من رؤيا فوكاي
الشاعر: بدر شاكر السياب · البحر: البسيط
«من رؤيا فوكاي» من شعر بدر شاكر السياب، من العصر الحديث، وتقع في 86 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
1- ... هياي كونغاي كونغاي
ما زال ناقوس أبيك يقلق المساء ... بأفجع الرثاء
هياي كونغاي كونغاي ... فيفزع الصغار في الدروب
و تخفق القلوب ... و تغلق الدّور ببكّين و شنغهاي
من رجع كونغاي كونغاي ... فلتحرقي و طفلك الوليد
ليجمع الحديد بالحديد ... و الفحم و النحاس بالنضار
و العالم القديم بالجديد ... آلهة الحديد و النحاس و الدّمار
أبوك رائد المحيط نام في القرار ... من مقلتيه لؤلؤ يبيعه التجار
و حظك الدموع و المحار ... و عاصف عات من الرصاص و الحديد
و ذلك المجلجل المرن من بعيد ... لمن لمن يدق كونغاي كونغاي
أهم بالرحيل غي غرناطة الغجر ... فاحضرت الرياح و الغدير و القمر
أم سمر المسيح بالصليب فانتصر ... و أنبتت دماؤه الورود في الصخر
أم أنها دماء كونغاي ... و رغم أن العالم استسر و اندثر
ما زال طائر الحديد يذرع السماء ... و في قرارة المحيط يعقد القرى
أهداب طفلك اليتيم حيث لا غناء ... إلا صراخ البابيون زادك الثرى
فازحف على الأربع فالحضيض و العلاء ... سيان جنكير و كنغاي
هابيل قابيل و بابل كشنغهاي ... وليست الفضّة كالحديد
هياي كونغاي كونغاي ... الصين حقل شاي
و سوق شنغهاي ... يعجّ بالمزارعين قبل كل عيد
هياي كونغاي كونغاي ... 2ـ
تسديد الحساب ... تلك الرواسي كم انحطّ النهار على
أقصى ذراها و كم مرّت بها الظلم ... فما فرحن بآلاف الشموس و لا
من ألف نجم تردى مسّها ألم ... صماء بكماء لم تأخذ و لا وهبت
و لا ترصدها موت و لا هرم ... لو أودع الله إياها أمانته
لنالهنّ على استيداعها ندم ... و لاقتسمن مع الأحياء ما دفعت
من جزية لا توفى حين تقتسم ... عن كل قهقهة من صرخة ثمن
و ما استجد دم إلا وضاع دم ... و ما تحمل آلام المخاض و لم
يقرب من النور إلا الفكر و الرحم ... و إن يكن أسعد الأحياء أكملها
فإنما هو أشقاهن لا جرم ... قابيل باق و ان صارت حجارته
سيفا و إن عاد نارا سيفه الخذم ... ورد هابيل ما قاضاه بارئه
عن خلقه ثم ردت باسمه الأمم ... و اليوم في حين وفى الدين غارمه
إلا بقايا و كادت تخلص الذّمم ... و كاد يرجع للدنيا بشاشتها
ما قربته الضحايا و هي تبتسم ... مشى على الأرض خلق عاش في دمه
من وحشها في المخاض الأول الضرم ... خلق تراءى ليحيى ساعة افترست
عينيه رؤيا لها من هؤلاء فم ... لو يقبض النور بالأيدي لسوره
دون الورى و لتعم العالم الظلم ... ريان عطشان لا يروى بلا فرح
جذلان باد عليه الجوع و البشم ... كأنه و هو ماض في غوايته
من نفسه اقتص فهو الماء و الحمم ... تفجر الضحك المسلوب من رئة
منخوبة بعد أخرى هدها السقم ... عن ضحكة أطلقوها فهي صاعقة
أصابهم و الورى من رجعها صمم ... و استترفوا متعة الأحياء ما دفعوا
