لو بالجدارة كل أحرز الرتبا

الشاعر: قسطندي داوود · البحر: البسيط

هذه القصيدة من شعر قسطندي داوود، من العصر الحديث، وتقع في 109 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الباء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

لو بالجدارة كل أحرز الرتبا ... لكنت أفضل كفء للعلى خطبا

فكم مناصب يعلوها الكثير وما ... صدروهم تحتوي علماً ولا أدبا

بل جهلهم طبق الآفاق منتشراً ... مثل السحاب بهاء الشمس قد حجبا

سارت غباوتهم في قطرنا مثلا ... وعيننا مثل هذا ما رأت عجبا

وهكذا الغرض الأعمى يقود إلى ... جور بكى الحرّ من جراه وانتحبا

فمن تخلى عن العرفان مرتفع ... نحو السها وإلى هاماته وثبا

ومن تحلى بكل الفضل منخفض ... نحو الحضيض ولم ينفعه ما اكتسبا

أرى الأديب قليل الحظ في زمن ... ذو الجهل يركض فيه واللبيب كبا

وكيف ينشط شهم نابه فطن ... إن كان يصبح في أقرانه ذنبا

أمامه أبلهُ يرقى إلى قمم ... بغير حق ولكن حقا اغتصبا

وبل لظالمنا يوم الجناب إذا ... أداه لله والميزان قد نصبا

والمنصفون لهم أجرٌ فقد عدلوا ... وحكمهم كان محض الصدق لا الكذبا

لو تعرف الناس أقدار الرجال لما ... شاهت في الاوج إلا السادة النجبا

من زينت جيد وأدينا معارفهم ... مثل القلائد تحوي الدّر منتخبا

إن المعالي في الشرع الأحق بها ... والعرف هم علماء الناس والأدباء

ومن كأحمد أولى بالعلا وقد ... أضحى لنا خير من أفتى ومن كتبا

يا أوحد العصر يابحاثة عثرت ... على كنوز يداه بعد من نقبا

أولاك ربك عقلا راجحا وذكا ... توقد الذهن منه ما انطفا وخبا

قد انتسبت إلى علم ومعرفة ... فوق الجدود إليهم غيرك انتسبا

وحسبك الفضل والأفضال مفخرة ... إذ أصبحا لزكيّ بيننا حسبا

بحر تدفق بالعلم النفيس لذا ... قد غاص في لجه من لؤلؤاً طلبا

إن قلت بحر فلا أعني الأجاج فقد ... صفا لنا منهل من أحمدٍ عذبا

أو قلت فذ فما أخطأت في كلمي ... براعه فاق رمحا بالدما خضاب

في حلبة البحث جلي خير تجلية ... بين المبارين لما أحرز القصبا

وقد أقروا له بالفضل واقترقوا ... بأنه الفائز السبّاق ما غُلبا

بروق فطنة هذا الشهم قد ومضت ... تمحو الدياجي فتبدي كل ما احتجبا

فكم مباحثه الغراء قد كشفت ... عن وجه مشكلة أو معضل نُقبا

إن كنت مستوضحاً أو طالباً رشدا ... فعنده تدرك الإيصاح والطلبا

فداره كعبة للقاصدين إلى ... هدى يقين يزيل الشك والريبا

وصدره قد وعى مالا تعي كتب ... فسل زكيا ولا تستشهد الكتبا

إذا أنــــامــــله هــــزت يــــراعته ... أرتك سحراً عقول العالمين سبى

أو قال فالقول منه حجة وعلى ... كل الأقاويل ذيل الفخر قد سحبا

وإن تكلم خلت الدر منتثراً ... بل اللآلىء والياقوت والذهبا

أو اعتلى منبراً يلقى مواعظه ... أزرى بكل خطيب مصقع خطبا

بلاغة لم يكن سحبان حائزها ... وحكمة ما سليمان لها نسبا

وُخلقه كنسيم قد سرى سحراً ... وخلقه لاح منه النور ما غربا

إن الزكيَّ زكا في الناس منبته ... ودام يرويه نبع المجد ما نضبا

أخوه محمودُ مصباح الرشاد ومن ... قد أسمع الخلق من آياته طربا

يا أيها العالم التحرير أنت لنا ... بستان فضل بماء النبل قد خصبا

حجت إليه لكي تجنى أزاهره ... كل الورى فرأت ساحاته رحبا

روض لنــــا ورفــــت أظــــلاله ودنــــت ... أثماره وهمت لآلاؤه سحبا

شتان بين امرىء قد جد مجتهدا ... ومن أضاع ثمين العمر أو لعبا

من يبذل الذات والمجهود عن وطن ... حسن الثناء عليه بعض ما وجبا

يا أيها المنفق الأعوام عن وطن ... ومن متون العنا للعلم قد ركبا

لما استضاء بك الآنام قاطبة ... أرسلت نوراً إليهم يبهر الشهبا

شدت إليك الرحال الناس وابتهجت ... بمن يفرج عن أنفاسها الكربا

