العصماءُ

وُمُحَيّاً كالشَّمس منكَ مُضِيءٌ ... أسْــــفَــــرَت عــــنــــه ليلةٌ غَرّاءُ

ليــــلةُ المولدِ الذي كَان للدِّي ... نِ ســـــرورٌ بـــــيـــــومِهِ وازْدِهـــــاءُ

وتوالَتْ بُشْرَى الهواتفِ أن قدْ ... وُلِدَ المصطفى وحُقّ الهَناءُ

وتَدَاعَى إيوانُ كِسْرَى ولَوْلا ... آيةٌ مِنكَ ما تَدَاعَى البناءُ

وغَدَا كلُّ بيتِ نارٍ وفيهِ ... كُرْبَةٌ مِنْ خُمودِها وَبلاءُ

وعيونٌ لِلْفُرسِ غارَتْ فهل كا ... نَ لنِيرانِهِم بها إطفاءُ

مَوْلِدٌ كان منهُ في طالعِ الكُفْ ... رِ وبـــــالٌ عـــــليـــــهِـــــمُ ووبــــاءُ

فَهنيئاً به لآمِنَةَ الفَض ... لُ الذي شُــــــرِّفَــــــتْ بـــــه حـــــوَّاءُ

مَنْ لِحَوَّاءَ أنها حملَتْ أحْ ... مــــدَ أو أنها به نُفَسَاءُ

يوْمَ نَالت بِوَضْعِهِ ابنَةُ وَهْبٍ ... مِنْ فَخَارٍ ما لم تَنَلْهُ النِّساءُ

وَأَتَتْ قومَها بأفضلَ مما ... حَمَلَتْ قبلُ مريمُ العذراءُ

شمَّتته الأَملاكُ إذ وضَعَتْهُ ... وشَفَتْنَا بِقَوْلِهَا الشَّفّاءُ

رافـــــعـــــاً رأسَه وفــــي ذلك الرف ... ع إلى كــــــل سُــــــؤْدُدٍ إيـــــمـــــاءُ

رامقاً طَرْفه السَّماءَ ومَرْمَى ... عينِ مَنْ شَأْنُهُ العُلُوُّ العَلاءُ

وتَـــــدَلَّتْ زُهْـــــرُ النُّجــــومِ إليــــهِ ... فأضاءت بِضوئها الأَرجاءُ

وتراءت قصورُ قَيصَر بالرُّو ... مِ يَرَاهَا مَنْ دَارُهُ البطحاءُ

وبَــــدَتْ فِــــي رَضَاعِهِ مُعْجِزَاتٌ ... لَيْس فيها عنِ العيون خَفَاءُ

إذْ أَبَــــتْهُ لِيُــــتْمِهِ مُرْضِعاتٌ ... قُلْنَ ما في اليتيمِ عنا غَنَاءُ

فأتتهُ من آلِ سعدٍ فتاةٌ ... قد أبَتْهَا لِفَقْرِهَا الرُّضَعاءُ

أرْضَعتْهُ لِبَانَهَا فَسَقَتْهَا ... وَبنِيها أَلْبَانَهُنَّ الشَّاءُ

أَصْبَحَتْ شُوَّلاً عِجافا وأمْسَتْ ... ما بِها شائلٌ ولا عَجْفاءُ

أخْصَبَ العَيْشُ عِنْدَهَا بعدَ مَحْلٍ ... إذ غَدا للنبيِّ منها غِذاءُ

يا لَها مِنَّةً لقدْ ضُوعِفَ الأَجْ ... رُ عليها من جِنْسِها والجزَاءُ

وإذا ســـــــخَّرَ الإِلهُ أُنـــــــاســــــاً ... لســــعــــيدٍ فإِنهم سُعَداءُ

حَبَّةــ أَنْبَتَتْ سَنَابِلَ والعَص ... فُ لَدَيْهِ يَسْتَشْرِفُ الضُّعَفَاءُ

وَأَتَـــــتْ جَـــــدَّهُ وقـــــد فَـــــصَــــلَتْهُ ... وبِهَا مِنْ فِصَالِهِ البُرَحَاءُ

