المومس العمياء
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
الليل يطبق مرة أخرى، فتشربه المدينهوالعابرون، إلى القرارة... مثل أغنية حزينه.
وتفتحت كأزاهر الدفلي، مصابيح الطريق،كعيون ""ميدوزا""، تحجِّر كلّ قلب بالضغينهْ،
وكأنّها نذرٌ تبشر أهل ""بابل"" بالحريق***
من أي غاب جاء هذا الليل؟ من أي الكهوفمن أي وجر للذئاب؟
من أي عش في المقابر دفّ أسفع كالغراب؟""قابيل"" أخف دم الجريمة بالأزاهر والشفوف
وبما تشاء من العطور أو ابتسامات النساءومن المتاجر والمقاهي وهي تنبض بالضياء
عمياء كالخفاش في وضح النهار، هي المدينةْ،والليل زاد لها عماها.
والعابرون:الأضلع المتقوّسات على المخاوف والظنون،
والأعين التعبى تفتِّش عن خيالٍ في سواهاوتعد آنية تَلَأْلأُ في حوانيت الخمور:
موتى تخاف من النشورقالوا سنهرب، ثم لاذوا بالقبور من القبور!
أحفاد ""أوديب"" الضرير ووارثوه المبصورن."جوكست" أرملة كأمس، وباب ""طيبة"" ما يزال
يلقي ""أبو الهول"" الرهيب عليه، من رعب ظلالوالموت يلهث في سؤال
باقٍ كما كان السؤال، ومات معناه القديممن طول ما اهترأ الجواب على الشفاه.
وما الجواب؟""أنا"" قال بعض العابرين...
وانسلّت الأضواء من باب تثاءب كالجحيمتطفو عليهنّ البغايا كالفراشات العِطَاش
يبحثن في النيران عن قطرات ماء... عن رشَاش.***
لا تثقلنَّ خطاك فالمبغى ""علائي"" الأديم:أبناؤك الصرعى تراب تحت نعلك مستباح،
يتضاحكون ويُعوِلُون.أو يهمسون بما جناه أبٌّ يُبَرِّئُه الصباح
مما جناه، ويتبعون صدى خطاك إلى السكون***
الحارس المكدود يعبر والبغايا متعبات،النون في أحداقهن يرفُّ كالطير السجين،
وعلى الشفاه أو الجبينتترنح البسمات والأصباغ ثكلى، باكيات،
متعثرات بالعيون وبالخطى والقهقهات،وكأن عاريات الصدور
أوصال جندي قتيل كلِّلُوها بالزهور،وكأنها درج إلى الشهوات، تزحمه الثغور
حتى تَهَدّمَ أو يكاد. سوى بقايا من صخور.***
جِيَفٌ تستّر بالطلاء، يكاد ينكر من رآهاأن الطفولة فجّرَتْها ذات يومٍ بالضياء
كالجدول الثرثارأو أن الصباح رأى خطاها في غير هذا الغار تضحك للنسائم والسماء،
ويكاد ينكر أن شقًّا لاح من خلل الطلاءقد كان حتى قبل أعوام من الدم والخطيئة -
ثغرًا يكركر، أو يثرثر بالأقاصيص البريئهلأبٍ يعود بما استطاع من الهدايا في المساء
لأبٍ يقبِّل وجه طفلته النَّدِيِّ أو الجبينْأو ساعدين كفرختين من الحمائم في النقاءْ.
