من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْبَهَاء زُهَيْر
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن بهاء الدين زهير؟
زُهَيْر بن مُحَمَّد بن عَليّ بن يحيى بن الْحسن بن جَعْفَر الأديب البارع الْكَاتِب بهاء الدّين أَبُو الْفضل وَأَبُو الْعَلَاء الْأَزْدِيّ المهلبي الْمَكِّيّ ثمَّ القوصي الْمصْرِيّ الشَّاعِر
ولد سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة سِتّ وَخمسين وست مائَة ومولده بِمَكَّة وَسمع من عَليّ بن أبي الْكَرم الْبناء وَغَيره
وَله ديوَان مَشْهُور قَالَ بَعضهم مَا تعاتب الْأَصْحَاب وَلَا تراسل الأحباب بِمثل شعر الْبَهَاء زُهَيْر وشعره فِي غَايَة الإنسجام والعذوبة والفصاحة وَهُوَ السهل الْمُمْتَنع فَهُوَ كَمَا قَالَ فِيهِ سعد الدّين مُحَمَّد بن عَرَبِيّ من الطَّوِيل
لشعر زُهَيْر فِي النُّفُوس مكانةفقد حَاز من ألبابها أوفر الْحَظ
لقد رق حَتَّى قلت فِيهِ لَعَلَّهيحاول إبراز الْمعَانِي بِلَا لفظ
نقلت من خطّ الأديب عَليّ بن سعيد المغربي مَا ذكره فِي أول كتاب الغراميات لَهُ ثمَّ طرقت الْبِلَاد مقطعات للبهاء زُهَيْر الْحِجَازِي الأَصْل الْمصْرِيّ الدَّار آنست مَا تقدم وَقَالَت كم غادر الشُّعَرَاء من متردم وَكَانَ مِمَّا لعب بخاطري لعب الرِّيَاح بالغصون وَتمكن مِنْهُ تمكن الْعُيُون الدعلج من الْفُؤَاد الْمفْتُون شعره الَّذِي أَوله من الطَّوِيل
تَعَالَوْا بِنَا نطوي الحَدِيث الَّذِي جرىفَلَا سمع الواشي بِذَاكَ وَلَا درى
تَعَالَوْا بِنَا حَتَّى نعود إِلَى الرِّضَاوَحَتَّى كَأَن الْعَهْد لن يتغيرا
وَلَا تَذكرُوا الذَّنب الَّذِي كَانَ بَيْننَاعلى أَنه مَا كَانَ ذَنْب فيذكرا
وحملني الشغف بطريقة هَذَا الرجل على حفظ مَا يرد من شعره على أَفْوَاه الواردين من الْمشرق إِلَى أَن جمع الله بيني وَبَينه بِالْقَاهِرَةِ حَاضِرَة الديار المصرية
فَقل فِي منهل عذبتمكن مِنْهُ عطشان
ثمَّ كَانَت المؤانسة فكدت أصعق لما أَنْشدني قَوْله وَمَا وجدت روحي معي الْبَتَّةَ من الطَّوِيل
رويدك قد أفنيت يَا بَين أدمعيوحسبك قد أحرقت يَا وجد أضلعي
)
إِلَى كم أقاسي لوعة بعد لوعةوَحَتَّى مَتى يَا بَين أَنْت معي معي
وَقَالُوا علمنَا مَا جرى مِنْك بَعدنَافَلَا تظلموني مَا جرى غير أدمعي
رعى الله ذَاك الْوَجْه حَيْثُ توجهواوحيته عني الشَّمْس فِي كل مطلع
وَيَا رب جدد كلما هبت الصِّبَاسلامي على ذَاك الحبيب الْمُودع
قفوا بَعدنَا تلفوا مَكَان حديثنالَهُ أرج كالمندل المتضرع