إذ أحــــاطتْ به ملائكةُ الل ... هِ فظنَّتْ بأنهم قُرَنَاءُ

ورأى وَجْــــدَهــــا بــــه ومِــــنَ الوَج ... دِ لهيبٌ تَصْلَى بهِ الأَحْشاءُ

فَارَقَتْهُ كُرْهَاً وكان لَدَيْهَا ... ثاوِياً لا يُمَلُّ مِنْهُ الثّواءُ

شُــــقَّ عَــــنْ قَــــلْبِهِ وأُخْــــرِجَ مِــــنْهُ ... مُضْغَةٌ عِنْدَ غَسْلِهِ سوداءُ

خَتَمَتْهُ يُمْنَى الأَمينِ وقد أُو ... دِعَ مـــــا لم تُـــــذَع له أَنْــــبَــــاءُ

صانَ أَسْرَارَه الخِتَامُ فلا الفَضْ ... ضُ مُـــــــلِمٌّ بِهِ وَلا الإِفـــــــضــــــاءُ

أَلِفَ النُّسْكَ والعبادةَ والخَل ... وةَ طِفلاً وهكذا النُّجَبَاءُ

وإذا حَــــلَّتِ الْهِــــدَايَــــةُ قَلْبَاً ... نَشِطَتْ في العبادة الأَعضاءُ

بَعَثَ اللَّهُ عندَ مبعثهِ الشُّه ... بَ حِراساً وضاقَ عنها الفضاءُ

تَطْرُدُ الجِنَّ عن مقاعدَ للسَّمْ ... عِ كما تَطْرُدُ الذِّئابَ الرِّعاءُ

فَمَحَتْ آيةُ الكَهَانَةِ آيا ... تٌ مِنَ الوحْيِ ما لَهنَّ امِّحاءُ

ورأَتْهُ خــــديــــجــــةٌ والتُّقــــَى وال ... زُّهْدُ فيه سجيَّةٌ والحياءُ

وأتاها أن الغمامةَ والسر ... حَ أَظَــــلَّتْهُ منهما أفياءُ

وأحــــاديــــث أنَّ وَعْــــدَ رســــولِ ال ... له بالبعثِ حانَ منه الوفاءُ

فـــــدَعَـــــتْهُ إلى الزواجِ ومــــا أَحْ ... سَنَ ما يبلغُ المُنَى الأَذكياءُ

وأتاهُ في بيتها جَبْرَئيلٌ ... ولِذي اللُّبِّ في الأُمورِ ارْتياءُ

فأماطت عنها الخِمَارَ لتَدْري ... أهُوَ الوحْيُ أم هو الإِغماءُ

فاختفى عند كشفِها الرأْسَ جِبْري ... لُ فما عادَ أو أُعيدَ الغِطاءُ

فاستبانت خديجةٌ أنه الكنْ ... زُ الذي حَاوَلَتْهُ والكِيميَاءُ

ثم قام النبيُّ يدعو إلى الل ... هِ وفي الكُفرِ نَجْدَةٌ وإباءُ

أُمَمَاً أُشرِبَتُ قلوبُهُم الكُف ... رَ فَدَاءُ الضَّلالِ فيهم عَيَاءُ

ورأينا آياتِه فاهتدَيْنَا ... وإذا الحــــقُّ جــــاء زالَ المِــــراءُ

رَبِّ إِنَّ الهُــــــدى هُــــــداك وَآيــــــا ... تُكَ نورٌ تَهْدِي بها من تشاءُ

كم رأَيْنَا ما ليس يَعْقِلُ قد أُلْ ... هم ما ليْس يُلْهَمُ العُقلاءُ

إذ أبى الفيلُ ما أتى صاحبُ الفي ... لِ ولم ينفعِ الحِجا والذكاءُ

والجماداتُ أفصحت بالذي أُخ ... رِسَ عنه لأَحمدَ الفُصحاءُ

ويْحَ قومٍ جَفَوا نَبِيَّاً بأرضٍ ... أَلِفَــــتْهُ ضِــــبَــــابُهــــا والظِّبــــَاءُ

وَسَــــــلَوْهُ وَحَــــــنَّ جِــــــذعٌ إِليــــــه ... وَقَــــــــلَوْهُ وَوَدَّهٌ الغُــــــــرَبــــــــاءُ

