مُـــفـــارَقَــةٌ وَاللَهُ عَــزَّ نَــظــيــرُهــا
الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 50 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
مُـــفـــارَقَــةٌ وَاللَهُ عَــزَّ نَــظــيــرُهــا — أَسـيـرُ غَـداً عَـنـهـا وَقَـلبـي أَسـيـرُها
تَـخَـلَّيـتُ عَـن قَـلبـي لَهـا غَـيـرَ مُـكرَهٍ — وَلَكِــنَّ نَــفــسَ الحُــرِّ تَـغـلو مُهـورُهـا
رَهَــنَــت فُــؤادي فــي هَــواهــا لِمُــدَّةٍ — فَـلَم يُـغـنِ عَـنـهُ عِـنـدَ نَـفسي مُرورُها
فَــلَيـسَـت تَـرى لِلعَـلَقِ عِـنـدي عَـلاقَـةً — وَعِــنــدي يَـدٌ لَم تـوفِ عَـنّـي نُـذورُهـا
وَإِن كــانَ نَـفـلاً مـا سَـمَـحَـت فَـإِنَّهـا — صَــنــائِعٌ فــي رَأيــي تَــزادُ أُجـورُهـا
فَــأَنّــي رَأَيــتُ الفَــضـلَ فَـضـلَ زِيـادَةٍ — عَـلى حَـقِّهـِ يُـمـسـي خَـطـيـراً نَـزيـرُهـا
وَأَنَّ المَــزايــا مِــن قَــليــلٍ وَرُبَّمــا — لَعَـمـري قَـليـلُ المَـكـرُمـاتِ كَـثـيـرُها
فَإِن كُنتُ لَم أوثِر عَلى النَفسِ مَجدَها — فَــلا أَحـمَـدَ الآثـارَ عَـنّـي أَثـيـرُهـا
وَمـا الفَـرقُ مـا بَـيـنَ الكَـريمِ وَضِدُّهُ — إِذا لَم يُـحَـمِّلـ نَـفـسَهُ مـا يُـضـيـرُهـا
وَمــا الحُــرُّ مَــن يَــلوى لِضُــرٍّ يَـمَـسُّهُ — إِذا لَفَــحَـتـهُ فـي اللَيـالي حُـرورُهـا
وَلَكِـــنَّ مَـــن يَــقــوى وَلِلرَوعِ نَــصــلَةٌ — يُـطـيـرُ فُـؤادَ الفَـحـلِ إِذا يَستَطيرُها
وَلَكِــنَّ مَــن يَــطــوي عَــلى المُـرِّ مُـرَّةً — تَــظَــلُّ عَــلَيــهِ مُــســتَــمِـرّاً مَـريـرُهـا
وَلَكِــنَّ مَــن يَــغــدو وَتَــغـدو عَـزيـمَـةً — لَهُ مِــثـلَ حَـدِّ السَـيـفِ وَهـوَ شَهـيـرُهـا
وَلَكِــنَّ مَـن يَـفـري السُـتـورَ إِذا عُـدَّت — عَــلَيــهِ خُــطــوبٌ لا تُــزاحُ سُــتـورُهـا
وَلَكِــنَّ مَــن يَــغــشــى صُــدورَ مَــجــالِسٍ — وَتَـغـشـاهُ مَـن جَـرَّدَ المَـذاكي صُدورُها
وَلَكِـن فَـتـىً عِـنـدَ الرَزايـا صَـبـورُها — وَفـي وَسَـطِ أَجـوالِ المَـنـايـا ضُبورُها
أَلا فـي سَـبـيـلِ المَـجـدِ أَن شَـكـيـمَـةٌ — أُجـيـشَ بِهـا لَم يَـخَـب يَـومـاً سَـعيرُها
وَأَنّــي حَــلَبــتُ الدَهــرَ أَشــطُـرُهُ وَقَـد — مَــضَـت لي كَـأَعـوامِ الرِجـالِ شُهـورُهـا
إِذا لَم يَـكُـن مـاءَ الشَهـامَـةِ مَـنهَلي — وَلَم يَهـدِنـي نَـحـوَ الحَـفـيـظَـةِ نورُها
فَــلا وافَــقَــت لِلمَــكــرُمـاتِ عَـقـيـلَةُ — أَخـاهـا وَلا صـاغَ القَـوافـي أَمـيرَها
يُــفَــجِّرُ فــيــهــا لِلقَــريـحَـةِ أَنـهُـراً — غِـزاراً فَـلا تَـخـشـى المَـغاضِ بُحورُها
وَمــــا ذاكَ إِلّا أَنَّهــــُ مُــــتَــــخَــــرِّجٌ — عَـلى ذاتِ فَـضـلٍ لا يَـخـيـبُ سَـمـيـرُهـا
مُــمَــنَّعــَةٌ أَركــانَهــا فَــوقَ حِــكــمَــةٍ — مُــرَفَّعــَةٍ تَــعــلو السِــمـاكَ قُـصـورُهـا
تَــمـيـلُ بِـأَعـطـافِ النَـجـاحِ خُـصـورُهـا — وَتَـضـحَـكُ عَـن مِـثـلِ الأَقـاحِ ثُـغـورُهـا
وَتَـزهـو وَلا زَهوَ الكَواكِبِ في الدُجى — إِذا فـي لَيـالي الجَهـلِ تَـمَّ سُـفـورُها
يُــقِــرُّ لَهــا مِــن كُــلِّ بَــدرٍ تَــمــامُهُ — وَيَــحــسُــدُهــا مِــن كُـلِّ شَـمـسٍ ذُرورُهـا
فَــقَــد خَـوَّلَتـنـي نِـعـمَـةٌ فَـوقَ نِـعـمَـةٍ — وَكُـــلٌّ إِذا عُـــدَّت فَــإِنّــي شُــكــورُهــا
فَـأَلبَـسَـنـي نَـسـجَ الحُـبـورِ حَـبـيـرُهـا — وَأَوطَــأَنــي مَهــدَ السُــرورِ سَــريـرُهـا
لَقَــد رَشَّحــَت حِـلمـي فَـجـاءَت خَـلائِقـي — مِـنَ الطَـبـعِ أَولاهـا وَلا أَسـتَـعيرُها
لَيــالي هــاتــيــكَ المَهــارِقَ حَـولَنـا — يَــدورُ بِــنــا دَورَ الأَســاوِرِ دورُهــا
لِذاكَ غَــدَت تَــحــكــي بَـيـاضَ طُـروسِهـا — وَإِن أَشــبَهَـتـهـا بِـالظَـلامِ سُـطـورُهـا
مَـجَـرَّ وَمَـجـرى سُـمـرِ أَقـلامِـنـا الَّتـي — يَهــيــنُ صَــليــلُ المَـشـرِفـي صَـريـرُهـا
أَلا حَــبَّذا تِــلكَ اللَيــالي فَــإِنَّهــا — هِــيَ الغُـرُّ لَكِـن لَيـسَ يَـدري غُـرورُهـا
قَـضَـيـتُ بِهـا أُنـسـاً كَـأَن لَم أَفُـز بِهِ — وَرَشــفُ كُــؤوسٍ لَم تَــحــرِم خُــمــورُهــا
فَـمـا أَنسَ لا أَنسَ الرِياضَ الَّتي جَرى — وَأَورَدَنــي مــاءَ النَــعــيـمِ غَـديـرُهـا
وَلا أَنــسَ أَوقـاتـاً قَـضَـيـتُ بِـرَبـعِهـا — وَلا صُــحــبَــةً مِـنّـي كَـريـمٌ عَـشـيـرُهـا
فَــإِن يَـقـضِ بِـالبُـعـدِ القَـضـاءُ فَـإِنَّهُ — عَــذيـري مِـنـهـا وَهـوَ مِـنّـي عَـذيـرُهـا
مَــضَــت فَــأَمَــضَّتــ مُهــجَــتــي وَكَـأَنَّهـا — نَــضــيــرُ كَــرى عَـيـنَـيَّ كـانَ كُـرورُهـا
فَـلا تُـنـكِـرَن مِـنّـي الَّذي قَـد شَهِـدتُهُ — وُجـومـاً بِـنَـفـسٍ قَـد تَـسـامـى زَفـيرُها
فَـبـي مِن جَوى الأَحشاءِ ما لَو جَعَلتُهُ — عَــلى قَـنَـنِ الأَجـبـالِ دَكَّتـ صُـخـورُهـا
تَــصَــعَّدَ مِــنّــي زَفــرَةً فَــتُــثــيــرُنــي — وَأَجــهَــدَ فــي أَرجــاعِهــا فَـأَثـيـرُهـا
فَـإِن كُـنـتَ أَظـهَـرتَ الفُـتـورَ بِـلَوعَتي — فَــرُبَّ عُــيــونٍ شَــبَّ نــاراً فُــتــورُهــا
أَودَعَ مَــغـنـى قَـد قَـضَـيـتُ بِهِ الصَـبـا — وَأَرضَـيـتُ نَـفـسـاً كَـالنَهـارِ ضَـمـيـرُها
وَمــارَســتُ أَعــلامــاً وَدارَســتُ عِـليَـةً — وَآنَــســتُ أَنــواراً تَــمـامـاً بِـدورِهـا
عَـــلَيَّ لَهُـــم فَـــضـــلٌ بِـــجـــيــدي دَرُّهُ — وَكَـم فِـتـيَـةٌ مِـنـهُـم تَـحَـلَّت نُـحـورُهـا
تَــحـاشَـيـتُ نَـفـسـي مِـن سُـلوِ عُهـودِهِـم — فَــإِنَّ نَــجــارى المُــنــذِرِيَّ نَــذيـرُهـا
فَــمــا قَــصُــرَت إِلّا وَقــامَــت مَــآثِــرُ — مِـنَ الأَصـلِ لا يُـدري لَعَـمري قُصورُها
فَــذِكــرُهــا عَهــدُ الخَــوَرنَــقِ شَـأنُهـا — وَإِن سَـدَرَت مـا غـابَ عَـنـهـا سَـديـرُها
مَـــآثَـــرَ أَجــدادٍ جَــديــدِ فِــخــارِهــا — يُــذَرّى وَإِن طــالَت خُــلُوّاً عُــصــورُهــا
عَـــلى أَنَّهـــُ مـــا تَـــمَّ فَـــضـــلٌ لِأَوَّلِ — بِــعُــصــبَــتِهِــم حَـتّـى أَجـادَ أَخـيـرُهـا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- توف: توف: مَا فِي أَمرهم تَوِيفةٌ أَي تَوانٍ. وَفِي نَوَادِرِ الأَعراب: مَا فِيهِ تُوفةٌ وَلَا تافةٌ أَي مَا فِيهِ عَيْبٌ. أَبو تُرَابٍ: سَمِعْتُ عَراماً يقول تَاهَ بَصَرُ الرَّجُلِ وتافَ إِذَا نَظَرَ إِلَى الشَّيْءِ فِي دَوَ …