سِــراعــاً بَـنـي أُمّـي بِـحَـثِّ ظُـعـونِهـا
الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 58 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
سِــراعــاً بَـنـي أُمّـي بِـحَـثِّ ظُـعـونِهـا — فَــمــا حَـرَّكَ الآلامَ غَـيـرَ سُـكـونِهـا
وَمـا زالَ فَـريُ الخَـطـبِ تَحتَ خِفافِها — وَشَــرحُ صُـدورِ الرَكـبِ فَـوقَ مُـتـونِهـا
لَعَـمـرُ المَـعـالي مـا عَـدونَ دِيارَنا — وَلا حُــرِبَــت إِلّا بِــطــولِ هُــدونِهــا
وَلا كـانَ مـا قَـد آثَـرتُ مِن فُتورِها — سِوى الأَصلُ فيما كابَدَت مِن فُتونِها
يُـعـافونَ مَورودَ الصِعابِ إِلى العُلا — وَلا مَــجـدَ إِلّا بِـاِرتِـقـاءِ حُـزونِهـا
فَـمَـن يَـرِدُ الأَيّـامَ بـيـضاً فَلا يَكُن — جَــزوعـاً لِكَـرّاتِ اللَيـالي بِـجَـونِهـا
رَكِـبـنـا ظُهـورَ الصـافِـناتِ وَقَد ثَوَت — بِـأصـلابِـنـا فُـرسـانَ ما في بُطونِها
وَقُـلنـا لَهـاديـنـا الفَـلاةَ فَـإِنَّنـا — رَجِــعــنــا إِلى آبــائِنــا وَشُـئونِهـا
طَـووا شِـقَـقَ البَـيداءِ شَرقاً وَمَغرِباً — أَلَم يَـكُ مِـن مـاءِ الأَوالي وَطـينَها
وَمــا إِن شَـأيٍ بِـالكَهـرَبـاءَةِ مَـركَـبِ — بِــشـاحِـطَـةِ الصَـحـراءِ مَـدَّ هَـجـيـنَهـا
فَـإِن يَـقـطَـعُ القَومَ البِحارَ فَعِندَنا — مَهــامِهُ لا تَـلقـى لَهُـم بِـسَـفـيـنِهـا
عَـلى غَـيـرِ شَـيـءٍ غَـيـرَ أَنّـا عِـصـابَةً — غِـضـابٌ لَدَيـنـا المُـسـلِمـيـنَ وَدينَها
تَـعـدوا حُـدودَ الصَـبـرِ حـيـفـاً بِأُمَّةً — غَـدوا لَبِـداً فـي عَـزمِ قَـطـعِ وَتينِها
وَقَـد طـالَمـا بِـتـنـا نُـغـالِطُ أَنفُساً — وَنَـبـغـي مِـنَ الأَعـلاجِ سَـلَّ ضُـغـونَها
إِلى أَن تَـجـلى العَزمَ لا حَجبَ دونَهُ — وَقَــصُــرَ بِــالأَعــذارِ نَــصٌّ مُـبـيـنَهـا
وَلَم يَـبـقَ مِـن مُـسـتَـعجِمٍ في مُرادِهِم — بِــأُمَّةــٍ صِــدقَ أَمـعَـنَـت فـي رُكـونِهـا
فَـقُـلنـا عَـلَيـكُـم بِـالسُـيـوفِ فـإِنَّها — لِأَفــصَــحُ مِـن أَقـلامِـنـا بِـرَنـيـنِهـا
فَــإِن يَــخــفِــرِ الأَعــداءَ عُهــودَنــا — فَـعِـنـدَ ذِمـامِ البـيـضِ رَدعُ خُـؤونِهـا
أَلا شَـدَّ مـا قَـد أَصـغَرَت مِن مَقامِنا — وَمـا اِقـتَحَمَتنا في الغُزاةِ لِحينِها
تَـنـاسَـت سَـريعاً ما مَضى مِن بَلائِنا — وَأَنّــا عَــلَونــا عــالِيــاتٍ قُـرونَهـا
وَظَـنَّتـ عُـروشُ الشَـرقِ ما لَت وَأَصبَحَت — كَـأَن لَم يَـكُـن بَـينَ الصَفا وَحُجونِها
وَأَنَّ زَمــانَ الثَــأرِ وافـى فَـأَوجَـفَـت — أَلا خـابَ مـا قَـد قَـدُمَت مِن ظُنونِها