أخرَجوه منها وآوَاهُ غارٌ ... وَحَـــــمَـــــتْهُ حَــــمــــامَــــةٌ وَرقــــاءُ

وَكَفَتْهُ بِنَسْجِها عنكبوتٌ ... ما كَفَتْهُ الحمامةُ الحَصْداءُ

وَاختفى منهمُ على قُرْبٍ مَرْآ ... هُ ومن شِدَّةِ الظهورِ الخَفَاءُ

وَنَحا المصطفى المدينةَ وَاشتا ... قتْ إليه من مكةَ الأَنحاءُ

وَتغنّتْ بِمَدْحِهِ الْجِنُّ حتَّى ... أطرَبَ الإِنسَ منه ذاك الغِناءُ

وَاقتفى إثْرَهُ سُراقَةُ فاستَهْ ... وَتهُ في الأَرْضِ صافنٌ جَرْداءُ

ثم ناداهُ بعدَما سِيمَتِ الخَس ... فَ العُلا وَقَد يُنْجِدُ الغريقَ النِّداءُ

فطوى الأَرضَ سائرا وَالسموا ... تِ العُــــلا فــــوقَهــــا له إِســــراءُ

فصِفِ الليلةَ التي كان للمُخ ... تارِ فيها على البُراقِ استواءُ

وترقى به إلى قابِ قَوْسَيْ ... نِ وَتِلكَ السيادةُ القَعْساءُ

رُتَبٌ تَسْقُط الأَمانيُّ حَسْرَى ... دونَهـــــــا مـــــــا وراءهــــــن وَرَاءُ

ثم وافَى يحدِّثُ الناسَ شُكْرَاً ... إذ أتته من ربِّهـــ النَّعْماءُ

وتَحَدَّى فارتابَ كلُّ مُريبٍ ... أَوَ يَبْقَى مع السُّيُولِ الغُثاءُ

وَهْوَ يدعو إلى الإِلهِ وَإن شق ... قَ عــــليــــه كــــفرٌ به وَازدِراءُ

وَيَــــدُلُّ الورَى على اللَّهِ بالتَّوْ ... حيدِ وَهْوَ المَحَجَّةُ البَيْضاءُ

فَبِمَا رحمةٍ مِنَ اللَّهِ لانَتْ ... صَــــخْرةٌ مِنْ إبائِهم صَمَّاءُ

وَاستجابَتْ له بنصرٍ وَفَتْحٍ ... بعد ذاكَ الخضراء والغبراءُ

وَأَطاعَتْ لأَمْرِهِ العَرَبُ العَرْ ... بــــاء وَالْجَــــاهِــــلِيَّةُ الْجَهْلاءُ

وَتَوالَتْ للمصطفى الآيةُ الكبْ ... رَى عليهمْ وَالغارةُ الشَّعْواءُ

فإذا ما تلا كتابا من الل ... هِ تَــــلَتْهُ كَــــتِــــيبَةٌ خضراءُ

وَكفاهُ المستهزئينَ وَكم سا ... ءَ نبِيَّاً من قومِه استهزاءُ

وَرَماهم بِدَعْوَةٍ من فِناءِ ال ... بَيتِ فيهَا للظالمين فَنَاءُ

خمسةٌ كُلُّهم أُصيبوا بداءٍ ... والرَّدَى مـــــن جـــــنــــودِهِ الأَدوَاءُ

فدَهَى الأَسودَ بنَ مُطَّلِبٍ أَي ... يُ عمىً مَيِّتٌ به الأَحياءُ

وَدَهَى الأَسودَ بنَ عبدِ يغوثٍ ... أن سَقَاهُ كأسَ الرَّدَى اسْتِسْقَاءُ

وأَصــــابَ الوليــــدَ خَــــدْشَةُ سَهْمٍ ... قَصَّرَتْ عنها الْحَيَّةُ الرَّقْطاءُ

وَقَضَتْ شَوْكَةٌ على مَهْجَةِ العا ... صِــــي فللّهِ النَّقْمَة الشَّوْكاءُ

وَعَلا الحارثَ القُيُوحُ وَقد سا ... لَ بِهــــــا رأسُه وَســـــاء الوِعـــــاءُ

خمسةٌ طُهِّرَتْ بِقَطْعِهِم الأَر ... ضُ فَــــكَــــفُّ الأَذى بــــهــــم شَــــلَّاءُ

فُدِيَتْ خمسةُ الصَّحيفةِ بالخَم ... ســــةِ إن كان بالكرام فِدَاءُ

فِتْيَةٌ بَيَّتُوا على فِعلِ خَيْرٍ ... حَمِد الصبحُ أمرَهم وَالمَساءُ

يَا لأَمر أَتاهُ بعدَ هِشامٍ ... زَمْعَةٌ إنه الفتَى الأَتَّاءُ

وَزُهَيْرٌ وَالْمُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ ... وَأبو البَخْتَرِيِّ مِنْ حيث شاؤوا

نَقَضُوا مُبْرَمَ الصَّحيفةِ إذ شد ... دَت عليهم من العِدا الأَنداءُ

أذْكَرَتْنَا بِأَكْلِهَا أكلَ مِنْسَا ... ةِ سُلَيْمانَ الأَرْضَةُ الخَرساءُ

وَبهَا أخبَر النبيُّ وكم أخ ... رَجَ خَبْئاً له الغُيُوبُ خِبَاءُ

لا تَخَلْ جانِبَ النبيِّ مُضَاماً ... حينَ مَسَّتْهُ منهمُ الأَسْواءُ

كلُّ أمرٍ نَابَ النبيِّينَ فالشد ... دَةُ فيه محمودةٌ وَالرّخاءُ

لو يَمسُّ النُّضَارَ هُونٌ مِنَ النا ... رِ لما اختيرَ للنُّضَارِ الصِّلاءُ

كم يَدٍ عن نَبِيِّهِ كَفَّهَا الل ... هُ وَفي الخَلْقِ كَثْرَةٌ وَاجتراءُ

إذ دعا وَحْدَهُ العبادَ وَأَمْسَتْ ... مِنه في كلِّ مُقلَةٍ أَقْذاءُ

هَمَّ قومٌ بِقَتْلِهِ فأَبى السَّيْ ... فُ وَفـــــــاءً وَفـــــــاءتِ الصَّفــــــْواءُ

وَأبو جهلٍ إذ رأى عُنُقَ الفح ... لِ إليــــه كــــأنــــه العــــنقَاءُ

وَاقتضَاهُ النبيُّ دَيْنُ الإِراشي ... يِ وَقــــد سَــــاء بــــيــــعُهُ وَالشِّرَاءُ

وَرأى المصطفى أَتَاهُ بما لَمْ ... يُنْجِ منه دونَ الوفاء النَّجَاءُ

هوَ ما قد رآهُ مِن قبلُ لكنْ ... ما عَلَى مِثْلِهِ يُعَدُّ الخَطَاءُ

وَأَعَــــدَّتْ حَمَّالَةُ الحَطَبِ الفِه ... رَ وَجَــــاءَتْ كــــأَنــــها الوَرْقاءُ

يومَ جاءَت غَضْبَى تقولُ أفي مِث ... لِيَ مِنْ أحمدٍ يُقالُ الهِجَاءُ

وَتَـــــولَّتْ وَمَـــــا رأتــــه وَمِــــنْ أَيْ ... نَ تَرَى الشمسَ مُقْلَةٌ عمياءُ

ثم سَمّتْ له اليهوديَّةُ الشَا ... ةَ وَكم سَامَ الشِّقْوَةَ الأَشقِيَاءُ

فأَذاعَ الذِّراعُ مَا فيه مَن شر ... رٍ بِــــنُــــطْــــقٍ إخــــفاؤُهُ إبداءُ

وَبِــــخُلقٍ مِنَ النبيِّ كريمٍ ... لَمْ تُقَاصَصْ بِجرحهَا العَجْماءُ

مَنَّ فَضْلاً عَلَى هَوَازِنَ إذْ كا ... نَ له قبلَ ذَاكَ فيهِمِ رِبَاءُ

وَأتى السَّبيُ فيه أُختُ رَضَاعٍ ... وَضَعَ الكُفْرُ قَدْرَهَا وَالسِّبَاءُ

فَحَبَاهَا بِرّاً تَوَهَّمَتِ النَّا ... سُ بـــــه أنَّمـــــا السِّبــــَاء هِــــداءُ