ما كان يعلم أن ألف فمٍ كبئر دون ماءْستمص من ذاك المحيا كل ماء للحياء
حتى يجف على العظاموأن عارًا كالوباء يَصِمُ الجباه فليس تُغسل منه إلا بالدماء
سيحل من ذاك الجبين به ويلحق بالبنين— والساعدين الأبيضين، كما تنوَّرُ في السهول
تفاحة عذراء، سوف يطوِّقان مع السنينكالحيتين، خصور آلاف الرجال المتعبين
الخارجين خروج آدم، من نعيمٍ في الحقولتفاحُةُ الدَّمُ والرغيف وجرعتان من الكحول
والحية الرقطاء ظِلٌّ من سياط الظالمينيا أنت، يا أحد السكارى
يا من يريد من البغايا ما يريد من العذارى:"ما ظلَّ يحلم، منذ كان به ويزرع في الصحارى
زبد الشواطئ والمحارامترقبًا ميلاد " أفروديت" ليلا أو نهارا "
أتريد من هذا الحطام الآدمي المستباحدفءَ الربيع وفرحة الحمل الغرير مع الصباحْ
ودواء ما تلقاه من سأم ٍوذلٍ واكتداحْ ؟المال، شيطان المدينهْ
لم يحظَ، من هذا الرهان، بغير أجسادٍ مهينهْ« فاوست » في أعماقهن يعيد أغنيَةً حزينهْ
المال، شيطان المدينة، ربُّ « فاوست » الجديدجارت على الأثمان وفرة ما لديه من العبيد
الخبز والأسمال حظُّ عبيده المتذللينمما يوزع من عطايا، لا اللآلئ والشبابْ
والمومس العجفاء لا « هيلين » والظمأ اللعينلا حكمة الفرح المجنح والخطيئة والعذاب
الخيل من سأمٍ تحمحم وهي تضرب بالحوافرحجر الطريق
هلمَّ فالحوذي يبحث عن مسافروالريح صرٌّ، والبغي بلا زبائن منذ حين
إن لم تضاجعها وصدَّ سواك عنها معرضينفكيف تحيا؟ وهي، مثلك لا تعيش بلا طعام؟
لا تخشَ منها أن تراع بما تَأَكَّلَهُ الجذاممن صدرك النخر العريض، وأنت ويحك يا أخاها
ماذا تريد، وعمَّ تبحث في الوجوه؟ ويا أباهااطعنْ بخنجرك الهواء فأنتما لن تقتلاها
هي لن تموتْسيظل غاصبها يطاردها وتلفظها البيوت
ستظل ما دامت سهام التبر تصفر في الهواءتعدو، ويتبعها « أبولو » من جديد كالقضاء
وتظل تهمس، إذ تكاد يداه أن تتلقَّفاها:بيد أنك لا تصيخ إلى النداء «! أبتي أغثني »
لو كنت من عرق الجبين ترشُّها ومن الدماءوتحيلها امرأة بحقٍ، لا متاعًا للشراء
كللتَ منها، بالفخار وبالبطولات، الجباها!وكأنّ الحاظ البغايا
إبر تسل بها خيوط من وشائع في الحناياوتظل تنسج، بينهن وبين حشد العابرين،
شيئا كبيت العنكبوت يخضه الحقد الدفين:حقد سيعصف بالرجال
والأخريات، النائمات هناك في كنف الرجالوالساهرات على المهود وفي بيوت الأقربين
حول الصلاء بلا اطراح للثياب ولا اغتسالفي الزمهرير، ودون عد لليالى والسنين!
ويمر عملاق يبيع الطير، معطفه الطويلحيران تصطفق الرياح بجانبيه، وقبضتاه
تتراوحان: فللرداء يد وللعبء الثقيليد، وأعناق الطيور مرنحات من خطاه
تدمي كأثداء العجائز يوم قطعها الغزاهخطواته العجلي، وصرخته الطويلة ""يا طيور
هذي الطيور، فمن يقول تعال...""أفزعها صداه
وتحسسته كأن باصرة تهم ولا تدورفي الراحتين وفي الأنامل وهي تعثر بالطيور،
وتوسلته: ""فدى لعينكخلني. بيدي أراها"". ويكاد يهتك ما يغلف ناظريها من عماها
قلب تحرق في المحاجر واشرأب يريد نور!وتمس أجنحة مرقطة فتنشرها يداها،
وتظل تذكروهي تمسحهن أجنحة سواها كانت تراها وهي تخفق... ملء عينيها تراها:
سرب من البط المهاجر، يستحث إلى الجنوبأعناقه الجذلى... تكاد تزيد من صمت الغروب
صيحاته المتقطعات، وتضمحل على السهوببين الضباب، ويهمس البريد بالرجع الكئيب
ويرج وشوشة السكونطلق... فيصمت كل شيء... ثم يلغط في جنون.
