أنا وأبي والمعنى
اضغط على أي بيت لعرض معانيه وشرحه
سقطَ الساحرُ من مائدةِ السحرِعلى الأرض.فتمزّق صوتُ الماءِ بكفّيه، بكى، واهتزّ كما يهتزّ الطائرُ
حين تمرر سكين الذبح على الرقبة.الأرضُ تكرر لعبتها. ماكنتُ أكون. الغيمُ يجيء ويذهبُ
والفجرُ يطرزُ حرفَ الدهرِ فلا معنى أبداً. أختبىء اليوم كطفلٍأرنو للفجر أقرر أن أبعث كلماتي حتى يعتدل العالم، يذهب
سيف الظالم في الظلماتِ. فما أحلى الكلمات! وما أسخفها!سقط الساحرُ. كانت امرأة الساقين الفاتنتين تهدهد...
لا معنى لاعادةِ مشهدٍ حبٍّ مكرورٍ ملتهبٍ، لا معنى.المرأة واقفة خلف الشباك وخلف المكتب، خلف زجاج الباص
وما من شيء ينقذها. سقط الساحرُ من مائدةِ الفعلِ، فعضّيدي قال: سأقتصّ من الظالمِ. هددني بعيون الجمر، تقدّم
من دائرةِ السيفِ واطلق جمعَ طيورٍ ملأتْ جوّ الغرفةِبالهذيان.
اكتشفُ اللحظة أن الساحرَ مسحور، أن الساحر يبكيكالطفل..
نظر الساحرُ لي قال: بأني الطفلفتعجّبتُ من القول
ونظرتُ إلى لغةِ الفجرِ فكانت سوداء.قام الساحرُ بالرقص، اختطَّ لنا أرضاً تكفي لكلينا قال:
هنا نرقص ـ واختطّ بجانبها أرضاً أصغرَ ـ وهنا سنموتعلينا بالرقص لأنّ المرأة شيء باطل
والطفل كذلك، والسيف قويّ، والمعنى مكتنز في الرقصفارقصْ!
أخبرتُ الساحرَ: إني أعمى لا أعرف إلاّ خيطاً من ذاكرةِالفجرِ وأخفي في كفّي وشماً لامرأةٍ عاريةٍ ماتت منذ سنين.
غضبَ الساحرُ من كلماتي وافرنقع مني، قال بأني كذّابخَرِف. أخذ الساحرُ بالرقص فهبّ إلى الساحةِ مدفوعاً بسهامٍ
وأغانٍ زرقٍ وشموسٍ حمر. واهتزّت ذاكرة ُالغرفةِ حتى غضبالغيم وأمطرت اللحظة ُوقتاً مدفوعاً باللاشيء. افرنقع غيمُ شتاءِ
الروح. اشتدَّ المطرُ البريّ. نظرتُ إلى ما حولي علّي أتلمّسشيئاً: الغرفة فارغة كالموت. الساحرُ مشغول بالرقصِ. الطائرُ
في جوّ الأسطورة ينمو. هبّتْ ريح طيبة فتذكّرتُ المرأة تأتي،تأخذني لفراش الحبّ تؤدب أوجاعي، وتذكّرتُ الطفلَ يحلّق
في النهر تذكّرتُ السيفَ رجالاً ما عرفوا إلاّ الكذب الأسودوعوانس من سخفٍ وخيوطٍ من لحمٍ و دمٍ. فصرختُ: أبي..
هلَّ أبي كهلالِ العيدِ بطيرِ النورسِ مؤتلقاً. واشتدّ المطرُ البريُّ.افرنقعت الغيمةُ واهتزّ جدارُ الغرفةِ ثوباً في الريح. الساحرُ
يلعبُ، لم يتعب من رقصته، وخيوطُ العرق المصبوب علىالجسد العاري هبطتْ. كنتُ أحسّ بأني أ ُقْتَلُ هذا اليوم وأنّي
سأغادر ساحةَ رقصِ الساحرِ متجهاً بهدوءٍ نحو القبر المرسومعلى الأرضِ. المطرُ قوياً يشتدُّ. الغيمةُ تعصفُ تعصفُ تعصفُ.
جاء أبي، هبطَ الساعة من سقفِ العالمِ. كان أبي يتألق شمساًللفجر.
صرخ الساحرُ في وجهي: ارقصْ قلتُ بأني أعمى.ضحك الساحرُ، قهقه ثم ارتجفَ الساحرُ حين تألق وجهُ أبي في
الغرفة. أمسك بالعين الجرداء فأحياها. أمسك بالأذن الجرداءفأسمعها، أمسك بي. اشتدَّ المطرُ فخفتُ على ثوب أبي الأبيض
أن يتسخَ. وقال أبي: لا تحزنْ إنكَ في عيني. فبكيتُ، نظرتُ،رأيتُ الفجرَ لأول مرّةْ.
ووقعتُ على كفّ أبي لأقبّلها. والغيمةُ تعصف ُعصفاً.وبدا أنّ الأرضَ ستغرقُ. قال أبي: لا تحزنْ هذا مطرُ الفقراء
انظرْ فنظرت ُالعشبَ بقامةِ طفل.
عن القصيدة
«أنا وأبي والمعنى» من شعر أديب كمال الدين، من العصر الحديث، وتقع في ٢٧ بيتًا. ورويّها حرف اللام، وهي قصيدة حزينة.
وفي ميزان العرب: مكتبةٌ من أمهات كتب الأدب والأخبار والتراجم ← · أمثال العرب وقصصها ←
التعليقات(٠)
سجّل الدخول لإضافة تعليق.