بَسَطَ المصطفى لها مِن رِداءٍ ... أيُّ فــــــضـــــل حَـــــوَاهُ ذاكَ الرِّداءُ

فَغَدَتْ فيه وَهْيَ سيِّدةُ النِّسْ ... وَةِ وَالســـــيِّدَاتُ فـــــيـــــه إمَـــــاءُ

فتَنَزَّهْ في ذاتِه وَمَعَانيهِ ... استماعاً إنْ عَزَّ مِنهَا اجتِلاءُ

وَاملأ السّمْعَ مِن محَاسِنَ يُمْلِي ... هَا عليك الإنشَادُ وَالإِنْشَاءُ

كلُّ وَصْفٍ له ابْتَدَأتَ به استَوْ ... عَبَ أخبَارَ الفضلِ مِنه ابتداءُ

سَيِّدٌ ضِحْكُهُ التَّبَسُّمُ وَالْمَش ... يُ الهَوَيْنَا وَنَومُهُ الإِغفاءُ

مَا سِوَى خُلْقِهِ النسيمُ وَلا غَيْ ... رَ مُحَيَّاهُ الرَّوْضَةُ الغَنَّاءُ

رحـــــمـــــةٌ كـــــلُّهُ وَحَـــــزْمٌ وَعَــــزْمٌ ... وَوَقَـــــارٌ وَعِـــــصْــــمَــــةٌ وَحَــــيَــــاءُ

لا تَحُلُّ البأْسَاء مِنه عُرَا الصَّبْ ... رِ وَلا تَـــــسْـــــتَــــخِــــفُّهــــُ السَّرَّاءُ

كَرُمَتْ نَفْسُهُ فما يخْطُرُ السُّو ... ء عَــــلَى قَلْبِهِ وَلا الفحشَاءُ

عَظُمَتْ نِعْمَةُ الإِله عليه ... فاستَقَلَّتْ لِذِكْرِهِ العُظَمَاءُ

جَهِلَتْ قومُهُ عليه فأَغْضَى ... وَأخــــو الحِــــلْم دَأبُهُ الإِغْضَاءُ

وَسِعَ العَالَمِين عِلْمَاً وَحِلْمَاً ... فهْوَ بحرٌ لم تُعْيِهِ الأَعبَاءُ

مُسْتَقِلٌّ دُنْيَاكَ أن يُنْسَبَ الإِم ... ساكُ منها إليه والإِعطاءُ

شمسُ فضلٍ تَحَقَّقَ الظنُّ فيه ... أنه الشمسُ رِفْعَةً والضِّياءُ

فإذا ما ضحا محا نورُه الظِّل ... لَ وقد أثْبَتَ الظِّلالَ الضَّحَاءُ

فكأنَّ الغمامةَ استَوْدَعَتْهُ ... مَنْ أظَلَّتْ مَنْ ظِلِّهِ الدُّفَفَاءُ

خَفِيَتْ عِنْدَهُ الفضائلُ وانجا ... بَتْ به عن عقولِنَا الأهواءُ

أمَــــعَ الصُّبــــحِ للنجومِ تَجَلٍّ ... أمْ مع الشمسِ للظلامِ بَقاءُ

مُعجزُ القَوْلِ والفِعَالِ كريمُ ال ... خلقِ وَالخُلْقِ مُقْسِطٌ مِعْطاءُ

لا تَقِسْ بالنبيِّ في الفضل خَلْقَاً ... فهو البحر والأنامُ إضاءُ

كلُّ فضل في العالَمين فمن فَض ... لِ النبيِّ استعارَهُ الفُضَلاءُ

شُــــقَّ عَنْ صَدْرِهِ وشُقَّ لَهُ البَدْ ... رُ وَمِــــنْ شَــــرْطِ كــــلِّ شَرْطٍ جَزاءُ