وَقلت لَهُ وَقد أعجبه انفعالي لما صدر عَنهُ من هَذِه المحاسن الغرامية يَا سَيِّدي لَا يمْضِي اعتقادي فِيكُم مذ مُدَّة طَوِيلَة وَأَنا بالمغرب الْأَقْصَى ضائعاً وَالْغَرَض كُله التَّهْذِيب الْموصل إِلَى مَا يتَعَلَّق بأهداب طريقتكم فقد علمْتُم أَن مهياراً من عجم الديلم لما شرب مَاء دجلة والفرات وَصَحب سيدة الشريف الرضي نمت أسراره من خلال أشعاره فَتَبَسَّمَ وَقَالَ مَا تنزلت أَنْت أول إِلَى أول طبقَة مهيار وَلَا ترفعت أَنا إِلَى طبقَة الشريف لَكِن كل مَا زمَان لَهُ رُؤَسَاء وَأَتْبَاع فِي كل فن وَإِن تَكُونُوا صغَار قوم فستكونوا كبار قوم آخَرين وَاعْلَم أَنَّك نشأت بِبِلَاد ولع شعراؤها بالغوص على الْمعَانِي وزهدوا فِي عذوبة الْأَلْفَاظ والتلاعب بمحاسن صياغتها المكسوة بأسرار الغرام فطريقة المغاربة مثل قَول ابْن خفاجة من الْكَامِل
وعشي أنس أضجعتنا نشوةفِيهَا مضجعي وتدمث
خلعت عَليّ بهَا الأراكة ظلهاوالغصن يصغي وَالْحمام يحدث
وَالشَّمْس تجنح للغروب مَرِيضَةوالرعد يرقى والغمامة تنفث
وَقَول الرصافي من الْبَسِيط
غزيلٌ لم تزل فِي الْغَزل جائلةبنانه جولان الْفِكر فِي الْغَزل
جذلان تلعب بالمحواك أنملهعلى السدى لعب الْأَيَّام بالدول
مَا إِن يني تَعب الْأَطْرَاف مشتغلاًأفديه الظبي فِي أشراك محتبل
لَا يشق فِيهَا غبارهم وَلَا تلْحق إِلَّا آثَارهم وَأما مثل قَول ابْن الْمعلم الوَاسِطِيّ من الْكَامِل
رحلوا بأفئدة الرِّجَال وغادروابصدورها فكراً هِيَ الأشجان
واستقبلوا الْوَادي فأطرقت المهىوتحيرت بغصونها الكثبان
فَكَأَنَّمَا اعْترفت لَهُم بقدودهاالأغصان أَو بعيونها الغزلان
وَقَول ابْن التعاويذي من الْبَسِيط)
إِن قلت جرت على ضعْفي يَقُول مَتىكَانَ الْمُحب من المحبوب منتصفا
أَو قلت أتلفت روحي قَالَ لَا عجبمن ذاق طعم الْهوى يَوْمًا فَمَا تلفا
قد قُلْتُمْ الْغُصْن ميال ومنعطففَكيف مَال على ضعْفي وَمَا عطفا
فطراز لَا يلم لَهُ أهل بِلَادكُمْ فَقلت المحاسن أعزّك الله مقسمة وَفِي المغاربة من تنفث من أشعاره أسحار الْكَلَام وتنم عَلَيْهَا أسرار الغرام مثل الْوَزير أبي الْوَلِيد ابْن زيدون فِي قصيدته الَّتِي مِنْهَا من الْبَسِيط
بنتم وبنا فَمَا ابتلت جوانحناشوقاً إِلَيْكُم وَلَا جَفتْ مآقينا
وسرد ابْن سعيد القصيدة قَالَ ثمَّ أَمْسَكت فَقَالَ مَا أنشأت أندلسكم مثل هَذَا الرجل فِي الطَّرِيقَة الغرامية وَأَظنهُ كَانَ صَادِق الْعِشْق
قلت نعم كَانَ يعشق أَعلَى مِنْهُ قدرا وأرق حَاشِيَة وألطف طرفا وَهِي ولادَة بنت المستكفي المرواني علقها بقرطبة حَضْرَة الْملك ثمَّ إِن ابْن سعيد قصّ عَلَيْهِ ذكر جمَاعَة من الْمغرب وَذكر انْفِصَاله من ذَلِك الْمجْلس ثمَّ قَالَ ووصلت إِلَى ميعاده فَوَجَدته بخزانة كتبه فَكَانَت أول خزانَة ملوكية رَأَيْتهَا لِأَنَّهَا تحتوي على خَمْسَة آلَاف سفر ونيف وَذكر أَنه أمره بِحِفْظ أشعار التلعفري والحاجري وَأَنه قَالَ لَهُ يَوْمًا أجز فَقلت يَا بَان وَادي الأجرع سقيت سحب الأدمع فَقَالَ لَهُ قاربت وَلَكِن طريقتنا أَن تَقول