عنها و لا غارما ما استنرفوا رحموا ... ثم استزادوا فإن لم يذهبوا دية
أو يقصروا عن طماح يرجح العدم ... 3-
حقائق كالخيال ... ماذا تريد العيون السود من رجل
قد حاش زهر الخطايا حين لاقاها ... زهرا على جسمي المحموم أقطفه
في باقة من جراح بتّ أصلاها ... هذا الربيع الذي تهدي شقائقه
ريح المنايا إلى قلبي بريّاها ... أزهار تموز ما أرعى أسلمه
في عتمة العالم السفلي أياها ... أم صل حواء بالتفاح كافأني
و هو الذي أمس بالتفاح أغواها ... ماذا تريد العيون السود ؟ إن لها
ما لست أنساه منها حين أنساها ... ما بالهن استعضن البوم أوعية
عن أوجه الغيد حتى ضاع معناها ... أين المناقير من لعس مراشفها
ربي ؟ و أين ابتسام كان يغشاها ... من هذه الخربة الظلماء محدقة
بي أعين البوم من أجداث موتاها ... قفراء من غير ثكلى شف مئزرها
عن وهج فانوسها الكابي و أخفاها ... تسعى كما اصطاد في ليل يراعته
طفل وطارت و قد ألوى جناحاها ... محنية تتقرى كل شاهدة
من كل قبر كما لو كان طفلاها ... في كل قبر يذوقان الردى دية
عمن يؤاوي و عن أحياء دنياها ... نادتهما فانبرى يزقو لصيحتها
من حيث رد الصدى بوم و ناداها ... أماه إنا هنا ريح بنا عصفت
لم ندر أين انهينا بعد لقياها ... و انشق من خلفها قبر ليبلعها
و احتازها و اشرأبت منه كفّاها ... يختص فانوسها التمتام بينهما
و الريح خرساء تعبى غير ها ها ها ... و يلم سازاك كيف اندك حائطه
حتى تعرى لي السهل الذي حجبا ... سهل يكن الصلال الرقط أجهضه
عاد من المحل حتى يفزع العطبا ... و انبحت التربة العجفاء من عطش
عن أشدق فاغرات تنبح السحبا ... و الشمس كالأطلس المسعور تنهشه
و الريح تصليه من تنورها لهبا ... الريح لا ليست الريح التي ركضت
بيضاء سوداء رقطاء القفا عجبا ... عنقاء في مسعر الجوزاء أعينها
و الصخر يرفض من أظلافها شهبا ... تلك الزرافات في السهل العقيم لها
مرعى روى من سراب ينبت السّغبا ... ما روعتها سوى ضوضاء خشخشة
في كف أبرص يعدو خلفها خببا ... تخفيه عنها ضمادات و يظهره
ما نز من قيحه الدامي و ما شخبا ... نادى و كفاه تختضان و احربا
فاستعبر العاصف المصدور واحربا ... ماء اسق يا ماء تلهاث مقاطعه
منزوعة من لسان يشبه الخشبا ... حتى استجاب السحاب الجون فانعقدت
في الجو حباته الغبراء فاحتجبا ... و انهل لا عن ندى صاف و لا مطر
بل عن دم من ثدي مزقت حلبا ... أو عن مشاش من الأحداق فقأها
سيخ لجنكيز دام ينفث اللهبا ... ماء اسق يا ماء و الغيث الرهيب كلى
مفرية سحت الآجال و الكربا ... لم يبق من مرتو أو ظامئ بفم
أو دون إلا و من ماء الردى شربا ... ويل لسازاك ماذا ينتوي بدمي
من نيّة فهو يستصفي و يمتار ... تلك الزجاجات أشلاء مجزأة
مني دمي مختز فيهن موار ... لم تثن سازاك عن شحذ لمديته
آهات مرضى و لا ألهاه زوار ... إني لدار بأني حين يشرعها
ران إليها فملدوغ فمنهار ... هل تبتغي شفرتاها غير آنية
فيها دمي راجف و الداء و العار ... ما كنت يوما و لا المرضى سوى عرض