ورَمَى بالحَصَى فأَقْصَدَ جَيشاً ... ما العَصَا عِنْدَه وَمَا الإِلقاءُ

ودعــــا للأنــــامِ إذ دَهَــــمَتْهُم ... سَنَةٌ مِنْ مُحولِها شَهْباءُ

فاسْتَهَلّتْ بالغَيْثِ سَبْعَةَ أَيَّا ... مٍ عليهم سحابةٌ وَطْفاءُ

تَتَحَرّى مَواضِعَ الرَّعْيِ وَالسَّقْ ... يِ وحيث العِطاشُ تُوهَى السِّقاءُ

وأتى الناسُ يَشْتَكُونَ أذاها ... وَرَخَــــاءٌ يُــــؤْذِي الأنــــام غــــلاءُ

فدعا فانجلى الغمام فقلت في ... وصف غيث إِقْلاعَه استسقاءُ

ثم أَثْرى الثَّرَى فقرَّتْ عُيونٌ ... بقُراهَا وَأُحْيِيَتْ أَحْيَاءُ

فترى الأرضَ غِبَّهُ كسماءٍ ... أشْرَقَتْ مِنْ نُجومِهَا الظَّلْمَاءُ

تُخْجِلُ الدُّرَّ واليواقيتَ من نَوْ ... رِ رُباها البَيْضَاءُ والحَمراءُ

لَيْـــــتَهُ خَـــــصَّنــــِي بِــــرُؤْيَــــةِ وَجْهٍ ... زَالَ عن كلِّ من رآه الشّقاءُ

مُسْفِرٌ يَلْتَقِي الكَتِيبَةَ بَسَّا ... ماً إذا أسْهَمَ الوُجُوهَ اللِّقاءُ

جُعِلَتْ مَسْجِدَاً له الأرضُ فاهْتز ... زَ به للصلاةِ فيها حِرَاءُ

مُظْهِرٍ شَجّةَ الْجَبِينِ عَلَى البُرْ ... ءِ كما أَظهرَ الهلالَ البَرَاءُ

سُتِرَ الحُسْنُ منه بالحسنِ فاعجَبْ ... لِجَــــمِــــالٍ له الْجَــــمــــالُ وِقــــاءُ

فهْوَ كالزّهْرِ لاحَ من سَجَفِ الأك ... مام والعودِ شُقَّ عنه اللّحاءُ

كَادَ أَنْ يُغشِيَ العُيونَ سناً مِنْ ... هُ لِسِــــرٍّ فــــيــــه حَــــكَتْهُ ذُكاءُ

صانَهُ الحُسْنُ وَالسّكِينَةُ أَنْ تُظ ... هِرَ فيه آثارها البأساءُ

وتَــــخَالُ الوجوهَ إنْ قابَلَتْه ... أَلْبَسَتْهَا ألوانَهَا الحِرْبَاءُ

فــــإذا شِــــمْــــتَ بِــــشْرَهُ وَنَدَاهُ ... أذْهَــــلَتْــــكَ الأنوارُ والأنواءُ

أَوْ بتقبيلِ راحةٍ كانَ لل ... هِ وبــــاللَّه أخذها والعطاءُ

تَتَّقِي بأْسَها الملوكُ وَتحْظَى ... بالغِنَى من نَوَالِهَا الفُقَراءُ

لا تَسَلْ سَيْلَ جُودِها إنما يَك ... فِيك مِنْ وكْفِ سُحْبها الأنداءُ

دَرَّتِ الشاةُ حينَ مرَّتْ عَلَيها ... فــــلها ثَرْوَةٌ بها وَنَماءُ

نَبَعَ الماءُ أَثْمَرَ النخلُ في عا ... مٍ بها سَبَّحَتْ بها الحصباءُ

أحْيَتِ المُرْمِلِينَ مِنْ مِوْتِ جَهْدٍ ... أَعْوَزَ القَوْمَ فيه زادٌ وماءُ

فتغَدَّى بالصَّاعِ أَلْفٌ جِياعٌ ... وتَــــرَوَّى بــــالصَّاــــعِ ألفٌ ظِمَاءُ

