يا نائبا غاب عني الصبر مذ بانا

الشاعر: عبد الغفار الأخرس · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة عامة

«يا نائبا غاب عني الصبر مذ بانا» من شعر عبد الغفار الأخرس، من العصر الأندلسي، وتقع في 60 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة عامة.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

يا نائباً غابَ عنِّي الصّبر مُذْ بانا ... هلاّ سألتَ عن المشتاق ما عانى

ما راق في عينه شيء يروق لها ... ولا اصطفى غير من صافيت إخوانا

ولا إذا غرَّدت ورقاء في فنن ... أملَت عليَّ من الأوراق أشجانا

وصرت في حال من لا يبتغي بدلاً ... بالأهل أهلاً وبالجيران جيرانا

ما زلت أخضِلُ أجفاني بأدمعها ... إذا تذكَّرتُ أوطاراً وأوطانا

أشدّهم في الوغى بأساً وأكرمهم ... كفًّا وأعظمهمُ في قدره شانا

خليفة الله في الأقطار محترم ... إنَّ العزيز عزيز حيث ما كانا

فلا كنامق والٍ للعراق ولا ... كمثل عبد العزيز اليوم سلطانا

فلو وزنت ملوك الأرض قاطبة ... لزادهم في الندى والبأس رحجانا

أراعها ما رأته من عزائمه ... فأذعنت لمليك الأرض إذعانا

ولم يربه ركوب البحر من خطر ... لما تنقل بلداناً فبلدانا

كالشمس إذ تملأ الدنيا أشعتها ... لا تستطيع لها الأقطار كتمانا

قد صان مملكة الإسلام أجمعها ... فصانه الله حِفظاً مثلما صانا

وما ادّعى الفخر مجدٌ في صنائعه ... إلاَّ أقام عل ما قال برهانا

الله يكلأه مما يحاذره ... وزاده الله بعد الأمن إيمانا

وهل يبالي بشيءٍ أو يحاذر من ... أمرٍ ويرهب أمثالاً وأقرانا

من كانَ مستنصراً بالله متخذاً ... حزب الملائك أجناداً وأعوانا

رأت من الملك السامي جلالته ... فطأطأت أرؤساً منها وتيجانا

أبدت خضوعاً وقرّت أعيناً وجلت ... عن القلوب من الأضغان أدرانا

صافى فصوفي حتَّى لم تجد أحداً ... إلاَّ ويوليه بالنعماء شكرانا

صلب على الخصم لو تلقى الخطوب به ... في نارها طول هذا الدهر ما لانا

يقضي النهار بأحكام يُدَبّرها ... رأياً ويتلو بجنح الليل قرآنا

وأظهرت بالعراق العدل رأفته ... من بعد ما مُلِئت ظلماً وعدوانا

فانقادت الناس عن أمرٍ لطاعته ... طوع القياد فلا تأباه عصيانا

نعم الرجال رجال يحدقون به ... كانوا لدولته الغَرّاء أركانا

كم أحرقت شهبه للماردين فما ... أبقَتْ على الأرض للباغين شيطانا

رأت له معجزات الفخر فاختلقت ... مذاهباً في معاليه وأديانا

فأجمعت أممُ الإفرنج واتَّفَقَت ... على محبَّته شيباً وولدانا

بينا تراهم أسودَ الحرب إذ وُجِدوا ... يحلّقون بجوّ الفخر عُقبانا

يقاتلون العدى صَفًّا فتحسبهم ... في يوم معترك الأعداء بنيانا

فالبصرةَ الآن في خفضٍ وفي دعةٍ ... وكلّ خير أتاها من سليمانا

أجاد فيما يراه من سياستها ... فزان ما كانَ قبل اليوم قد شانا

وكيفَ أسلو أحبَّاءً مُنِيت بهم ... وما وجدت لهذا القلب سلوانا

يا شدَّ ما راعني يوم الفراق ضحًى ... ودَّعْتُ فيه من الغادين أظعانا

ولا يميل إذَنْ إلاَّ إلى شرف ... ذو اللبّ متّخذ الأَشراف أخدانا

ولا سمعت بشيء من مناقبه ... إلاَّ انثنيت بما أسمعت نشوانا

تَتَبَّعوا المجد حتَّى قال قائلهم ... أحْيَتْ ملوكُ بني عثمان عثمانا

فأطلقت ألْسُنَ الدنيا مدائِحُه ... وأسْمعت مَن بها سرًّا وإعلانا

جمعت منها قلوباً قلَّما اجتمعت ... محبَّة فيك ساداتٍ وأَعيانا

وإنْ تلفَّظت في نطق وفي قلم ... قرّطت من دور الأَلفاظ آذانا

لقد حكيت وما فاتتك فاتنة ... قسّ الفصاحة أو ناظرت سحبانا

أحْسَنْتَ في كلِّ ما دبّرْت من حكم ... جُزِيتَ عن ذلك الإِحسان إحسانا

فمن كمالك عن رأي ومعرفة ... وضعت للعدل والإِنصاف ميزانا

فضل من الله أُوتينا الكمال به ... فضلتَ غيرك معروفاً وعرفانا

لله درّك بين الناس من فطن ... حيّرت في ذهنك الوقَّاد أذهانا

حلم به تترك النيران باردةً ... وعزمة تترك الأَمواه نيرانا

لا تُنزلُ الجود إلاَّ في منازله ... وما عزّ عندك من شيء وما هانا

أبصرت أشياءَ لا تخفى منافعها ... كأن الأَوائل عنها الدهر عميانا

والناس من ذلك التنظيف يومئذٍ ... كأنَّما انتشقت روحاً وريحانا

سقيتنا الماء عذباً ما به رنق ... فأصبح الظَّامئ العطشان ريَّانا

ولم تدع وجميع الناس تملأه ... ممَّا يزيد بمرضى البحر بحرانا

صحت بك البصرة الفجار من مرض ... أضرَّ بالناس أرواحاً وأبدانا

من بعدما كانَ الأَمراض قد صبغت ... منها الوجوه بصبغ الموت ألوانا

من ذا الَّذي ينكر الأَشياء حينئذٍ ... وقد قلبت من الأَبدان أعيانا

يا دوحة المجد نزكو في مغارسها ... أصلاً وفرعاً وأغصاناً وقضبانا

على جبينك خَطَّ المجدُ أسطُرَه ... وكم قرأت لذاك الخطّ عنوانا

ويا لك الله إن حرَّزت من رجل ... يمثّل السحر ألفاظاً وتبيانا

تجنى ثمار المعالي من رسائله ... حتَّى غدت عن رياض الفضل بستانا

ومذ بدا وجهك الزَّاهي لأعيننا ... جلا عن البصرة الفيحاء أحزانا

وفي قدومك ما تمَّ السرور به ... وربَّما غابت الأَقمار أحيانا

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من الصحاح، لسان العرب:

  • بانا: أنى الشئ يأنى إنى، أي حانَ. وأَنى أيضاً: أدرك. قال الله تعالى: (غَيْر ناظرينَ إناهُ) أي نُضْجَه. ويقال أيضاً: أَنى الحميمُ، أي انتهى حرُّه. ومنه قوله تعالى: (وبَيْنَ حَميمٍ آنٍ) أي بالغٍ إناهُ في شدَّة الحرّ. وكلُّ مدركٍ … (الصحاح)
  • جيرانا: جرأ: الجُرأَةُ مِثْلُ الجُرْعةِ: الشجاعةُ، وَقَدْ يُتْرَكُ هَمْزُهُ فَيُقَالُ: الجُرةُ مِثْلُ الكُرةِ، كَمَا قَالُوا للمرأَة مَرةٌ. وَرَجُلٌ جَرِيءٌ: مُقْدِمٌ مِنْ قومٍ أَجْرِئاء، بِهَمْزَتَيْنِ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَ … (لسان العرب)
  • شانا: شنأ: الشَّنَاءَةُ مِثْلُ الشَّناعةِ: البُغْضُ. شَنِئَ الشيءَ وشَنَأَه أَيضاً، الأَخيرة عَنْ ثَعْلَبٍ، يَشْنَؤُهُ فِيهِمَا شَنْأً وشُنْأً وشِنْأً وشَنْأَةً ومَشْنَأً ومَشْنَأَةً ومَشْنُؤَةً وشَنَآناً وشَنْآناً، بِالتَّحْر … (لسان العرب)
  • غردت: غرد: الغَرَدُ، بِالتَّحْرِيكِ: التَّطْرِيبُ فِي الصَّوْتِ والغِناء. والتَّغَرُّدُ والتغريدُ: صَوْتٌ مَعَهُ بَحَحٌ؛ وَقَدْ جَمَعَهُمَا امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي قَوْلِهِ يَصِفُ حِمَارًا: يُغَرِّدُ بالأَسْحارِ فِي كلِّ سُدْفَة … (لسان العرب)
  • فنن: فنن: الفَنُّ: وَاحِدُ الفُنُون، وَهِيَ الأَنواع، والفَنُّ الحالُ. والفَنُّ: الضَّرْبُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالْجَمْعُ أَفنان وفُنونٌ، وَهُوَ الأُفْنُون. يُقَالُ: رَعَيْنا فُنُونَ النَّباتِ، وأَصَبْنا فُنُونَ الأَموال؛ وأَنشد … (لسان العرب)
  • نائبا: أَبَأَ: قَالَ الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدِ بْنُ بَرِّي رحِمه اللَّهُ: الأَبَاءَةُ لأَجَمَةِ القَصَبِ، والجمعُ أَباءٌ. قَالَ وَرُبَّمَا ذُكر هَذَا الْحَرْفُ فِي المعتلِّ مِنَ الصِّحاح وإِن الهمزةَ أَصلها ياءٌ. قَالَ: وَلَيْسَ … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • أقلب طرفي ولا أرى غير منظر
  • لك بالمعالي رتبة تختارها
  • أجاب ما سألته لما انثنى
  • أينكر معروفنا المنكر
  • فخار الملوك بأعوانها
  • أدار الكأس مترعة شرابا
  • رآها قد أضر بها الكلال
  • بحيث انعطف البان