ألفت كريما خضما خضرماً زخرت ... مياهه وجرت نيلا لمن شربا

لما استقوا واستناروا قال قائهم ... بالعلم شمنا وذقنا النور والضربا

سلمت ذخراً لأوطان بك افتخرت ... والأم شمنا وذقنا النور والضربا

شرفت مصراً وفسطاطاً وجيزته ... والنيل بينهما قد سال منسكبا

دار العروبة دار أنت ساكنها ... كم كرّمت لغة العرباء والعربا

جيل كريم إلى قحطان منتسب ... وهل رأيت كجد مثله نسبا

هذه خريدة شعر منك راجية ... عطفا وقد لبست أثوابها القشبا

حلت حماك تقول السعد مكتمل ... لي فالزكي بفضل خصني وحيا

ثم انثنت في سرور وهي منشدة ... بأحمدٍ قد بلغت القصد والأربا

آثار أحمد في الأنحاء قائمة ... تقول هذا الذي في البرّ قد رغبا

بل كل ألسنة الآنام ناطقة ... بانه في سبيل الله كم وهبا

ولم يحد عن وصايا الحق في عمل ... وحالف العلم طول الدهر واصطحبا

أما الشهود ففي الغوريّ مكتبة ... زكية تزدري الأموال والنشبا

كم ألف سفر نفيس في خزانتها ... تشفى فوائدها من جهلنا الوصبا

هي الحدائق منها نجتني ثمراً ... حلو المذاق إليه القوم قد ألبا

قد قال قولا أبو تمام في كتب ... يفضل السيف حدٍّ الجد واللعبا

إنــــي أعــــارضــــه في قوله وأرى ... إن الكتاب يفوق البيض واليلبا

أسفارا في أرتقا أخلاقنا فعلت ... فعلا إلى الخير وجه الشر قد قلبا

قد جاء من كتب محمود عاقبة ... وقلما مثلها نارَ الوغى عقبا

بالعلم نحيا وبالسيف الهلاك لنا ... والعلم عمر ما بالسيف قد خربا

والعلم ينقذ شعبا من أذى مرض ... في الناس يفتك والأنعام فتك وبا

معلماً صامتاً عُد الكتاب فكم ... منه استفدنا ولم نسمع له صخبا

نفوسنا خير تهذيب لها كتب ... مثل الغذاء شهياً للذي سغبا

جاد الزكيّ بها عطفا على وطن ... أحبه فحباه بالكنور حبا

وتلك أفضل ما يهدي لأمته ... من لاح في أفق علم كوكباً ثقبا

ففي عوارفه أوفي معارفه ... لكلنا أحمدٌ أضحى أخاً وأبا

ينبوع حكمته ما غاض فائضه ... وفضله مخصب الأرجاء ماجدبا

وفوق هذا فقد أنشا لنا أثراً ... به رضى ربه والناس قد كسبا

أقام في جيزة الفسطاط من ورع ... خير المعابد للغفران مطلبا

صنع بديع أمام النيل قد رسخت ... أركانه مثل طود بيننا انتصبا

شاهدته فوجدت الفن مكتملا ... في كل جزء فحار الطرف واضطربا

كأنه قلعة قامت على عمد ... يدعو مؤذنها للفرض مرتقبا

أجاد منشئه تنظيمه فبدا ... بــــهاؤه وإليه لبنا جذبا

فيه ضريح جليل للعظيم بُني ... لكننا نبتغي عيشا له رطبا

يجاور النيل في دنيا وآخرة ... قلبٌ زكي إلى النهر السعيد صبا

كأنه كوثر تصفو موارده ... للداخلين جناناً بابها رحبا

يرجون المصلون للباني جزيل جزاً ... من ربهم وله أن يُحسن العقبا

ويضرعون إليه أن يفي سمحاً ... شهما تقياً حليما يجهل الغضبا

يواصلون دعاء للكريم على ... مكارم حصرها أعيا الذي حبنا

وآزر الكل بالعلم الشريف كما ... أعان بالبر والإحسان من نكبا

سلوا الشهور تجبكم عنمآثره ... واستشهدوا رمضان الخير أو رجبا

بل كل يوم إلى الآنام محمدة ... يسدي فيسري بها كالعطر كل نبا

هــــذي فــــضــــائله هــــذي شمائله ... فإنها مثل أعلى لنا ضُربا

في مدحه قلمي قد خاض مبتعدا ... عن معبد كان من أرجاه مقتربا

إني أعود إليه خاشعا وجلا ... فإنه في فؤادي أوقع الرهبا

أرى إزائي أبهى قبلة نقشت ... ومنبراً فيه للإرشاد منتصبا

خطيبه يعظ الآنام موعظة ... تهدي الذي عن صراط الخير قد رغبا

فيأمر الناس بالمعروف ناهيهم ... عن منكر منذراً بالويل مرتكبا

في جانب المسجد المعمور مدرسة ... تزهو بدين عليه أحمد وظبا

قامت لتعليم قرآن بجوده ... من التلاميذ من في حفظه دأبا

