(آيات الأخرس).. مهرةٌ من ساحةِ (اليرموك)

الشاعر: جاسم الصحيح · البحر: الرمل

«(آيات الأخرس).. مهرةٌ من ساحةِ (اليرموك)» من شعر جاسم الصحيح، من العصر الحديث، وتقع في 86 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف اللام.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

قبل أنْ تُعلنَ ميلادَ جناحَيْهَا ... وتنضمَّ إلى جِنْسِ البلابِلْ

أَنْفَقَتْ من ياسمينِ العُمْرِ ما يكفي ... لِتَسْتَنْبِتَ في الحُلْمِ

من الوردِ شعوباً ومن التينِ قبائِلْ ... وانتهَتْ في أُمَّةٍ

يبكي بِها التينُ على أغصانهِ والوردُ ثاكِلْ ... أين تؤوي حُلْمَها

والبندقيَّاتُ ضيوفُ اليأسِ في الأُفْقِ ... ولم يبقَ على الأرضِ قطافٌ خَيِّرٌ

تُغري بهِ جوعَ المناجِلْ ... غربةٌ تزحفُ في الأشياءِ كالأفعى

وقهرٌ هائجٌ يهوي على الروحِ كأسنانِ المقاصِلْ ... نَقَّبَتْ كلَّ التضاريسِ على خارطةِ الأرضِ

ولكنْ لم تجدْ رأسَ (فلسطينَ) على تلك الهياكِلْ ... كلُّ شيءٍ حولها

سلسلةٌ تعتقلُ الجوهرَ في الروحِ ... ولكنْ حُلْمُها الأخضرُ يلتفُّ ربيعًا ناعسًا حول السلاسلْ

لم تجدْ من وطنٍ أغلى من الإيمانِ بالوعدِ ... ومن ينسلّ من إيمانِهِ

ينسلّ منفيًّا من التاريخِ محروقَ (المراجِلْ) ... بِحِزامَيْنِ حبيبينِ من الثورةِ والإيمانِ

شدَّتْ خصرَها الناسفَ حُسْناً ... وأدارَتْ شعرَها للبحرِ في (غَزَّةَ)

كي تستبدلَ الشطَّ بِشَطٍّ من جدائِلْ ... ثمَّ مالَتْ جهةَ النهرِ

وأهدَتْهُ يَدَيْهَا ... ضِفَّتَيْنِ امتدَّتَاَ بالعُشُبِ الأحمرِ من مَرْجِ الأنامِلْ

ها هُنا خارطةُ الجرحِ ... هُنا تمتدُّ بين (البحرِ) و(النهرِ)

سُلالاتِ براكينَ وتاريخَ زلازِلْ ... وهُنا (آياتُ) ما بين الحزامينِ الحبيبينِ

بَدَتْ جملةَ عشقٍ بينَ قوسينِ ... وهيهاتَ! فما في جُملةِ العشقِ فواصِلْ!

حَلَّقَ (النحوُ) بِها ... فاجتهَدَ (الرفعُ) كما لم يجتهدْ من قبلُ

وانحازَ إليها كلُّ (مفعولٍ بهِ) ... يرفعُهُ المقلاعُ بالعزَّةِ كي يصبحَ (فاعِلْ)

أيُّ درسٍ عاصفٍ ينتظرُ الشرحَ! ... أفيقي يا كراريسُ

فهذي حِصَّةٌ من خارجِ المنهجِ ... ما مرَّتْ على ذهنِ الجداوِلْ!

لَبِسَتْ أقمارَها طرحةَ عرسٍ. ... والنجومُ اتَّخَذَتْ موقعهَا الأجملَ في العينينِ

وامتدَّتْ على أطرافِها كلُّ السواحِلْ ... وانثنَتْ (آياتُ) تختالُ

وكوفِيَّتُها تختصرُ البُعْدَ الفلسطينيَّ في خارطةِ الكونِ ... وتجلُو طفلةً كاملةَ الوعيِ

على جبهتِها قامَتْ قياماتُ المشاعِلْ ... عُمْرُها (ستٌّ وعشرٌ) من سنينٍ

وألوفٌ من (بواريدَ) وجيلٌ من قنابِلْ! ... وجنتاها

بيرقانِ ارتفعا في ألق النصرِ على كَفَّيْ مقاتِلْ! ... قَدَّها..

يا نهرُ حَدِّثْ عن تَثَنِّيكَ ويا نخلُ تَطاوَلْ! ... مقلتاها..

هل رأيتَ الشمسَ تنصبُّ ينابيعَ من الجمرِ ... وهل أبصرتَ في الطوفانِ أمواجًا تقاتِلْ؟!

ومُناها.. ... ها هنا التاريخُ يرتدُّ إلى أعراسِ (بابِلْ)!

طَلَعَتْ تحدو مطايا رحلةِ الصيفِ ... على إيقاعِ ممشَاها

وتمتصُّ لُهاثَ الدربِ من صدر القوافِلْ ... حَدَّقَ الدهرُ فألفَى (خولةً)

تبعثُ للأجيالِ من حُفرتِها إحدَى الرسائِلْ ... مهرةٌ قادمةٌ من ساحةِ (اليرموكِ)

ظلَّتْ تعبرُ الأصلابَ من فحلٍ إلى فحلٍ ... وتمتصُّ الفحولاتِ إلى قعرِ المفاصِلْ

كلَّما شدَّتْ خُطاها ... كَسَرَتْ ظهرَ المسافاتِ وأضلاعَ المراحِلْ

غَمَزَ الخلدُ لها ... وَهْيَ تقودُ الريحَ في دربِ الرِّسالاتِ

ومُهرُ الريحِ جافِلْ! ... غُضَّ من طَرْفِكَ يا خُلدُ

فما كنتَ تُجيلُ الطَّرفَ لو أدركتَ مَنْ كنتَ تُغازِلْ! ... ضَحِكَ الدربُ

غداةَ المهرةُ البِكْرُ أحسَّتْ بِجنينِ الفتحِ ... في أحشائها يهتزُّ..

فاهتزَّتْ ... وراحَتْ تنظمُ الشارعَ عقداً:

خيطُهُ الأرضُ وحبَّاتُ لآليهِ المنازِلْ ... وتدلَّى الغيمُ قرطينِ بِأدنى أُذُنَيْهاَ

والعصافيرُ علَى أقدامِها صارَتْ خلاخِلْ ... وتَهادَتْ وَحْدَها

لولاَ حقولُ القمحِ ... تنصبُّ على الظهرِ بِشَلاَّلِ سنابِلْ

وَحْدَها كانتْ ... ولكنْ غابةُ الزيتونِ في أعطافِها ترقصُ

والمجدُ غصونٌ تتمايَلْ! ... وَحْدَهَا كانَتْ

فقلبي الفاجرُ الكافرُ ... لا يبصرُ في الفستانِ إلاَّ زهرةً واحدةً

حجَّبَها اللهُ بإِكسيرِ الفضائِلْ ... يا إلهي.. يا إلهي..

كمْ من الإيمانِ أحتاجُ لكي يدركَ قلبي ... أنَّ في فستانِها ألفَ مناضِلْ؟!

   ... نَفَحَتْ وجهَ المدَى مثل نسيمٍ مُصبحٍ

هبَّ على أَوجهِ أشياخٍ تقاةٍ ... أكملُوا تَوًّا صلاةَ الفجرِ

وانسلُّوا منَ المسجدِ أرواحاً كوامِلْ ... مالَتِ الشمسُ لها

وانتصَبَ الظهرُ (أذاناً) ... والمناراتُ اشرأبَّتْ في الصدَى..