وَوَفَى قدرُ بَيْضَةٍ مِنْ نُضَارٍ ... دَيْنَ سَلْمَانَ حِينَ حانَ الوفاءُ

كانَ يُدْعَى قِنّاً فأُعْتِقَ لَمَّا ... أيْنَعَتْ مِنْ نَخيلِه الأَقْنَاءُ

أفــــلا تَــــعْــــذُرُونَ سَلْمَانَ لَمَّا ... أَنْ عَــــرَتْهُ مِــــنْ ذِكْرِهِ العُروَاءُ

وَأَزالَت بِـــــلَمْـــــسِهَـــــا كـــــلَّ دَاءٍ ... أكْــــــبَـــــرَتْهُ أطِـــــبَّةـــــٌ وَإِسَـــــاءُ

وعُيُونٌ مَرَّتْ بها وَهْي رُمْدٌ ... فأَرَتْهَا مَا لَمْ تَرَ الزَّرْقَاءُ

وأَعادَتْ عَلَى قَتَادَةَ عَيْنَاً ... فَهْيَ حتى مماتِه النَّجْلاءُ

أَوْ بِلَثْمِ التُّرَابِ مِنْ قَدَمٍ لا ... نَتْ حَياءً من مَشْيِهَا الصَّفْواءُ

مَوْطِئُ الأخمَصِ الَّذِي منه للقل ... لبِ إذا مَضْجَعي أَقَضَّ وِطاءُ

حَظيَ المسجدُ الحرامُ بمَمْشا ... ها ولم يَنْس حَظه إِيلِيَاءُ

وَرَمَتْ إذْ رَمَى بها ظُلَمَ اللي ... لِ إلى اللَّه خـــــــوفُه والرَّجـــــــاءُ

دَمِيَتْ في الوَغَى لِتَكْسِبَ طِيباً ... ما أراقتْ من الدَّمِ الشُّهداءُ

فَهْيَ قُطْبُ المحرابِ وَالْحَرْبِ كم دا ... رت عليها في طاعة أَرحاءُ

وَأُرَاهُ لو لم يُسَكِّنْ بها قب ... لُ حِــــراءً مــــاجَــــتْ بِهِ الدَّأْمَــــاءُ

عَجَباً للكُفّارِ زادوا ضلالاً ... بالذي فيه للعقول اهتداءُ

والذي يسألون منه كتابٌ ... مُنْزَلٌ قد أتاهم وارتقاءُ

أَوَ لم يَكْفِهِمْ من اللَّهِ ذِكْرٌ ... فيه للناس رحمةٌ وشفاءُ

أَعجزَ الإِنسَ آية منه والجن ... نَ فَهَلَّا يأتي بها البُلَغاءُ

كلّ يومٍ تُهدَى إلى سامِعِيه ... مُعجِزاتٍ من لفظِه القُرَّاءُ

تَتَحَلَّى به المسامِعُ والأف ... واه فَهْــــــو الحُـــــلِيُّ وَالحَـــــلْوَاءُ

رَقَّ لَفْظاً وراق معنىً فجاءَتْ ... في حُلاها وحَلْيِها الخَنْسَاءُ

وأرَتْنَا فيه غوامضَ فضلٍ ... رِقَّةـــــٌ مِـــــنْ زُلالِهَــــا وَصَــــفــــاءُ

إنما تُجْتَلَى الوُجُوهُ إذَا ما ... جُلِيَتْ عِنْ مِرْآتِهَا الأصْداءُ

سُوَرٌ منه أشْبَهَتْ صُوَراً مِن ... نَا ومِثْلُ النَّظَائِر النُّظَراءُ

والأقاويل عندَهمْ كالتماثي ... لِ فلا يُوهِمَنَّكَ الخطباءُ

كم أبانَتْ آياتُهُ من علومٍ ... عن حُروفٍ أبانَ عنها الهجاءُ

فهْي كالحَبِّ والنَّوَى أعجبَ الزُّر ... راعَ مــــنــــهُ ســــنــــابلٌ وَزَكاءُ