هي بطة فلم انتفضت؟ وما عساها أن تكون؟ولعل صائدها أبوك، فإن يكن فستشبعون.
وتخف راكضة حيال النهر كي تلقى أباها:هو خلف ذاك التل يحصد. سوف يغضب إن رآها.
مر النهار ولم تعنه... وليس من عون سواهاوتظل ترقى التل وهي تكاد تكفر من أساها.
يا ذكريات علام جئت على العمى وعلى السهاد؟لا تمهليها فالعذاب بأن تمري في اتئاد.
قصي عليها كيف مات وقد تضرّج بالدماءهو والسنابل والمساء -
وعيون فلاحين ترتجف المذلّة في كواهاوالغمغمات: ""رآه يسرق""... ""واختلاجات الشفاه
يخزين ميتها، فتصرخ يا إلهي، يا إلهيلو أن غير ""الشيخ""، وانكفأت تشد على القتيل
شفتين تنتقمان منه أسى وحبا والتياعاوكأن وسوسة السنابل والجداول والنخيل
أصداء موتى يهمسون رآه يسرق في الحقولحيث البيادر تفصد الموتى فتزداد اتساعا
وتحس بالدم وهو ينزف من مكان في عماهاكالماء من خشب السفينة، والصديد من القبور،
وبأدمع من مقلتيها كالنمال على الصخورأو مثل حبات الرمال مبعثرات في عماها
يهوين منه إلى قرارة قلبها آها فآها.ومن الملوم وتلك أقدار كتبن على الجبين؟
حتم عليها أن تعيش بعرضها، وعلى سواهامن هؤلاء البائسات وشاء رب العالمين
ألا يكون سوى أبيهابين آلاف أباها وقضى عليه بأن يجوع
والقمح ينضج في الحقول من الصباح إلى المساءوبأن يلص فيقتلوه... (وتشرأب إلى السماء
كالمستغيثة وهي تبكي في الظلام بلا دموع)والله عز الله شاء
أن تقذف المدن البعيدة والبحار إلى العراقآلاف آلاف الجنود ليستبيحوا، في زقاق
دون الأزقة أجمعينذاك اسم جارتها الجديد، فليتها كانت تراها
هل تستحق اسما كهذا: ياسمين وياسمين؟يا ليت حمالا تزوجها يعود مع المساء
لكن بائسة سواها حدثتها منذ حينعن بيتها وعن ابنتيها، وهي تشهق بالبكاء
كالغيمة السوداء تنذر بالمجاعة والرزايا،أزراره المتألقات على مغالق كل باب
مقل الذئاب الجائعات ترود غابا بعد غابوخطاه مطرقة تسمر، في الظلام، على البغايا
أبوابهن، إلى الصباحفلا تجاهر بالخطايا ويظل يخفرهن من شبع وينثر في الرياح
أغنية تصف السنابل والأزاهر والصبايا،وتظل تنتظر الصباح وساعديه مع الصباح
تصغىوتحتضن ابنتيها في الظلام إلى النباح وإلى الريح تئن كالموتى وتعول كالسبايا
وتجمع الأشباح من حفر الخرائب والكهوفومن المقابر والصحاري بالمئات وبالألوف..
فتقف من فزع وتحجب مقلتيها بالغطاء،ويعود والغبش الحزين يرش بالطل المضاء
سعف النخيل... يعود من سهر يئن ومن عياء- كالغيمة اعتصرت قواها في القفار، وترتجيها
عبر التلال قوي تجوعلكي ينام إلى المساء: عيش أشقّ من المنيّة، وانتصار كالفناء
وطوى يعب من الدماء وسمّ أفعى في الدماءوعيون زان يشتهيها، كالجحيم يشعّ فيها
سخر وشوق واحتقار، لاحقتها كالوباءوالمال يهمس أشتريك وأشتريك فيشتريها
يا ليتها إذن انتهى أجل بها فطوى أساها!لو أستطيع قتلت نفسي.. همسة خنقت صداها
أخرى توسوس: والجحيم؟ أتصبرين على لظاها؟وإذا اكفهر وضاق لحدك، ثم ضاق، إلى القرار
حتى تفجر من أصابعك الحليب رشاش ناروتساءل المَلَكان فيم قتلت نفسك يا أثيمه؟
وتخطفاك إلى السعير تكفّرين عن الجريمه.أفتصرخين أبي فينفض راحتيه من الغبار
ويخف نحوك وهو يهتف قد أتيتك يا سليمه؟حتى اسمها فقدته واستترت بآخر مستعار
هيمنذ أن عميت ""صباح""... فأي سخرية مريره!
