أبو فراس الحمْداني سيرة ذاتية.. في مواسم فقدان الذات
الشاعر: سعود سليمان اليوسف · البحر: المديد
«أبو فراس الحمْداني سيرة ذاتية.. في مواسم فقدان الذات» من شعر سعود سليمان اليوسف، وتقع في 64 بيتًا. نُظمت على بحر المديد، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
هي تجرِبةْ.. — * * *
كتَلاقُح الأحزان في رحِم الرحيلْ — تتناسل الأشواق في صدري
إلى وطني.. أنادي — لن أناديَ
قبل أن يندى الصباحُ — ببحّة السيف الصقيلْ
* * * — هي تجرِبةْ..
للراحلين -وكنتُ فيهم- — تفتح البيداءُ صدرَ العريِ مكتسياً
بحبّ الأرض، يا لَغرامهم! — هم يسألون الرمل
عن أوطانِهم، وخُطاهم الإلحاحُ — يحترف السؤالْ
والأمر أكبر من سؤالْ — هم يسألون الرملَ عن لون الهوى
وحلاوة الأصوات — عن طعم الحنينِ
ونحن ننحتُ -حين نثقب ثغرةً- — وشماً نَـزِيْن به ذراع المستحيلْ
* * * — هي تجرِبةْ..
ما زال في دربي مجالٌ للخُطى — فاترك خُطايَ مهاجراً
فلربما أمسى أشدَّ أشدَّ من وعثاء رحلتيَ الوصولْ — هذي يد التاريخ قد دُفعَت
لتكتب مسرحيَّتها — وتنتزعَ اسميَ المطمورَ
تمحوَه ؛ فلا تدري بطولتيَ الفصولْ — ما زال في دربي مجالٌ للخُطى
فاترك خُطايَ — فقد تشي وسط البوادي باندلاق المجد
في جدبٍ من الزمن الذليلْ — * * *
هي تجرِبةْ.. — والفجر مصلوبٌ
يُقاد إلى الغد المجهول قسراً — مُثخناً بِتَبايُنِ الآراء!
يا لَلفجر حين تلوكه سِنَةُ الثغورْ — أبُنـيّتي
والأمر أكبر من أسيرْ — ما زلتُ أكبُرُ في عيونِ الأسر!
حتى اعتادني -وألِفْـتُه- قلَقُ المصيرْ — تدري جراحي أنني المأسور، لكن
ما وعت معنى (الأسيرْ)! — وتَهرّأَت أعواميَ البيضاءُ
شاخت في عيوني الذكرياتُ — وذلك الميثاق أُجهِضَ
والأسير هو الأسيرْ — وتطول أنفاس القيود عليَّ متكئاً على صوت الظنون
فما يُمدِّدُ الانتظارَ — سوى الشعورِ بالانتظارْ
بؤسى للونِ الثورةِ الفنّانِ — أَبدعَ لوحةَ التاريخِ سوْرياليةً
والآن يحويها إطارْ! — أنا نطفة الحرية الحمراءِ
قد كُتبَت حياتي في الأزلْ — حتى ولو فاجأتُ قابِلتي بأحضان القبورْ
ليَ كلَّ يومٍ ألفُ ميلادٍ وترحالٍ إلى حرّيتي — فأنا قِماطيْ القيدُ
حضنيْ السجنُ — قابلتي هيَ السجّانُ
واللُثُغات حمحمةٌ . . كذا!! — وكذا أريد طفولتي
لن يُنتجَ الأفياءَ إلا مزجُ أمشاجِ الهجيرْ — بيني وبين الأمس ألفُ حكايةٍ نبويّةٍ . .
أنكرتُها — أنا ذكرياتي في غدي
فلدى غدي الشيءُ الكثيرْ — * * *
هي تجرِبةْ . . — والظامئون إلى القرارِ الهشِّ
قد شرِقوا بأوحال الخشوع — لمن سيتلو في محاريب الوعود
لهم تراتيلَ الهطولْ — والقائلون ليَ : الفرار أو الردى
قد أُلقِموا لغتينِ ما زالت تدرِّسها الكتاتيبُ العقيمةُ في السطورْ — لغةَ السلام سلامِنا الخرساءَ . . واللغةَ العويلْ
شابوا، وما زالت طفولةُ عُمْرِهم — وأنا هنا . . .
ما زال يملأ جعبتي صوتُ الهجيرْ — ما زال في سعف النخيل شموخُه
أوَما درى المتقزِّمون عن انتفاضات النخيلْ؟ — فالنخلُ يغدق وهو يخفق كبرياءَ وإنما لا ينحني
إن انحناءَ النخلِ معناه الذبولْ — فليملؤوا ليَ من دم الرومِ الكؤوسَ
ومعزفي نايُ الصليلْ — والراقصاتُ الضامراتُ هي الخيولْ
يا أُمَّتا، هذا مواردنا — ولم نرشفْ وقد رويَ الدخيلْ!
يا أُمَّتا، هذي منازلنا — بنيناها، ويحكمها العميلْ!
هم لقّحوا بالعقمِ صوتَ هُويّةِ العربيِّ — حتى يولد العربيُّ _ في وضَحِ الهزيمةِ في دياجير انـهزام الذاتِ_
يحمل شكلَ رائحةِ المحولْ! — * * *
هي تجرِبةْ . . — والمشترون ضمائرَ الأقلامِ وسْط . . .
مُخدَّرون — بكلِّ حرفٍ غلّفَتْه لهم حوانيتُ الكلامِ الفجِّ
بالمجد الهلاميِّ التوهّجِ! يا لعار المجدِ — حين يُزفُّ مُتّـزراً بـهالاتِ الأفولْ
قد بَحَّ صوتُ السيفِ في كفّي — و(سيفُ الدولةِ) اكتظّتْ ملامحمه بلون العُجْبِ
يلتقط الذي قد مـجَّـه كافورُ من أغنـيّةٍ / جسدٍ — يغيّر في مطالعها له المتنبيْ
رشّ اسمَه بالمدح — والمسكوتُ عنه حبُّ (خولةَ) فاضحاً!
[يا أختَ خيرِ أخٍ] أيهتك وردةَ التاريخ — حُرّاس الحقولْ؟!
[الليلُ يعرفني...]!! — تتاجر -إذ تعربد- بالكلامْ
[والسيفُ]!! — لا
ما زال سيفك قابعاً في خدرِه — قد يُوصمُ التاريخُ بالأعيار من سيفٍ بتولْ
قد ملّت الأسماعُ: (كنّا...) (نحن أبناءُ المثنى...) — فاستقلْ
فالحرب لم تَقبل سوى الفعلِ المضارع — وانتماءِ ذواتِنا لذواتنا..
في عمق أصوات الذحولْ — يا أيّهذا الشاعرُ / الجسدُ، استقلْ
كلُّ اللغات رطانةٌ فصحى — سوى لغة الصليلْ
أغمِدْ صهيلَك.. — لم يعُد في الأذْن متّسعٌ لجعجعة الصهيلْ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المديد. بحر قليل الورود، عذب الموسيقى، سُمّي مديدًا لامتداد أسبابه حول أوتاده.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- البيداء: البَيْدَاءُ : الفَلاة؛ يعسر العيش في البيداء المقفرة ج بِيدٌ وبَيْدَاوَاتٌ.
- الصقيل: الصَّقِيلُ :- من السيوف: القاطعُ اللامع. -: المصقولُ والمجلُوُّ؛ هذه مرآةٌ صقيلة ج صِقَالٌ.
- العري: العَرَى : البرد.-: ما ستر من شيءً كالحائط ونحوه؛ رفع البنَّاءُ العَرى حول حديقة الدار،-: الساحة والجَنابُ، أو الناحية؛ نزلنا بعَرَى صديقنا.
- وخطاهم: خطأ: الخَطَأُ والخَطاءُ: ضدُّ الصَّوَابِ. وَقَدْ أَخْطَأَ، وَفِي التَّنْزِيلِ: [وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ] عدَّاه بِالْبَاءِ لأَنه فِي مَعْنَى عَثَرْتُم أَو غَلِطْتُم؛ وَقَوْلُ رؤْبة: يَا رَبِّ إ …