فأطالوا فيه التردُّدَ وَالرَّي ... بَ فقالوا سِحْرٌ وقالوا افتراءُ

وإذا البيِّنَاتُ لَمْ تُغْنِ شيئاً ... فَالتماسُ الهُدَى بِهِنَّ عَناءُ

وإذا ضــــلَّتِ العُقول على عِلْ ... مٍ فماذا تقوله الفُّصَحاءُ

قومَ عيسى عاملْتم قومَ موسى ... بالذي عامَلَتْكُم الحُنفاءُ

صَدَّقوا كُتْبَكُمُ وكذَبْتُمْ ... كُتبَهُمُ إنّ ذا لَبِئْسَ البَواءُ

لو جحدنا جُحُودَكم لاستويْنَا ... أوَ للحــــقِّ بالضَّلالِ استواءُ

مَا لَكُم إِخْو

البحر والقافية

القصيدة على بحر الخفيف. من أعذب البحور وأكثرها شيوعًا بعد الطويل والكامل، خفيف على السمع يصلح لأغراض كثيرة.

تفعيلاته: فاعلاتن مستفعِ لن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف الهمزة، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • بشرت: شرت: الشَّرَنْتى: طائر. (لسان العرب)
  • تختا: ختأ: خَتَأَ الرجُلَ يَخْتَؤُه خَتْأً: كَفَّه عَنِ الأَمر. واخْتَتأَ مِنْهُ: فَرِقَ. واختَتأَ لَهُ اختِتاءً: خَتَلَه؛ قَالَ أَعرابي: رأَيت نَمِراً فاخْتَتَأَ لِي؛ وَقَالَ الأَصمعي: اخْتَتَأَ: ذَلَّ؛ وَقَالَ مَرَّةً: اخْتَ … (لسان العرب)
  • دونهم: دَوَنَ: دُونُ: نقيضُ فوقَ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ عَنِ الْغَايَةِ، وَيَكُونُ ظَرْفًا. والدُّونُ: الْحَقِيرُ الْخَسِيسُ؛ وَقَالَ: إِذا مَا عَلا المرءُ رامَ العَلاء، ... ويَقْنَع بالدُّونِ مَن كَانَ دُونا وَلَا يُشْتَقُّ مِنْهُ … (لسان العرب)
  • رقيك: (رَقَى) الرَّاءُ وَالْقَافُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصُولٌ ثَلَاثَةٌ مُتَبَايِنَةٌ: أَحَدُهُمَا الصُّعُودُ، وَالْآخَرُ عُوذَةٌ يُتَعَوَّذُ بِهَا، وَالثَّالِثُ بُقْعَةٌ مِنَ الْأَرْضِ. فَالْأَوَّلُ: قَوْلُكَ رَقِيتُ فِي … (مقاييس اللغة)
  • صفاتك: صفت: رَجُلٌ صِفْتِيتٌ وصِفْتاتٌ: قويٌّ جَسِيمٌ. ابْنُ سِيدَهْ: الصِّفْتاتُ مِنَ الرِّجَالِ التارُّ اللَّحْمِ، المجتَمِع الخَلْق، الشديدُ المُكْتَنِز، والأُنثى: صِفْتاتٌ وصِفْتاتةٌ. وَقِيلَ: لَا تُنْعَتُ المرأَة بالصِّفْت … (لسان العرب)
  • ضوئك: (ضَوِيَ) الضَّادُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى هُزَالٍ. يُقَالُ: غُلَامٌ ضَاوِيٌّ: مَهْزُولٌ ؛ وَزْنُهُ فَاعُولٌ. وَجَارِيَةٌ ضَاوِيَّةٌ. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: إِذَا تَقَارَبَ نَسَبُ الْأَبَو … (مقاييس اللغة)
  • طاولتها: طول: الطُّولُ: نَقِيضُ القِصَر فِي النَّاسِ وغيرهِم مِنَ الْحَيَوَانِ والمَوات. وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ الطَّويلِ: طالَ يَطُولُ طُولًا، فَهُوَ طَويلٌ وطُوالٌ. قَالَ النَّحْوِيُّونَ: أَصْلُ طالَ فَعُلَ اسْتِدْلَالًا بِالِاسْ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • أمن تذكر جيران بذي سلم
  • كيف ترقى رقيك الأنبياء
  • وسلن حبقوق المصرح باسمه
  • بمدح المصطفى تحيا القلوب
  • إلى متى أنت باللذات مشغول
  • ثكلت طوائف المستخدمينا
  • أزمعوا البين وشدوا الركابا
  • عرج برامة إنها لمرامي