أختام الدم
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
"القصيدة التي افتتح بها مهرجان المربد الثالث عشر ببغداد عام 1997"....
مرَّةً كنتُ طفلاً،وأمسكتُ كفَّ أبي
فارتجفتُ لفرطِ الأخاديد فيهاوسحبتُ يدي
قال: يا ولديأتمنَّى لكفّكَ أنَّ الجراحات لا تعتريها
ومضى، ومضَيتْ....
نصفُ حيٍّ أنا، وأبي نصفُ مَيتْيومَ أمسكَ كفّيَ للمَّرةِ الثانيه
..كنتُ ألمحْ نظرتَهُ الحانيه
وهو يسألُني:أوَ مازلتَ تجفلُ من لمسِ كفّي؟؟
..مُجبَرٌ أن أُقَفّي
مجبّرٌ أن أقولَ لَهُ الآنيا أبتي
هَبْ دمي أن يُصَفّيبعضَ أوجاعِه..
هَبْ يدي أنْ تُلامسَ مبضَعَهادون هذا التَّشَفِّي!
...وأبي كان يبكي
كنتُ أعلمُ أنَّ أبي كان يبكيوهو ينظرُ نحو يدي
بين خوفٍ وشَكِّ....
أنشُرُ الآن باسم العراقْكلَّ أيدي بَنيه
ودماها على جانبَيها تُراقْ..
يا أبيأفَنَملكُ أن ندخلَ الآن هذا السّباقْ؟
أم تَراني إلى الآن غضَّ اليَدَينْ؟؟إنَّ مَن عاشَ ظُلمَ الحسين
كيف يُمسكُ شبّاكَهُ بأكُفٍّ رقاقْيا أبي؟!
..هذي كفّي
جرحٌ فيها للموتىجرحٌ للأحياء
جرحٌ ينضحُ للشهداءجرحٌ للمحرومينْ
جرحٌ للمهزومينْجرحٌ للأموات الأحياءْ
وجراحٌ تبكي لبَنينا الأعداءْ!جرحٌ للجوعْ
جرحٌ للوطنِ الموجوعْجرحٌ للخادع
جرحٌ للمخدوعْجرحٌ للأنذالْ
جرحٌ لعيونِ الأطفالجرحٌ يَنكأُ جرحاً حدَّ الزِّلزالْ!
..وأنشرُها يا أبي
هي كفُّكَ ليلةَ أمسَكْتَ كفّي فجفَّلتَنيأنتَ قبَّلتَني
غيرَ أنَّك ما قلتَ لي إنَّ كفّي ستُصبحُ كفَّكْأنَّني سيحفُّ بيَ الموتُ حَفَّكْ
ربَّما الحزنُ شَفَّكْربَّما وجَعُ القلب،
لم تستطعْ معَهْ أن تقول لطفلِكَ عندَ الفراقْأنَّ راحتَهُ سوف تغدو ككفِّكَ
خارطةً لجراحِ العراقْ!...
أمسِكْ جذورَ السَّنا.. هذي تَواليهافقد هوَتُ كلُّ شمسٍ من أعاليها
أمسِكْ بقايا ثقوبِ النَّجمِ.. إنْ ردمَتُفأيُّ ضوءٍ به تسري لياليها؟
أمسِكْ جذوعَ الثَّرى، فالأرضُ أجمعُهاتهتَزُّ رعباً، وأنت الآن غاليها
أنت الصغيرُ الكبيرُ المستَفَزُّ بهاحرّاً، وكلُّ ذوي النُّعمى مَواليها
يا من تُحاصرُكَ الدُّنيا بأجمِعهافُكَّ الحصار شهيداً عن أهاليها!
..فُكَّ عنها دمَكْ
فَكَّ عنها عَماها الذي هَدَّمكْفَكَّ عنها الحصارْ
أيُّهذا المحاصَرْفالمجرَّاتُ مؤذنةٌ بالرَّحيلْ
والمداراتُ تُسرِعُ للمستحيلْكوكبٌ واحدٌ سوف يبقى يميلْ
عن مَساراتِها..كوكبٌ أعدَمَكْ
كوكبٌ لم يزَلْ يتَقصَّى دمَكْوستشقى لِتَهديهِ...
أنتَ القَتيلْ!!سوف تشقى لِتَهديهِ
أنتَ القتيلْهكذا دائماً يا إمامَ النَّخيلْ!