هَل ملت من شوقي معي فَقلت الْحق مَا عَلَيْهِ غطاء هَذَا أولى ولازمته بعد ذَلِك نَحْو ثَلَاث سِنِين أنْشدهُ فِي أَثْنَائِهَا مَا يتزيد لي إِلَى أَن أنشدته قولي من الْبَسِيط
وَا طول شوقي إِلَى ثغورملى من الشهد والرحيق
عَنْهَا أخذت الَّذِي ترَاهُيعذب فِي شعري الرَّقِيق
فارتاح وَقَالَ سلكت جادة الطَّرِيق مَا تحْتَاج إِلَى دَلِيل انْتهى
وَكَانَ بهاء الدّين زُهَيْر كَرِيمًا فَاضلا حسن الْأَخْلَاق جميل الْأَوْصَاف خدم الصَّالح أَيُّوب)
وسافر مَعَه إِلَى الشرق فَلَمَّا ملك مصر بلغه أرفع الْمَرَاتِب ونفذه رَسُولا إِلَى النَّاصِر صَاحب حلب يطْلب مِنْهُ أَن يسلم إِلَيْهِ عَمه الصَّالح إِسْمَاعِيل فَقَالَ كَيفَ أسيره إِلَيْهِ وَقد استجار بِي وَهُوَ خَال أبي ليَقْتُلهُ فَرجع الْبَهَاء زُهَيْر بذلك فَعظم على الصَّالح وَسكت على حنق وَلما صَار مَرِيضا على المنصورة تغير على الْبَهَاء زُهَيْر وأبعده لِأَنَّهُ كَانَ كثير التخيل وَالْغَضَب والمعاقبة على الْوَهم وَلَا يقبل عَثْرَة والسيئة عِنْده مَا تغْفر
واتصل الْبَهَاء بعده بِخِدْمَة النَّاصِر بِالشَّام وَله فِيهِ مدائح ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْقَاهِرَة وَلزِمَ بَيته يَبِيع كتبه وموجوده ثمَّ انْكَشَفَ حلّه بِالْكُلِّيَّةِ وَمرض أَيَّام الوباء وَمَات وَقيل إِنَّه ترك مكاتبات الدِّيوَان فِي الدِّيوَان وَفِيهِمَا جَوَاب النَّاصِر دَاوُد فَحَضَرَ الدوادار وَطلب الْكتب للعلامة والبهاء زُهَيْر غَائِب فدفعهما إِلَيْهِ فَخر الدّين بن لُقْمَان فِيمَا أَظن فَدخل بهَا إِلَى السُّلْطَان فتأملها وَعلم عَلَيْهَا وَكتب بَين السطور فِي جَوَاب النَّاصِر دَاوُد يَا بهاء الدّين هَذَا مَا يكْتب إِلَيْهِ بِغَيْر هَذَا وداهنه وَلَا تبدي لَهُ شَيْئا مِمَّا عندنَا أَو قَالَ كلَاما هَذَا مَعْنَاهُ وَفعل الصَّالح ذَلِك بِنَاء على أَن الْبَهَاء زهيراً يقف على الْكتاب وَيقْرَأ مَا كتبه السُّلْطَان ويفك الأوصال ويغير الْكتب على مَا أَرَادَهُ ثمَّ إِن الدوادار أحضر الْكتب إِلَى الدِّيوَان وسفر فَخر الدّين لُقْمَان القاصد إِلَى النَّاصِر بجوابه وَلم يقف عَلَيْهِ هَذَا كُله وبهاء الدّين زُهَيْر غَائِب فَلَمَّا وقف النَّاصِر على جَوَاب الصَّالح وَرَأى خطه جهز إِلَى الصَّالح يَقُول لَهُ هَكَذَا تكون الْمُلُوك وَأَيْمَانهمْ وَأَنت تبطن خلاف مَا تظهر وَذكر لَهُ مَا كتبه فِي جَوَابه بِخَطِّهِ فَلَمَّا وقف الصَّالح على ذَلِك استشاط غَضبا وَطلب الْبَهَاء زهيراً وَقَالَ لَهُ أَنا أعلم أَنَّك أَنْت مَا فعلت هَذَا معي وَلَكِن قل لي من هُوَ الَّذِي اعْتمد هَذَا لأقطع يَده فَقَالَ يَا خوند مَا فعله إِلَّا أَنا فألح عَلَيْهِ فأصر على الْإِنْكَار فَقَالَ لَهُ أَنْت لَك عَليّ حق خدمَة وَأَنا مَا آذيك وَلَكِن خل لي هَذِه الْبِلَاد ورح فَخرج من مصر وعطل وَلم يقل عَن فَخر الدّين بن لُقْمَان مَا فعل وَالله أعلم بِصِحَّة غضب الصَّالح عَلَيْهِ