فَــلَم يَــزَلِ الإِســلامُ غَـضـاً بِـأَهـلِهِ — وَنــيــرانِهِ لَم تَـنـطَـفِـئ بِـكُـمـونِهـا
وَمــا رَقـرَقَ القُـرآنُ مـاءَ طِـبـاعِهـا — فَهَـيـهـاتَ يَـخـشـى مِـن نُـضوبِ مُعينِها
فَـلا يَـغـتَـرِر قَـومٌ بِـظـاهِـرٍ ليـنَـنا — فَما الصَعدَةَ السَمراءَ هَوناً بِلينِها
لَنـا مِـن بَـنـي عُـثـمـانَ كُـلَّ غَـضَـنفَرٍ — تَـــخِـــرُّ لَهُ أَبــطــالُهُــم لِذُقــونِهــا
فَـلَسـنـا نُـبـاهـي أَن نَحَرنا سِخالَها — وَقـبـلاً صَـرَعـنـا أَسَـدَها في عَرينِها
فَـمـا اِضطَلَعَت بِالسَيفِ أَيدي جُنودِها — وَإِن مَهَـرَت فـي الشَحذِ أَيدي قُيونِها
جَـحـافِـلَ فـي سَـيـفِ البِـحـارِ تَخالُها — مِـنَ الذُعـرِ وَرقـاً عُـكَّفاً في وَكونِها
وَلَولاَ الجَـواري المُـنـشَـآتِ تَـمُـدُّها — مِـنَ اللُجِّ زَجَـت فـي مَـغـاغِـرِ نـونِهـا
لَئِن جَــرَدَتــهــا رَومَــةٌ لِحِــصــارِنــا — لَقَـد أَودَعَـتـهـا عِـنـدَنـا بِـسُـجـونِها
وَفــي كُــلِّ يَــومٍ وَقــعَــةٍ لِجُــيـوشِهـا — تَـضـيـقُ بِهـا بِـطَـحـاؤِهـا بِـدَفـيـنِهـا
لَقَــد طَــعَـمَـت مِـمّـا جَـنَـتـهُ وَضـيـعَـةٌ — تُـخـالِطُ فـيـهـا جَـبـنَهـا بِـجُـنـونِهـا
قَـد اِسـتَوقَدَتها الحَربُ نارَ شُكوكِها — إِذا العَـرَبُ وافَـتـهـا بِثَلجِ يَقينِها
فَـدونَـكُـمـو يـا أَيُّهـا العُـربُ حَـملَةً — نِــزارِيَّةــً فَــاِسـتَـبـسَـلوا لِزَبـونِهـا
وَصـونـوا ذِمارَ المُلكِ شَداً فَلَم يُملِ — سُـروجَ المَـطـايـا غَـيـرَ رَخوِ وَضينِها
وَهَـذي طَـلى الطَـليـانِ تَهفو إِلَيكُمو — سُـقـوطَ ثِـمـارِ الدَوحِ مِن عَن غُصونِها
سَــتَــعــلَمُ أَطـرابِـلسَ أَنّـا صِـحـابَهـا — وَبُـرقَـةً لا نَـرضـى لَعَـمـري بِـدونِهـا
وَكُــلُّ ذِراعٍ عِــنــدَنــا مِــن تُـرابِهـا — كَـخـالِصَـةِ الأَعـلاقِ عِـنـدَ ضَـنـيـنِهـا
سَــلِمــتَ أَمــيــرَ المُــؤمِــنـيـنَ لِأُمَّةٍ — مُــحــمَّدَ طـولَ الدَهـرِ نـورُ عُـيـونِهـا
تُـقـيـمُ بِهـا فـي الحَـقِّ حُكمَ أَميرِها — وَتَـرعـى لَهـا بِـالرِفـقِ عَهـدَ أَمينِها
وَمِــن أُمــراءِ الشَــرقِ حَـولَكَ عُـصـبَـةً — سُــطــاكَ كَــرســيــهــا وَشَـمُّ حُـصـونِهـا
وَيـا سَـيـفَ نَـصـرٍ عـامِلاً في عِداتِها — وَقــائِمَهُ لَمّــا يَــزَل فــي يَـمـيـنِهـا
إِذا اِعـتَـصَـمَـت فـي رَوعِهـا مِن مُحَمَّدٍ — بِـصـاحِـبِهـا مِـنـكَ اِهـتَـدَت لِمُـعـينِها
وَإِن جَهَـمَـتـهـا الحـادِثـاتُ فَلَم يَزَل — بِــعَــبّــاسِهـا بَـسّـامُ نُـورٍ جَـبـيـنِهـا