..منذُ أن كُوِّرَتْ
منذُ أن كلُّ أوجاعِها صُوِّرَتْمنذُ صارَتْ مصائرُها آيتَينْ
ليس بينهما بينَ بينْأن تكونَ بها الشِّمر، أو أن تكونَ الحسينْ
كنتَ تُذبَحُ يا سيِّدي يا عراقْ!..
هادياً كنتَ تُذبَحْفادياً كنتَ تُذبَحْ
..صادياً كنتَ تُذبَحْ
سَمِّ لي ساعةً من حياتِكْساعةً واحده
لم يكنْ دَمُكَ الحرُّ فيها صَداقْ..ثمَّ تتركْ فيها شهودَكْ
رافضاً أن يقودَكْغير هذي الجراحْ
وتَتيهُ على الكون،جَمَّ المروءةِ،
دامي الجناحْتتَهيَّبُ حتى الرّياحْ
أن تُلامسَ جُرحَكْليَكُنْ..
إنَّ صَرحَكْبعدَ كلِّ دمٍ يستقيمْ
يتلألأْ فيهِ سناكَ العظيمْ..
ثمَّ تزرعُ في الليلِ رمحَكْتخرجُ الشمسُ مبتلَّةً بالدِّماءْ
وتحلُّ ضفائرَها في مياهِكْويجيءُ النّداءْ:
أيُّها الوطنُ المبتلى بالرَّزايايا غزيرَ المنايا
سوف تبقى إلى أبَدِ الدَّهرتحمل أوجاعَ كلِّ البرايا
تتحمَّلُ أوزارَ كلّ الخطاياوتؤدّي قرابينَها من دمائكْ
..كلُّ جيلٍ يجيء
سيرى وشمَهُ فوقَ مائِكْويرى رسمَهُ في سمائكْ
أنجُماً لامعهحولَها مُقَلٌ دامعه
وصِفاحْوأكفٌّ مقطَّعَةٌ بالجراحْ!
..أختامُ مجدِكَ حتى آخر الزَّمنِ
أكفُّ أبنائكَ الدّامين يا وطني!جرحاً فجرحاً.. رسَمْنا العمرَ خارطةً
من رعشةِ المهدِ حتى رعشة الكفَنِونحنُ نسألُ: هل غير الدماءِ لَنا
ختمٌ نوَثِّقُ فيهِ عشقَنا الوَثَني؟!أم أنَّنا عشقُنا لا يستقيمُ بنا
إلاّ مع الموت، أو إلاّ مع الشَّجَنِ؟!الله يا وطني.. الله يا وطني
الله يا وطني.. الله يا وطنيإلى متى نأمَلُ الدُّنيا، ونأمَنُها
ونحنُ منها بسَقفٍ غيرِ مؤتَّمَنِ؟!وليكُنْ يا أبي
كلُّ خوفٍ بنانحنُ أهلُهْ
كلُّ موتٍ بنانحنُ أهلُهْ
كلّما التامَ جرحٌ على كفِّ جيلْفزَّ في كفِّ تاليهِ مثلُهْ
..يا أبي
نحنُ أطفالُنا أخذوا يولدونوجراحاتُهمُ في المشيمَهْ
ليس هذي شتيمهنحن صرنا من الحزن نجفلُ منهم
وهم قلِّما يجفلونْ!...
يا عراقْربَّما آخرُ الصَّوتِ هذا
بعدَهُ يُرفَعُ الملكوتْفلتُفتِّحْ جميعُ المجاهيلِ آذانَها
قبلَما يعتريها السّكوتْ..
من يَقُلْ إنَّ بابلَ تفنىبابلٌ لا تموتْ
من يُراهنْ على جوعِ أهلِ العراقْزادُهُم صبرُهم
وهوَ ملء البيوتْمن يظنُّ بأنَّ الزَّمنْ
فات أولادَنافالمروءاتُ أزمانُها لا تفوتْ
وغداً سنرىمن بنا يرتوي
ومن اليَلتويكالذُّبابةِ في شبَكِ العنكبوتْ!
..الآن سأرفَعُ هذي الأوراقْ
وستعلَمُ كلُّ الدُّنيا يا عبدَ الرزاقْأنَّكَ كنتَ الصَّوتْ
والوحيُ عراقْ..!
عن القصيدة
«أختام الدم» من شعر عبد الرزاق عبد الواحد، من العصر الحديث، وتقع في ٩٦ بيتًا. ورويّها حرف الياء، وغرضها الشوق.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
نسخ أخرى من هذه القصيدة
القصيدة نفسها من مصدر آخر، وقد تختلف في عدد الأبيات أو في بعض الروايات.
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.