وَكَانَ الْبَهَاء زُهَيْر فِيمَا يذكر أسود قَصِيرا شَيخا بذقن مقرطمة وَكَانَ غَرِيب الشكل فَكَانَ
يسْلك مَسْلَك ابْن الزبير فِي وضع الحكايات على نَفسه ظرفا مِنْهُ وَلِئَلَّا يدع لأحد عَلَيْهِ كلَاما يتهكم بِهِ وحكاياته فِي ذَلِك مَشْهُورَة مِنْهَا أَنه حكى لجَماعَة الدِّيوَان قَالَ جَاءَت الْيَوْم امْرَأَة مَا رَأَيْت فِي عمري أحسن مِنْهَا وراودتني على ذَلِك الْفِعْل فَلَمَّا كَانَ مَا كَانَ أردْت أَن أدفَع إِلَيْهَا شَيْئا من الذَّهَب فَقَالَت مَا فعلت هَذَا لحَاجَة وَلَكِن أَرَأَيْت فِي عمرك أحسن مني فَقلت لَا)
وَالله فَقَالَت إِن زَوجي يدعني ويميل إِلَى وَاحِدَة مَا رَأَيْت فِي عمري أوحش مِنْهَا
فَلَمَّا عذلته ونهيته وَمَا انْتهى أردْت مكافأته وَقد فتشت هَذِه الْمَدِينَة فَلم أر فِيهَا أوحش مِنْك فَفعلت مَعَك هَذَا مُقَابلَة لزوجي كَونه تركني وَمَال إِلَى أوحش من فِي هَذِه الْمَدِينَة فَقلت لَهَا أَنا هَا هُنَا كلما اجْتمع زَوجك بِتِلْكَ تعالي أَنْت إِلَيّ
وَأَنا أعتقد أَن ذَلِك لم يَقع وَإِنَّمَا أَرَادَ بهاء الدّين زُهَيْر بذلك أَن يتظرف ويسبق النَّاس إِلَى التندير عَلَيْهِ ﵀ وسامحه
وكتابته جَيِّدَة قَوِيَّة مصقولة مليحة منسوبة رَأَيْت بِخَطِّهِ نسختين بالأمثال للميداني وخطه عِنْدِي على بعض مجلداته
وَذكر القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان أَنه اجْتمع بِهِ وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء كثيرا فِي تَرْجَمته فِي تَارِيخه وروى عَنهُ شهَاب الدّين القوصي عدَّة قصائد والدمياطي وَغَيرهمَا
نقلت من خطّ شهَاب الدّين القوصي فِي المعجم قَالَ أَنْشدني بهاء الدّين أَبُو الْفَضَائِل لنَفسِهِ من الطَّوِيل
وحقكم مَا غير الْبعد عهدكموَإِن حَال حَال أَو تغير شان
فَلَا تسمعوا فِينَا بحقكم الَّذِييَقُول فلَان عنْدكُمْ وَفُلَان
لدي لكم ذَاك الْوَفَاء بِحَالهِوَعِنْدِي لكم ذَاك الوداد يصان
وَمَا حل عِنْدِي غَيْركُمْ فِي محلكملكل حبيب فِي الْفُؤَاد مَكَان
وَمن شغفي فِيكُم ووجدي أننيأَهْون مَا أَلْقَاهُ وَهُوَ هوان
وَيحسن قبح الْفِعْل إِن جَاءَ مِنْكُمكَمَا طَابَ ريح الْعود وَهُوَ دُخان
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من الوافر
حَبِيبِي عينه قَالُوا تشكتوَذَلِكَ لَو دروا عين الْمحَال
أتشكو عينه ألماً وفيهَايُقَال أصح من عين الغزال
وَلَكِن أشبهت لون الحمياكَمَا أشبهتها فِي الفعال