إِذا عــالَمُ الإِســلامِ أَولاكَ شُـكـرَهُ — فَــمــا لِذُبــابِ بِــلُغَــةٍ بِــطَـنـيـنِهـا
تَــحِــنُّ إِلى نــاديــكَ مُهــجَــةُ غــائِبٍ — يُـطَـعُهـا فـي البُـعـدِ فَـرطَ حَـنـيـنِها
فَــإِن تَــكُ آلَت نَــجــدَةً لِقَــبــيـلِهـا — فَـمِـثـلُكَ مَـن يَـرضـى بِـبِـرِّ يَـمـيـنِهـا
وَلَولا الحُـقـوقُ الواجِباتُ لَما نَبَت — أَمــاكِــنَ مِـن أَوطـانِهـا بِـمَـكـيـنِهـا
تَـظَـلُّ الدَعـاوي فـي المَعالي كَثيرَةٌ — وَمــا كُــلُّ بــاغٍ وَصـلَهـا بِـقَـريـنِهـا
إِلى مُـلتَـقى الجَمعَينِ وَالسَيفُ فاصِلٌ — هُـنـالِكَ يَـدري غَـثَّهـا مِـن سَـمـيـنِهـا
هُـنـاكَ لَنـا فـي جـانِـبِ الغَربِ إِخوَةٌ — تَـسـومُهُـم البُـؤسـى العِـدى بِفُنونِها
بَـكَـيـنـا لَها نَحنُ الأُلى ما تَعَوَّدَت — مَـدامِـعُهُـم فـي الخَـطـبِ بَذلُ مُصونِها
فَـإشـن نَحنُ قارَرنا عَلى ضَيمِ أَهلِنا — فَهَـيـهاتَ نَرجو العِزَّ مِن بَعدِ هَونِها
تَـرى النَـفسَ دَيناً وَقفَةً في صُفوفِها — قَـضـاءٌ عَـنِ الأَرحـامِ بَـعـضَ دُيـونِهـا
فَـمـا الشامُ وَالنيلُ السَعيدُ وَدِجلَةً — سِــواهــا لَدى أَفــراحِهـا وَشُـجـونِهـا
وَوَاللَهِ لا أُعـطـيـه المَـقادِ لِظالِمٍ — وَلَمّـا أُرِد بِـالنَـفـسِ حَـوضَ مُـنـونِهـا
إِذا بــاتَ أَخــواتــي بِــبُـرقَـةٍ سُهَّداً — فَـكَـيـفَ تَـنـامُ العَـيـنُ مِـلءَ جُفونِها
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- بارتقاء: [ر ق ي]. (مصدر اِرْتَقَى). 1. "صَعُبَ عَلَيْهِ اِرْتِقَاءُ الجَبَلِ": الصُّعُودُ إِلَيْهِ. 2. "اِرْتِقَاءُ الْمَلِكِ للْعَرْشِ" : اِعْتِلاؤُهُ، تَوَلِّيهِ. 3."مَبْدَأُ النُّشُوءِ والاِرْتِقَاءِ" : مَبْدَأُ التَّطَوُّرِ.
- بجونها: جون: الجَوْنُ: الأَسْوَدُ اليَحْمُوميُّ، والأُنثى جَوْنة. ابْنُ سِيدَهْ: الجَوْنُ الأَسْوَدُ المُشْرَبُ حُمْرَةً، وَقِيلَ: هُوَ النباتُ الَّذِي يَضْرِب إِلَى السَّوَادِ مِنْ شِدَّةِ خُضْرتِه؛ قَالَ جُبَيْهاءُ الأَشجعيّ: …
- بحث: بحث: البَحْثُ: طَلَبُكَ الشيءَ فِي التُّراب؛ بَحَثَه يَبْحَثُه بَحْثاً، وابْتَحَثَه. وَفِي الْمَثَلِ: كالباحِثِ عَنِ الشَّفْرة. وَفِي آخَرَ: كباحِثةٍ عَنْ حَتْفها بظِلْفها؛ وَذَلِكَ أَن شَاةً بَحَثَتْ عَنْ سِكِّين فِي ال …
- حرك: حرك: الحَرَكة: ضِدُّ السُّكُونِ، حَرُك يحْرُك حَرَكةً وحَرْكاً وحَرَّكه فتَحَرَّك، قَالَ الأَزهري: وَكَذَلِكَ يَتَحَرَّك، وَتَقُولُ: قَدْ أَعيا فَمَا بِهِ حَرَاك، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَمَا بِهِ حَرَاك أَي حَرَكة؛ وَفُلَ …