بمسجد جاورته الدهر مدرسة ... أرضى زكيٌّ رقيباً عفوه ارتقبا

أنشأ وأعلى بناء شامخاً فبنى ... في الخلد قصراً عقول الحور قد خلبا

مادام في الجيزة الأهرام باقية ... آثار أحمد فيها لن ترى عطبا

وللزكي فعال لست أحصرها ... هي الخلوة فكم صدع لنا رأبا

ربه عرى العلم والعرفان قد وثقت ... والتام شمل العلى من بعدما انشعبا

لأحمدٍ همم تسمو بها أمم ... وزانه شمم في نفسه وأبا

في العلم والبحث كم عانى وكابدٍ بل ... كم جال في سائر الأقطار مغتربا

وســــرنــــا كــــبنين أوبُه كأب ... به اطمأن فؤاد طالما وحبا

بعزمه أدرك الجوزاء معتلياً ... وسهل الأمر مهما شق أو صعبا

بمثله قطرنا فوق السماك سما ... مجداً وغير حلول الفرقدين أبي

هل العظام إذا لم يعقبوا انقرضت ... آثارهم والذي خطوا لنا ذهبا

كــــلا فــــإن زكياً خالد أبداً ... ذكراً وإن كان لم يترك لنا عقا

والمرء ذكراه مثل المسك نافحة ... خير من النسل بل عمر بقي حقبا

البحر والقافية

القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.

تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.

القافية: رويّها حرف الباء، قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مفردات الراغب:

  • الحضيض: حضض: الحَضُّ: ضرْبٌ مِنَ الْحَثِّ فِي السَّيْرِ وَالسَّوْقِ وَكُلِّ شَيْءٍ. والحَضُّ أَيضاً: أَن تَحُثَّه عَلَى شيءٍ لَا سَيْرَ فِيهِ وَلَا سَوْقَ، حَضَّه يَحُضُّه حَضّاً وحَضَّضَه وَهُمْ يَتَحاضّون، وَالِاسْمُ الحُضّ وا … (لسان العرب)
  • السها: سها: السَّهْوُ والسَّهْوةُ: نِسْيانُ الشَّيْءِ وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ وذَهابُ الْقَلْبِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، سَهَا يَسْهُو سَهْواً وسُهُوّاً، فَهُوَ سَاهٍ وسَهْوَانُ، وإنَّهُ لسَاهٍ بَيِّنُ السَّهْوِ والسُّهُوِّ. وَفِي ا … (لسان العرب)
  • العرفان: عرف: العِرفَانُ: الْعَلَمِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: ويَنْفَصِلانِ بتَحْديد لَا يَليق بِهَذَا الْمَكَانِ، عَرَفَه يَعْرِفُه عِرْفَة وعِرْفَاناً وعِرِفَّاناً ومَعْرِفةً واعْتَرَفَه؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ يَصِفُ سَحاباً: مَرَتْه … (لسان العرب)
  • الغرض: غرض: الغَرْضُ: حِزامُ الرَّحْلِ، والغُرْضةُ كالغَرْضِ، وَالْجُمَعِ غُرْضٌ مِثْلِ بُسْرةٍ وبُسْرٍ وغُرُضٌ مِثْلَ كُتُبٍ. والغُرْضةُ، بِالضَّمِّ: التَّصْدِيرُ، وَهُوَ للرحْل بِمَنْزِلَةِ الحِزامِ للسَّرْج والبِطانِ، وَقِيل … (لسان العرب)
  • تحتوي: حَتَّى حرف يجرّ به تارة كإلى، لكن يدخل الحدّ المذكور بعده في حكم ما قبله، ويعطف به تارة، ويستأنف به تارة، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، ورأسها، ورأسها، قال تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف : 35] ، و﴿حَتَّى مَطْل … (مفردات الراغب)
  • جراه: جرأ: الجُرأَةُ مِثْلُ الجُرْعةِ: الشجاعةُ، وَقَدْ يُتْرَكُ هَمْزُهُ فَيُقَالُ: الجُرةُ مِثْلُ الكُرةِ، كَمَا قَالُوا للمرأَة مَرةٌ. وَرَجُلٌ جَرِيءٌ: مُقْدِمٌ مِنْ قومٍ أَجْرِئاء، بِهَمْزَتَيْنِ، عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَ … (لسان العرب)
  • جهلهم: جهل: الجَهْل: نَقِيضُ العِلْم، وَقَدْ جَهِلَه فُلَانٌ جَهْلًا وجَهَالَة، وجَهِلَ عَلَيْهِ. وتَجَاهَلَ: أَظهر الجَهْل؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ. الْجَوْهَرِيُّ: تَجَاهَلَ أَرَى مِنْ نَفْسِهِ الجَهْل وَلَيْسَ بِهِ، واسْتَجْهَلَه: … (لسان العرب)

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة