نهاك عن الغواية ما نهاكا
الشاعر: بهاء الدين زهير · البحر: الوافر · الغرض: قصيدة رثاء
«نهاك عن الغواية ما نهاكا» من شعر بهاء الدين زهير، من العصر المملوكي، وتقع في 32 بيتًا. نُظمت على بحر الوافر، ورويّها حرف الكاف، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
نَهَاكَ عَنِ الْغَوَايَةِ مَا نَهَاكَا ... وَذُقْتَ مِنَ الصَّبَابَةِ مَا كَفَاكَا
وَطَالَ سُرَاكَ فِي لَيْلِ التَّصَابِي ... وَقَدْ أَصْبَحْتَ لَمْ تَحْمَدْ سُرَاكَا
فَلَا تَجْزَعْ لِحَادِثَةِ اللَّيَالِي ... وَقُلْ لِي إِنْ جَزِعْتَ فَمَا عَسَاكَا
وَكَيْفَ تَلُومُ حَادِثَةً وَفِيهَا ... تَبَيَّنَ مَنْ أَحَبَّكَ أَوْ قَلَاكَا
بِرُوحِي مَنْ تَذُوبُ عَلَيْهِ رُوحِي ... وَذُقْ يَا قَلْبُ مَا صَنَعَتْ يَدَاكَا
لَعَمْرِي كُنْتَ عَنْ هَذَا غَنِيًّا ... وَلَمْ تَعْرِفْ ضَلَالَكَ مِنْ هُدَاكَا
ضَنِيتَ مِنَ الْهَوَى وَشَقِيتَ مِنْهُ ... وَأَنْتَ تُجِيبُ كُلَّ هَوًى دَعَاكَا
فَدَعْ يَا قَلْبُ مَا قَدْ كُنْتَ فِيهِ ... أَلَسْتَ تَرَى حَبِيبَكَ قَدْ جَفَاكَا
لَقَدْ بَلَغَتْ بِهِ رُوحِيَ التَّرَاقِي ... وَقَدْ نَظَرَتْ بِهِ عَيْنِيَ الْهَلَاكَا
فَيَا مَنْ غَابَ عَنِّي وَهُوَ رُوحِي ... وَكَيْفَ أُطِيقُ مِنْ رُوحِي انْفِكَاكَا
حَبِيبِي كَيْفَ حَتَّى غِبْتَ عَنِّي ... أَتَعْلَمُ أَنَّ لِي أَحَدًا سِوَاكَا
أَرَاكَ هَجَرْتَنِي هَجْرًا طَوِيلًا ... وَمَا عَوَّدْتَنِي مِنْ قَبْلُ ذَاكَا
عَهِدْتُكَ لَا تُطِيقُ الصَّبْرَ عَنِّي ... وَتَعْصِي فِي وِدَادِي مَنْ نَهَاكَا
فَكَيْفَ تَغَيَّرَتْ تِلْكَ السَّجَايَا ... وَمَنْ هَذَا الَّذِي عَنِّي ثَنَاكَا
فَلَا وَاللَّهِ مَا حَاوَلْتَ عُذْرًا ... فَكُلُّ النَّاسِ يُعْذَرُ مَا خَلَاكَا
وَمَا فَارَقْتَنِي طَوْعًا وَلَكِنْ ... دَهَاكَ مِنَ الْمَنِيَّةِ مَا دَهَاكَا
لَقَدْ حَكَمَتْ بِفُرْقَتِنَا اللَّيَالِي ... وَلَمْ يَكُ عَنْ رِضَايَ وَلَا رِضَاكَا
فَلَيْتَكَ لَوْ بَقِيتَ لِضَعْفِ حَالِي ... وَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمُ فِدَاكَا
يَعِزُّ عَلَيَّ حِينَ أُدِيرُ عَيْنِي ... أُفَتِّشُ فِي مَكَانِكَ لَا أَرَاكَا
وَلَمْ أَرَ فِي سِوَاكَ وَلَا أَرَاهُ ... شَمَائِلَكَ الْمَلِيحَةَ أَوْ حِلَاكَا
خَتَمْتُ عَلَى وِدَادِكَ فِي ضَمِيرِي ... وَلَيْسَ يَزَالُ مَخْتُومًا هُنَاكَا
لَقَدْ عَجِلَتْ عَلَيْكَ يَدُ الْمَنَايَا ... وَمَا اسْتَوْفَيْتَ حَظَّكَ مِنْ صِبَاكَا
فَلَوْ أَسَفِي لِجِسْمِكَ كَيْفَ يَبْلَى ... وَيَذْهَبُ بَعْدَ بَهْجَتِهِ سَنَاكَا
وَمَا لِي أَدَّعِي أَنِّي وَفِيٌّ ... وَلَسْتُ مُشَارِكًا لَكَ فِي بَلَاكَا
تَمُوتُ وَمَا أَمُوتُ عَلَيْكَ حُزْنًا ... وَحَقِّ هَوَاكَ خُنْتُكَ فِي هَوَاكَا
وَيَا خَجَلِي إِذَا قَالُوا مُحِبٌّ ... وَلَمْ أَنْفَعْكَ فِي خَطْبٍ أَتَاكَا
أَرَى الْبَاكِينَ فِيكَ مَعِي كَثِيرًا ... وَلَيْسَ كَمَنْ بَكَى مَنْ قَدْ تَبَاكَى
فَيَا مَنْ قَدْ نَوَى سَفَرًا بَعِيدًا ... مَتَى قُلْ لِي رُجُوعُكَ مِنْ نَوَاكَا
جَزَاكَ اللَّهُ عَنِّي كُلَّ خَيْرٍ ... وَأَعْلَمُ أَنَّهُ عَنِّي جَزَاكَا
فَيَا قَبْرَ الْحَبِيبِ وَدِدْتُ أَنِّي ... حَمَلْتُ وَلَوْ عَلَى عَيْنِي ثَرَاكَا
سَقَاكَ الْغَيْثُ هَتَّانًا وَإِلَّا ... فَحَسْبُكَ مِنْ دُمُوعِي مَا سَقَاكَا
وَلَا زَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ مِنِّي ... يَرِفُّ مَعَ النَّسِيمِ عَلَى ذُرَاكَا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الوافر. بحر موسيقيّ متدفّق يصلح للحماسة والفخر والغزل، سُمّي وافرًا لوفور حركاته.