كلُّ جهاتِ الأرضِ حُبلَى بـ(ـأذانِ الظهرِ) ... إلاَّ جهةٌ واحدةٌ بالعُهْرِ حامِلْ

كرَّتِ المهرةُ كي تكملَ صوتَ اللهِ في الأبعادِ.. ... هذي لحظةُ الوحيِ دَنَتْ

والأنبياءُ انتظروا (الآياتِ) ... فيمَا (مريمُ) العذراءُ كانتْ بانتظارِ (التمرِ) في (المحرابِ)..

يا الله!! يا الله!! يا الله!! ... ما أكثرَ ما أشعلَهَا الإلهامُ طُهراً

فاستقالَ الطينُ في أعضائِها من عَمَلِ الطينِ ... وشَعَّ الوحيُ برقاً خاطفاً

فَجَّرَها في أَلَقِ الفَرْضِ تراتيلَ ... كأنَّ (الصُحُفَ الأولى) تَجَلَّتْ دفعةً واحدةً

واكتملَ التنزيلُ.. ... ها قد حصحصَ الفجرُ فكلُّ الليلِ باطِلْ!

من هُنا يا (أختَ هارونَ) ... خذي تمرةَ محرابكِ..

هذي نخلةُ اللهِ ... وهذا تمرُها تَمرٌ إلهيُّ الشمائِلْ!

   ... هكذا (آياتُ)

لَبَّتْ داعيَ (الجُمعةِ) للذِكرِ ... وصَلَّتْهَا من القلبِ (وجوباً) و(نوافِلْ)

ثُمَّ عادَتْ ... بِربيعٍ شاعرٍ في دَمِها (المنظومِ)

واشتاقَتْ إلى (تقفيَةِ) الماءِ بِـ(ـمنثورِ) الجداوِلْ ... وأحالَتْ من دَوِيِّ الجسَدِ الهادرِ

(لحناً) واحداً ... (وَزَّعَـ)ـهُ الحبُّ (تقاسيمَ) على كلِّ ( الفصائِلْ )

هكذا عادَتْ ... وفي أقدامِها

آخرُ أنباءٍ عن الأرضِ أَذَاعَتْهَا المعاوِلْ ... صَفَّقَ الموتُ لها

مِمَّا رأى من روعةِ الجرأةِ ... واهتزَّتْ من الإعجابِ روحُ الأرضِ

فارتابَ المدى: ... هل كانت الأرضُ تُداجيها

وهل كانتْ يدُ الموتِ تجامِلْ؟! ... آهِ يا (آياتُ)..

يا بوصلةَ القِمَّةِ.. يا موهبةَ الينبوعِ.. ... يا فجراً على السفحِ تُؤاخيهِ الأيائِلْ

يا (حديثاً) في (صحيحِ) الطيرِ (تَرويهِ) العنادِلْ ... سامحيني حين أتلوكِ

وأستأذنُ فيكِ الشرفَ السامي.. ... فما من عربيٍّ شاعرٍ

يجرؤُ أن يرفعَ في عينيكِ عينيهِ ... وأن يختطَّ حرفينِ عن العشقِ

فهذَا دمُكِ الزاحفُ عبر الوطنِ الأكبرِ ... ما زالَ يُعَرِّي الشعرَ والعشقَ..

أَراني قامةً من خجلٍ في حضرةِ الصمتِ- ... اعذُريني في انتماءٍ مسَّهُ العُقمُ..

كِلانَا يأكلُ الحنظلَ من فاكهةِ القُربىَ ... وزَقُّومُ (العروباتِ) علينا يتناسَلْ

طاشَ بي لُبِّي! ... أَهذي أُمَّةٌ أمْ كتلةٌ من عَدَمٍ أخرسَ؟؟

ما أكبرَ هذا العَدَمَ الأخرسَ! ... ما أكبرَ هذا الخَرَسَ المُعْدَمَ!

صارَ القلبُ مِمَّا قَرَّحَ الحزنُ بهِ نبعَ دمامِلْ ... كلَّما جُنَّ جنوني

رُحْتُ لِلَّوعةِ أستفتي ... وحينَ اجتهدَتْ في دميَ اللوعةُ

زنَّرتُ ضلوعي ... بِعُبُوَّاتِ احتجاجٍ وحزامَينِ منَ الشَّجْبِ

وحانَتْ ساعةُ النارِ فَخانَتْني الفتائِلْ ... خِلقَتي ناقصةُ التكوينِ..

هل من طلقةٍ تُكملُ تكويني ... وتسمو بي إلى أحسنِ تقويمٍ من النَّخلِ تَمَنَّتْهُ الفسائِلْ؟!

*** ... صفر / 1423هـ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.

تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.

القافية: رويّها حرف اللام، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:

  • التين: تين: التِّينُ: الَّذِي يُؤكل، وَفِي الْمُحْكَمِ: والتينُ شَجَرُ البَلَس، وقيل: هو البَلَس نفْسُه، وَاحِدَتُهُ تِينة؛ قَالَ أَبو حَنِيفَةَ: أَجناسُه كَثِيرَةٌ بَرِّيّة وَرِيفِيَّةٌ وسُهْليّة وجبَلِيّة، وَهُوَ كَثِيرٌ بأَر … (لسان العرب)
  • المقاصل: قصل: القَصْل: القَطْع، وَقِيلَ: القَصْل قَطْعُ الشَّيْءِ مِنْ وَسَطِهِ أَو أَسفل مِنْ ذَلِكَ قَطْعاً وَحِيّاً. قَصَلَ الشَّيْءَ يَقْصِله قَصْلًا واقْتَصَله: قطعة. وسيف قَاصِلٌ ومِقْصَل وقَصَّال: قَطَّاع؛ وأَنشد: مَعَ اقْ … (لسان العرب)
  • المناجل: نأجل: اللَّيْثُ: النَّأْجِيلُ الجَوْزُ الهنديُّ، قَالَ: وَعَامَّةُ أَهل الْعِرَاقِ لَا يَهْمِزُونَهُ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ؛ قَالَ الأَزهري: وَهُوَ دَخِيلٌ[[. قوله [وهو دخيل] عبارة الأزهري: وهو معرب دخيل]]، وَاللَّهُ أَعلم. (لسان العرب)
  • تؤوي: (تَوَيَ) التَّاءُ وَالْوَاوُ وَالْيَاءُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهُوَ بُطْلَانُ الشَّيْءِ. يُقَالُ تَوِيَ يَتْوَى تَوًى وَتَوَاءً. قَالَ: وَكَانَ لِأُمِّهِمْ صَارَ التَّوَاءُ (مقاييس اللغة)
  • تزحف: زحف: زحَف إِلَيْهِ يَزْحَف زَحْفاً وزُحُوفاً وزَحَفاناً: مَشى. وَيُقَالُ: زَحَفَ الدَّبَى إِذَا مَضَى قُدُماً. والزَّحْفُ: الجماعةُ يَزْحَفُون إِلَى العدُوِّ بِمَرَّة. وَفِي الْحَدِيثِ: اللهمَّ اغْفِرْ لَهُ وَإِنْ كَانَ … (لسان العرب)
  • تعلن: علن: العِلانُ والمُعالَنة والإِعْلانُ: المُجاهرة. عَلَن الأَمْرُ يَعْلُنُ عُلُوناً ويَعْلِنُ وعَلِنَ يَعْلَنُ عَلَناً وعَلانية فِيهِمَا إِذا شَاعَ وَظَهَرَ، واعْتَلَنَ؛ وعَلَّنه وأَعْلَنه وأَعْلَن بِهِ؛ وأَنشد ثَعْلَبٌ: … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • أميل نحوك أغدو قاب أنفاس
  • في كل عضو منك روح تقى
  • خيمة من الهواجس على رابية الأربعين
  • حملت جنازة عقلي معي
  • المتنبي .. كون في ملامح كائن
  • الأرض أجمل في الأغاني
  • حديقة بلا غناء
  • هدهد لظاك