أين الصباح من الظلام تعيش فيه بلا نهاروبلا كواكب أو شموع أو كوى وبدون نار؟
أو بعد ذلك ترهبين لقاء ربك أو سعيره؟القبر أهون من دجاك دجى وأرفق، يا ضريره
يا مستباحة كالفريسة في عراء يا أسيرهتتلفتين إلى الدروب ولا سبيل إلى الفرار؟
وتحس بالأسف الكظيم لنفسها: لم تستباح؟ألهر نام على الأريكة قربها... لم تستباح؟
شبعان أغفى، وهي جائعة تلم من الرياحأصداء قهقهة السكارى في الأزقة، والنباح
وتعد وقع خطى هنا وهناك: ها هوهو ذا يجيء وتشرئبّ، وكاد يلمس ... ثم راح
وتدقّ في أحد المنازل ساعة... لم تستباح؟الوقت آذن بانتهاء والزبائن يرحلون.
كالدرب تذرعه القوافل والكلاب إلى الصباح؟الجوع ينخر في حشاها، والسكارى يرحلون،
مروا عليها في المساء وفي العشية ينسجونحلما لها هي والمنون:
عصبات مهجتها سداه وكل عوق في العيون،والآن عادوا ينقضون -
خيطا فخيطا من قرارة قلبها ومن الجراح— ما ليس بالحلم الذي نسجوا ما لا يدركون ...
شيئا هو الحلم الذي نسجوا وما لا يعرفون،هو منه أكثر: كالحفيف من الخمائل والرياح،
والشعر من وزن وقافية ومعنى، والصباح— من شمسه الوضاء... وانصرفواسكارى يضحكون!
ستعيش للثأر الرهيبوالداء في دمها وفي فمها. ستنفث من رداها
في كل عرق من عروق رجالها شبحا من الدم واللهيبشبحا تخطف مقلتيها أمس، من رجل أتاها
سترده هي للرجال، بأنهم قتلوا أباهاوتلقفوها يعبثون بها وما رحموا صباها،
لم يبتغوها للزواج لأنها امرأة فقيره،واستدرجوها بالوعود لأنها كانت غريره،
وتهامس المتقولون فثار أبناء العشيرهمتعطشين على المفارق والدروب إلى دماها.
وكأن موجة حقدها ورؤى أساها.كانت تقرب من بصيرة لبها صورا علاها
صدأ المدينة وهي ترقد في القرارة من عماها:كل الرجال؟ وأهل قريتها؟ أليسوا طيبين؟
كانوا جياعامثلها هي أو أبيها بائسين، هم مثلها وهم الرجال ومثل آلاف البغايا
بالخبز والأطمار يؤتجرون، والجسد المهينهو كل ما يتملكون، هم الخطاة بلا خطايا
ليس الذين تغصبوها من سلالة هؤلاء:كانوا مقطبة الجباه من الصخور
ثمتص من فزع الضحايا زهوها ومن الدماءمتطلعين إلى البرايا كالصواعق من علاء!
وتحس، في دمها، كآبة كل أمطار الشتاءمن خفق أقدام السكارى، كالأسير وراء سور
يصغي إلى قرع الطبول يموت في الشفق المضاء.هي والبغايا خلف سور، والسكارى خلف سور،
دميت أصابعهن: تحفر والحجارة لا تلين،والسور يمضغهن ثم يقيئهن ركام طين:
وطلول مقبرة تضم رفات ""هابيل"" الجنين!سور كهذان حدثوها عنه في قصص الطفوله:
""يأجوج"" يغرز فيه، من حنق أظافره الطويلهويعض جندله الأصم، وكف ""مأجوج"" الثقيله
تهوي، كأعنف ما تكون على جلامده الضخام.والسور باق لا يثل... وسوف يبقي ألف عام،
الطفل شاب وسورها هي ما يزال كما رآهمن قبل يأجوج البرايا توأم هو للسعير!
لص الحجارة من منازل في السهول وفي الجباليتواثب الأطفال في غرفاتها ويكركرون...
والأمهات يلدن والآباء للغد يبسمون،لم يبق من حجر عليها فهي ريح أو خيال.
وأدار من خطم البلاد رحى، وساط من البطونما ترتعيه رحاه من لحم الأجنة والعظام،
وكشاطئين من النجوم على خليج من ظلاميتحرقان ولا لقاء ويخمدان سوى ركام -
شق الرجال عن النساء سلالتين من الأنامتتلاقيان مع الظلام وتفصلان مع الشروق:
لو يقطعون الليل بحثا والنهارعلى سواها في حسنها هي؟ في غضارة ناهديها أو صباها
وبسعرها هي ؟ أي شيء غير هذا يبتغون؟عمياء أنت وحظك المنكود أعمى يا سليمه.
وتلوب أغنية قديمهفي نفسها وصدى يوشوش: يا سليمه، سليمه
نامت عيون الناس. آه... فمن لقلبي كي ينيمه؟ويل الرجال الأغبياء، وويلها هي، من عماها!
لم أصبحوا يتجنبون لقاءها؟عيونها، فيخلفوها وحدها إذ يعلمون
بأنها عمياء؟ فيم يكابرون ومقلتاهاأدري وتعرف أي شيء في البغايا يشتهون
بنظرة قمراء تغصبها من الروح الكسيرهلترش أفئدة الرجال بها، وكانوا يلهثون
في وجهها المأجور، أبخرة الخمور، ويصرخونكالرعد في ليل الشتاء
ولعل غيره ""ياسمين"" وحقدها سبب البلاءفهي التي تضع الطلاء لها وتمسح بالذرور
وجها تطفأت النواظر فيه....كيف هو الطلاء؟
وكيف أبدو؟- وردة ... قمر... ضياء!
زور.. وكل الخلق زور،والكون مين وافتراء
لو تبصر المرآةلمحة مقلتيها لو تراها - لمح النيازك ثم تغرق من جديد في عماها!
برق ويطفأ... ثم تحكم فرقها بيد، وفاهابيد، وترسم بالطلاء على الشفاه لها شفاها
شفتاك عارية وخدك ليس خدك يا سليمه،ماذا تخلف منك فيك سوى الجراحات القديمه؟
وتضم زهرة قلبها العطشى على ذكرى أليمه:تلك المعابثة اللعوب... كأنها امرأة سواها!
كالجدولين تخوض ماءهما الكواكبمقلتاها، والشعر يلهث بالرغائب والطراوة والعبير
وبمثل أضواء الطريق نعسن في ليل مطير،تقتات بالعسل النقي وترتدي كسل الحرير.
ليت النجوم تخر كالفحم المطفأ والسماءركام قار أو رماد، والعواصف والسيول
تدك راسية الجبال ولا تخلف في المدينة من بناء!أن يعجز الإنسان عن أن يستجير من الشقاء
حتى بوهم أو برؤيا، أن عيش بلا رجاء...أو ليس ذاك هو الجحيم؟ أليس عدلا أن يزول؟
شبع الذباب من القمامة في المدينة، والخيولسرحن من عرباتهن إلى الحظائر والحقول،
والناس ناموا— هذا الذي عرضته كالسلع القديمة: كالحذاء،
أو كالجرار الباليات، كأسطوانات الغناء...هذا الذي يأبي عليها مشتر أن يشتريه
قد كان عرضايوم كان ككل أعراض النساء! كان الفضاء يضيق عن سعة، وترتخص الدماء
إن رنق النظر الأثيم عليه. كان هو الإباءوالعزة القعساء والشرف الرفيع. فشاهديه
يا أعين الظلماء، وامتلئي بغيظك وارجميهبشواظ عارك واحتقارك يا عيون الأغبياء!
للموت جوعا، بعد موتيميتة الأحياء عارا. لا تقلقوا.. فعماي ليس مهابة لي أو وقارا.
مازلت أعرف كيف أرعش ضحكتي خلل الرداءكالقمح لونك يا ابنة العرب،
كالفجر بين عرائش العنبأو كالفرات، على ملامحه
دعة الثرى وضراوة الذهب.عربية أنا: أمتى دمها
خير الدماء... كما يقول أبي.تجري دماء الفاتحين. فلوثوها، يا رجال
أواه من جنس الرجال... فأمس عاث بها الجنودالزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود
يا ليت للموتى عيونا من هباء في الهواءترى شقائي
إلا العفاة المفلسين.أنا زهرة المستنقعات، أعب من وحل وطين
وأشع لون ضحى...وذكرا بجعجعة السنين
سعالها. ذهب الشباب!!ذهب الشباب!! فشيعيه مع السنين الأربعين
ومع الرجال العابرين حيال بابك هازئين.وأتي المشيب يلف روحك بالكآبة والضباب،
فاستقبليه على الرصيف بلا طعام أو ثياب،يا ليتك المصباح يخفق ضوءه القلق الحزين
في ليل مخدعك الطويل، وليت أنك تحرقيندما يجف فتشترين
سواه: كالمصباح والزيت الذي تستأجرين.عشرون عاما قد مضين، وشبت أنت، وما يزال
يذرذر الأضواء في مقل الرجال.لو كنت تدخرين أجر سناه ذاك على السنين
أثريت..ها هو ذا يضيء فأي شيء تملكين؟
ويح العراق! أكان عدلا فيه أنك تدفعينسهاد مقلتك الضريره
ثمنا لملء يديك زيتا من منابعه الغزيره؟كي يثمر المصباح بالنور الذي لا تبصرين؟
عشرون عاما قد مضين، وأنت غرثى تأكلينبنيك من سغب، وظمأى تشربين
حليب ثديك وهو ينزف من خياشيم الجنين!وكزارع له البذور
وراح يقتلع الجذورمن جوعه، وأتى الربيع فما تفتحت الزهور
ولا تنفست السنابل فيه...ليس سوى الصخور
سوى الرمال، سوى الفلاه— خنت الحياة بغير علمك، في اكتداحك للحياه!
كم رد موتك عنك موت بنيك. إنك تقطعينحبل الحياة لتنقضيه وتضفري حبلا سواه،
حبلا به تتعلقين على الحياة: تضاجعينولا ثمار سوى الدموع، وتأكلين،
وتسهرين ولا عيون، وتصرخين ولا شفاه،وغدا. وأمس ... وألف أمس كأنما مسح الزمان
حدود ما لك فيه من ماض وآتثم دار، فلا حدود
ما بين ليلك والنهار، وليس، ثم، سوى الوجودسوى الظلام، ووطء أجساد الزبائن، والنقود،
ولا زمان، سوى الأريكة والسرير، ولا مكان!لم تسحبين ليالى السأم المسهدة الرتيبه؟
ما العمر؟ ما الأيام؟ عندك، ما الشهور؟ وماالسنين؟
ماتت ""رجاء"" فلا رجاء ثكلت زهرتك الحبيبه!بالأمس كنت إذا حسبت فعمرها هي تحسبين.
كانت عزاءك في المصيبه،وربيع قفرتك الجديبه.
كانت نقاءك في الفجور، ونسمة لك في الهجير،وخلاصك الموعود، والغبش الالهي الكبير!
ما كان حكمه أن تجيء إلى الوجود وأن تموت؟ألتشرب اللبن المرنق بالخطيئة واللعاب:
أو شال ما تركته في ثدييك أشداق الذئاب؟مات الضجيج وأنت، بعد، على انتظارك
تتنصتين، فتسمعينرنين أقفال الحديد يموت، في سأم، صداه:
الباب أوصدذاك ليل مر...
فانتظري سواه.
عن القصيدة
«المومس العمياء» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في ٢٠٦ بيتًا. ورويّها حرف النون.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.