في عين سازاك يجبى منه إيجار ... ست و عشرون أعداد على سرر
أما الأصحاء و المرضى فأصفار ... فالرقم عشرون لا يسقى سوى لبن
و الرقم عشر نعاه اليوم محرار ... و اليوم لم يبق ما أعطيه عن مرض
إلا دعائي و قولي نعمت الدار ... فليلق سازاك من يسمى ثمانية
غيري و يستوف أجر القبر حفار
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- التجار: تجر: تَجَرَ يَتْجُرُ تَجْراً وتِجَارَةً؛ بَاعَ وَشَرَى، وَكَذَلِكَ اتَّجَرَ وَهُوَ افْتَعَل، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الخَمَّار قَالَ الأَعشى: ولَقَدْ شَهِدْتُ التَّاجِرَ ... الأُمَّانَ، مَوْرُوداً شَرَابُهْ وَفِي الْحَدِيثِ: … (لسان العرب)
- الدمار: دمر: الدَّمارُ: اسْتِئْصالُ الْهَلَاكِ. دَمَرَ الْقَوْمُ يَدْمُرونَ دَماراً: هَلَكُوا. ودَمَرَهُم: مَقَتَهُم، ودَمَرَهُمُ اللَّهُ ودَمَّرَهُمْ تَدْمِيراً. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً؛ يَعْنِ … (لسان العرب)
- الدور: دَوَرَ: دَارَ الشيءُ يَدُورُ دَوْراً ودَوَرَاناً ودُؤُوراً واسْتَدَارَ وأَدَرْتُه أَنا ودَوَّرْتُه وأَدَارَه غَيْرُهُ ودَوَّرَ بِهِ ودُرْتُ بِهِ وأَدَرْت اسْتَدَرْتُ، ودَاوَرَهُ مُدَاوَرَةً ودِوَاراً: دَارَ مَعَهُ؛ قَالَ … (لسان العرب)
- الرثاء: رثأ: الرَّثيِئةُ: اللَبنُ الحامِضُ يُحْلَب عَلَيْهِ فَيَخْثُر. قَالَ اللِّحْيَانِيُّ: الرَّثِيئة، مَهْمُوزَةً: أَن تَحْلُب حَليباً عَلَى حامِضٍ فَيَرُوبَ ويَغْلُظَ، أَو تَصُبَّ حَلِيباً عَلَى لَبَنٍ حامِضٍ، فَتَجْدَحَه ب … (لسان العرب)
- الفحم: فحم: الفَحْم والفَحَم، مَعْرُوفٌ مِثْلُ نَهْر ونَهَر: الْجَمْرُ الطَّافِئُ. وَفِي الْمَثَلِ: لَوْ كُنْتُ أنْفُخ فِي فَحَم أَيْ لَوْ كُنْتُ أَعْمَلُ فِي عَائِدَةٍ؛ قَالَ الأَغلب الْعِجْلِيُّ: هَلْ غَيْرُ غارٍ هَدَّ غَارًا … (لسان العرب)
- القرار: قرر: القُرُّ: البَرْدُ عَامَّةً، بِالضَّمِّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: القُرُّ فِي الشِّتَاءِ وَالْبَرْدُ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ، يُقَالُ: هَذَا يومٌ ذُو قُرٍّ أَي ذُو بَرْدٍ. والقِرَّةُ: مَا أَصاب الإِنسانَ وَغَيْرَهُ مِن … (لسان العرب)
- النحاس: نحس: النَّحْسُ: الْجُهْدُ والضُّر. والنَّحْسُ: خِلَافُ السَّعْدِ مِنَ النُّجُومِ وَغَيْرِهَا، وَالْجَمْعُ أَنْحُسٌ ونُحوسٌ. وَيَوْمٌ ناحِسٌ ونَحْسٌ ونَحِسٌ ونَحِيسٌ مِنْ أَيام نَواحِس ونَحْساتٍ ونَحِساتٍ، مَنْ جَعَلَهُ ن … (لسان العرب)
- بالجديد: جدد: الجَدُّ، أَبو الأَب وأَبو الأُم مَعْرُوفٌ، وَالْجَمْعُ أَجدادٌ وجُدود. والجَدَّة: أُم الأُم وأُم الأَب، وَجَمْعُهَا جَدّات. والجَدُّ: البَخْتُ والحِظْوَةُ [الحُظْوَةُ]. والجَدُّ: الْحَظُّ وَالرِّزْقُ؛ يُقَالُ: فُلَا … (لسان العرب)