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من مجزوء الْكَامِل
وافى كتابك وَهُوَ بَالأشواق عني يعرب
قلبِي لديك أَظُنهُيملي عَلَيْك فتكتب
)
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من مجزوء الرمل
كلما قلت خلوناجَاءَنَا الشَّيْخ الإِمَام
فاعترفنا كلنا منهـ انقباض واحتشام
فَهُوَ فِي الْمجْلس فدموَلنَا فَهُوَ فدام
وعَلى الْجُمْلَة فالشيخَ ثقيل وَالسَّلَام
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من الْكَامِل
لَك مجْلِس مَا رمت فِيهِ خلْوَةإِلَّا أتاح الله كل ثقيل
فَكَأَنَّهُ قلبِي لكل صبَابَةوَكَأَنَّهُ سَمْعِي لكل عذول
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من مجزوء الرمل
وثقيل مَا برحنانتمنى الْبعد عَنهُ
غَابَ عَنَّا ففرحناجَاءَنَا أثقل مِنْهُ
وَقَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ من السَّرِيع
أَصبَحت لَا شغل وَلَا عطلةمذبذباً ذَا صَفْقَة خاسرة
وَجُمْلَة الْأَمر وتفصيلهأَنِّي لَا دنيا وَلَا آخِرَة
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من الْكَامِل المرفل
أَرْسلتهُ فِي حَاجَةبِالْقربِ هينة المساغ
فَحرمت حسن قَضَائهَاإِذْ لم يكن حسن الْبَلَاغ
كَالْخمرِ ترسل للفؤاد بهَا فتصعد للدماغ
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من المتقارب
فُلَانَة فِي تيههاتغص بهَا مقلتي
وَقد زعمت أَنَّهَاوَلَيْسَت بِتِلْكَ الَّتِي
فَلَا وَجه إِن أَقبلتوَلَا ردف إِن ولت
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من السَّرِيع
أَقُول إِذْ أبصرته مُقبلامعتدل الْقَامَة والشكل
يَا ألفا من قده أَقبلتبِاللَّه كوني ألف الْوَصْل
)
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من مجزوء الرجز
يَا رَوْضَة الْحسن صليفَمَا عَلَيْك ضير
فَهَل رَأَيْت رَوْضَةلَيْسَ لَهَا زُهَيْر
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ من الْكَامِل المرفل
أَنا ذَا زهيرك لَيْسَ إِلَّاجود كفك لي مزينه
أَهْوى جميل الذّكر عَنك كَأَنَّمَا هُوَ لي بثينة
فاسأل ضميرك عَن ودادي إِنَّه فِيهِ جُهَيْنَة
قلت مَا أحلى لفظ مزينه هَهُنَا فَإِن مزينة هِيَ قَبيلَة زُهَيْر بن أبي سلمى وَقَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ مَا ينقش على سيف من المتقارب
برسم الْغُزَاة وَضرب العداةبكف همام رفيع الهمم
ترَاهُ إِذا اهتز فِي كَفهكخاطف برق سرى فِي ديم
وَقَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ من الطَّوِيل
أغصن النقا لَوْلَا القوام المهفهفلما كَانَ يهواك الْمَعْنى المعنف
وَيَا ظَبْي لَوْلَا أَن فِيك محاسناًحكين الَّذِي أَهْوى لما كنت تُوصَف