تفعيلاته: مفاعلتن مفاعلتن فعولن.
القافية: رويّها حرف الكاف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
من شروح القرّاء
يفيد الشاعر أنّ المخاطَب قد أحاطت به من الموانع والزواجر ما كان جديرًا بأن يصرفه عن الغواية، غير أنّ سلطان الهوى كان أقوى من تلك النواهي. ثمّ يبيّن أنّه قد ذاق من الصبابة، وهي شدة الوجد وفرط الشوق، من الألم والعناء ما يبلغ حدّ الكفاية؛ فكأنّ التجربة العاطفية بكل ما حملته من لوعة وحرمان كان ينبغي أن
يقول الشاعر: كيف تستطيع أن تلوم هذه الحادثة أو تعاتبها، وهي التي كشفت لك حقيقة الناس من حولك، وأظهرت لك بوضوح مَن كان يحبك ويخلص لك، ومَن كان يبغضك أو تخلّى عنك؟ وقوله «حادثة» لا يُراد بها مجرد وقوع أمر عابر، بل يقصد بها الشدّة أو المحنة التي يمرّ بها الإنسان؛ لأنّ المحن تكشف معادن الناس وتُظهر حقي
تجزع: تضطرب ولا تصبر عند المصيبة. حادثة الليالي: ما ينزل بالإنسان من نوائب الزمان. يقول لقلبه: لا تجزع لما تأتي به الأيام من المصائب؛ فإن جزعت، فماذا تستطيع أن تصنع؟ وهنا ليس الشاعر يأمر نفسه بالصبر لأنه لا يتألم، بل لأنه أدرك أن الجزع لا يرد المصيبة ولا يغير المقدور. ولذلك جاء الاستفهام في «فما عسا
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- تجزع: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)
- تجيب: جيب: الجَيْبُ: جَيْبُ القَمِيصِ والدِّرْعِ، وَالْجَمْعُ جُيُوبٌ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَ. وجِبْتُ القَمِيصَ: قَوَّرْتُ جَيْبَه. وجَيَّبْتُه: جَعَلْت لَهُ جَيْباً. وأَم … (لسان العرب)
- تحمد: حمد: الْحَمْدُ: نَقِيضُ الذَّمِّ؛ وَيُقَالُ: حَمدْتُه عَلَى فِعْلِهِ، وَمِنْهُ المَحْمَدة خِلَافُ الْمَذَمَّةِ. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ*. وأَما قَوْلُ الْعَرَبِ: بدأْت بالحمدُ … (لسان العرب)
- تلوم: تلم: التَّلَمُ: مشَقُّ الكِراب فِي الأَرض، بِلُغَةِ أَهل الْيَمَنِ وأَهل الغَوْر، وَقِيلَ: كُلُّ أُخْدُودٍ مِنْ أَخاديد الأَرض، وَالْجَمْعُ أَتْلامٌ، وَهُوَ التِّلامُ وَالْجَمْعُ تُلُم، وَقِيلَ: التِّلامُ أَثَرُ اللُّومَ … (لسان العرب)
- جزعت: جَزَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً؛ الجَزُوع: ضِدُّ الصَّبُورِ عَلَى الشرِّ، والجَزَعُ نَقِيضُ الصَّبْرِ. جَزِعَ، بِالْكَسْرِ، يَجْزَعُ جَزَعاً، فَهُوَ جَازِع … (لسان العرب)
- حبيبك: حبب: الحُبُّ: نَقِيضُ البُغْضِ. والحُبُّ: الودادُ والمَحَبَّةُ، وَكَذَلِكَ الحِبُّ بِالْكَسْرِ. وحُكِي عَنْ خَالِدِ بْنِ نَضْلَة: مَا هَذَا الحِبُّ الطارِقُ؟ وأَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبٌّ، وَهُوَ مَحْبُوبٌ، عَلَى غَيْرِ قِيَ … (لسان العرب)