كلفت بِغُصْن وَهُوَ غُصْن ممنطقوهمت بِظَبْيٍ وَهُوَ ظَبْي مشنف
وَمِمَّا دهاني أَنه من حيائهأَقُول كليل طرفه وَهُوَ مرهف
وَذَلِكَ أَيْضا مثل بُسْتَان خَدّهبِهِ الْورْد يُسمى مضعفاً وَهُوَ مضعف
فيا ظَبْي هلا كَانَ فِيك التفاتةوَيَا غُصْن هلا كَانَ فِيك تعطف
وَيَا حرم الْحسن الَّذِي هُوَ آمنوألبابنا من حوله تتخطف
عَسى عطفة للوصل يَا وَاو صُدْغهوحقك إِنِّي أعرف الْوَاو تعطف
أأحبابنا أما غرامي بعدكمفقد زَاد عَمَّا تعرفُون وَأعرف
أطلتم عقابي فِي الْهوى فتطولوافَبِي كلف فِي حمله أتكلف
وَوَاللَّه مَا فارقتكم عَن ملالةوجهدي لكم أَنِّي أَقُول وأحلف
وَقَالَ قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين بن خلكان أَنْشدني لنَفسِهِ من السَّرِيع
وَأَنت يَا نرجس عَيْنَيْهِ كمتشرب من قلبِي وَمَا أذبلك
)
مَا لَك فِي حسنك من مشبهمَا تمّ فِي الْعَالم مَا تمّ لَك
وَلما توجه الْبَهَاء زُهَيْر رَسُولا إِلَى بِلَاد الشرق اجتاز بالموصل وَبِه شرف الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد الحلاوي الْموصِلِي فمدحه بقصيدة مليحة مِنْهَا من الْبَسِيط
تجيزها وتجيز المادحين بهَافَقل لنا أزهير أَنْت أم هرم
وَلما عَاد اجْتمع بالصاحب جمال الدّين بن مطروح وَأَوْقفهُ على القصيدة فأعجبه مِنْهَا هَذَا الْبَيْت فَكتب إِلَيْهِ جمال الدّين بن مطروح من الوافر
أَقُول وَقد تتَابع مِنْك بروَأهلا مَا بَرحت لكل خير
أَلا لَا تَذكرُوا هرماً بجودفَمَا هرم بأكرم من زُهَيْر
قَالَ ابْن خلكان وَبَيت ابْن الحلاوي ينظر إِلَى قَول ابْن الْقَاسِم فِي الدَّاعِي سبا بن أَحْمد الصيلحي أحد مُلُوك الْيمن وَكَانَ شَاعِرًا جواداً من قصيدة من الطَّوِيل
وَلما مدحت الهبرزي ابْن أَحْمدأجَاز وكافاني على الْمَدْح بالمدح
فعوضني شعرًا بِشعر وَزَادَنِيعَطاء فَهَذَا رَأس مَالِي وَذَا ربحي
وَكَانَ الصاحب بهاء الدّين زُهَيْر فِي أول أمره كَاتبا عِنْد المكرم بن اللمطي مُتَوَلِّي قوص والصعيد فِي الْأَيَّام الكاملية وَله فِيهِ مدائح حَسَنَة مِنْهَا قَوْله من الْكَامِل
يَا منسك الْمَعْرُوف أحرم منطقيزَمنا وَقد لباك من مِيقَاته
هَذَا زهيرك لَا زُهَيْر مزينةوافاك لَا هرماً على علاته
دَعه وحولياته ثمَّ اسْتمعلزهير عصرك حسن ليلياته
لَو أنشدت فِي آل جَفْنَة أضربواعَن ذكر حسان وَعَن جفناته
وَمن شعر الْبَهَاء زُهَيْر من أَبْيَات من مجزوء الرجز
يَا بدر إِن رمت بِهِتشبهاً رمت الشطط
ودعه يَا غُصْن النقامَا أَنْت من ذَاك النمط
يمر بِي ملتفتاًفَهَل رَأَيْت الظبي قطّ
مَا فِيهِ من عيب سوىفتور عَيْنَيْهِ فَقَط
يَا مَانِعا حُلْو الرِّضَاوباذلاً مر السخط
حاشاك أَن ترْضى بِأَنأَمُوت فِي الْحبّ غلط
)
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع