قَـد أَعـجَـزَ الشُـعَـراءُ طـولَ حَـيـاتِهِ

الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: الكامل

هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 76 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف التاء.

وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.

قَـد أَعـجَـزَ الشُـعَـراءُ طـولَ حَـيـاتِهِ — وَاليَــومَ يَـعـجَـزُهُـم بِـنَـدبِ مَـمـاتِهِ

هَـيـهـاتَ يـوجَـدُ فـي البَـرِيَّةـِ مِنهُم — كُــفــؤٌ لِيُــرثــيــهِ بِــمِــثـلِ لُغـاتِهِ

كــانَ الأَمــيــرُ لِجَـيـشِهِـم مُـسـتَـنَّةً — فُــرسـانَهُـم فـي الظِـلِّ مِـن رايـاتِهِ

مــا عــابَ أَهـلَ العَـبـقَـرِيَّةـِ أَنَّهـُم — قَـد قَـصَّروا فـي الخَـبِّ عَـن غـاياتِهِ

هَــذا أَمـيـرُ الشِـعـرِ غَـيـرَ مُـدافِـعٌ — فـي الشَـرقِ أَجـمَـعُ مُنذُ فَتقِ لَهاتِهِ

لَو كــانَ وَحــيٌ بَــعــدَ وَحــيِ مُـحَـمَّدٍ — لا نَــشَــقَ ذاكَ الوَحــيُ عَـن آيـاتِهِ

السِـحـرُ فـي نَـفَـثـاتِهِ وَالزَهـرُ فـي — نَــفَــحــاتِهِ وَالدَهــرُ بَــعــضَ رُواتِهِ

رَقَّتـ لِنَـغـمَـتِهِ القُـلوبُ فَـكَـيـفَـمـا — غَــنّــى بِهــا رَقَــصَـت عَـلى نَـبَـراتِهِ

تَـغـدو المَعاني العُصمُ شُمسَ مَقادَةٍ — فَــيَــقــودُهـا قَـومُ الغُـلامِ لِشـاتِهِ

وَإِذا أَرادَ الصَــخـرَةَ الصَـمّـاءَ مِـن — أَغـــراضِهِ رَقَّتـــ نــظــيــرَ سِــحــاتِهِ

مــا رامَ شــارِدَ حِـكـمَـةٍ فـي نَـظـمِهِ — إِلّا أَصــابَ صَــمــيــمَهــا بِــحَـصـاتِهِ

جَــلّى الإِلَهُ لَهُ الأُمــورَ كَــأَنَّمــا — يُـلقـى عَـلَيـهـا الشَـمـسُ ِن نَـظَراتِهِ

فَـكَـسـا الطَـبـيـعَةَ مِن نَسيجِ بَيانِهِ — حَــلَلاً خَــلَت مِـن غَـيـرِ طَـرزٍ دَواتِهِ

فَـتَـرى الطَـبـيـعَـة قَبلَ نَظَرَتِهِ لَها — غَــيـرَ الطَـبـيـعَـةِ وَهـيَ فـي مِـرآتِهِ

وَالحُـسـنُ يُـشـرِقُ في العُيونِ بِذاتِهِ — وَهَــنــا يُــضــيــءُ بِــذاتِهِ وَصِـفـاتِهِ

هَــذا هُــوَ الشِــعـرُ الَّذي بِـنُـبـوغِهِ — لَم تُـحـسِـنِ النُـظَـراءَ قَـرعَ عَتَباتِهِ

كَــالدُرِّ فــي لَمَـعـاتِهِ وَالبَـدرُ فـي — قَــسَــمــاتِهِ وَالصُـبـحُ فـي نَـسَـمـاتِهِ

وَلَقَــد رَوَيــتَ الشِــعــرَ عَـن آحـادِهِ — وَأَلِفَـــت لِلسِـــبّــاقَ فــي حَــلَبــاتِهِ

وَقَـضَـيـتَ فـيـهِ صَـبـوَتـي وَصَـبـابَـتـي — وَقَــطَــفــتَ مِــنــهُ خَــيــرَ نُــوّاراتِهِ

وَأَثَـرتُ فـي المَـيـدانِ بُـزلَ فُـحولِهِ — وَأَطــرَت فــي الآفــاقِ شُهـبُ بُـزاتِهِ

فَـرَأَيـتُ شَـوقـي لَم يَـدَع فـي عَـصـرِهِ — قِـــرنـــاً يَهُــزُّ قَــنــاتِهِ لِقَــنــاتِهِ

الفَــــردَ فــــي أَمـــداحِهِ وَنُـــواحِهِ — وَالفَـــذُّ فـــي أَمــثــالِهِ وَعِــظــاتِهِ

وَإِذا تَـــعَـــرَّضَ لِلغَــرامِ فَهَــل دَرَت — لُغَــةُ الغَــرامِ نَــظــيـرَ شَـوقِـيّـاتِهِ

مـا فـي الهَـيـامِ كَـوَجـدِهِ وَحَـنـينِهِ — أَو فـي النَـسـيـبِ كَـظَـبـيِهِ وَمَهـاتِهِ

أَو خـاضَ فـي ذِكرى العَذيبِ تَشابَهَت — أَعــطـافَ مُـسـتَـمَـعـيـهِ مَـعَ بـانـاتِهِ

وَإِذا تَـــحَـــدَّثَ بِــالرَبــيــعِ وَرَوضِهِ — أَنـسـاكَ بِـالتَـحـبـيـرِ وَشـى نَـبـاتِهِ

أَو سَـلَّ فـي وَصـفِ الوَقـائِعِ صـارِمـاً — خِــلتُ العِــدى سـالَت عَـلى شَـفَـراتِهِ

لا رُتــبَــةً تَــعــلو مَــكـانَـتِهِ وَلا — شَــرَفٌ يُــنــافُ عَــلَيـهِ مِـن شَـرَفـاتِهِ

نَـحَـتَ القـوافـي السـائِرتُ أَوابِـداً — مـاذا يُـفـيـدُ النَـحـتُ مِـن أَثـلاتِهِ

قَــد بَــذَّ آلِهَـةَ القَـريـضِ بِـأَسـرِهِـم — وَمَـــحـــا عِــبــادَةَ لاتِهِ وَمَــنــاتِهِ

يُـنـضـونَ كُـلَّ نَـجـيـبَـةٍ أَن يُـطـلِعوا — جَــبَــلاً يَـحِـلُّ الرَأسَ مِـن شَـعَـفـاتِهِ

وَلَكُــم مَــرَرتُ بِــحــاسِـديـنَ لِفَـضـلِهِ — رَغــمَ القَــلى يَـروونَ مِـن أَبـيـاتِهِ

لا نِــدَّ يَــعــدِلهُ وَكَــم مِــن مَـجـلِسٍ — أَشـعـارَ شَـوقـي النَـدُّ فـي سَـمَـراتِهِ

يَـتَـمَـثَّلـُ العَـصـرُ الحَـديـثُ بِـشِـعرِهِ — حَـقَّ التَـمـثـيـلِ مِـن جَـمـيـعِ جِهـاتِهِ

وَلَرُبَّ بَــيــتٍ يَــســتَــقِــلُّ بِــجُــمــلَةٍ — تَـغـنـى عَـنِ التـاريـخِ فـي صَـفَحاتِهِ

لَم يَــفــتَـتِـن مِـن عَـثـرِهِ بِـمَـسـاوِئٍ — كَــلّا وَلَم يُــغــمِـطـهُ مِـن حَـسَـنـاتِهِ

قَــد لازَمَ الأَنــصـافَ فـي أَحـكـامِهِ — لا فَــرقَ بَــيــنَ صِــحــابِهِ وَعُــداتِهِ

وَإِذا سَـــأَلتَ عَـــنِ الجِهــادِ فَــإِنَّهُ — مُــنــذُ الحَــداثَـةِ كـاَ فـي سَـرَواتِهِ

كَــالسَــيــفُ فــي أَوضــائِهِ وَمَـضـائِهِ — وَاللَيــثُ فــي وَثــبــاتِهِ وَثَــبــاتِهِ

مـا حَـلَّ بِـالإِسـلامِ حـيـفَ مُـصـيـبَـةٌ — إِلّا وَكـــانَ بِهـــا لِســانُ شِــكــاتِهِ

يَــحــمــي حَــقــائِقِهِ وَيـوضِـحُ سُـبُـلَهُ — وَيُـقـيـلُ طـولَ الوَقـتِ مِـن عَـثَـراتِهِ

يَــلقــى عَــلى غَــمَــراتِ كُــلِّ مُــلِمَّةٍ — قَــولاً يُــزيــلُ أُجــاجَهــا بِـفُـراتِهِ

وَيَــظَــلُّ يُــرسِــلَهــا قَــصـائِدَ شُـرَّداً — غُــرَراً تَــشَــقُّ الفَـجـرَ عَـن لَيـلاتِهِ

كــانَــت قَـصـائِدُهُ هِـيَ الصَـوتُ الَّذي — سَــرى عَــنِ الإِســلامِ ثَـقـلُ سُـبـاتِهِ

بَــعَــثــتُ بِهِ روحَ الحَـيـاةِ كَـأَنَّهـا — هِــيَ صُــوَرُ إِسـرافـيـلَ فـي زَعَـقـاتِهِ

قَد كانَ أَدرى الناسِ بِالداءِ الَّذي — قَــد حَــطَّ هَـذا الشَـرقُ عَـن صَهَـواتِهِ

داءٌ هُـوَ الأخـلاقُ فـي اِضـمِحلالِها — فَــلِذا تَــرى الأَخـلاقَ رَأسَ وَصـاتِهِ

وَفّــى عَـنِ الشَـرقِ القَـديـمِ نِـضـالِهِ — مِــن يَــومِ نَــشــأَتِهِ لِيــومِ وَفــاتِهِ

قَـــد ذادَ عَـــنــهُ بِــقَــلبِهِ وَبِــلُبِّهِ — شَــأنَ الأَبِــيَّ يَــذودُ عَــن تَـرِكـاتِهِ

مـــاضٍ يَـــحــذِرهُ اِســتِــلابُ تُــراثِهِ — مِـــنـــهُ وَيَــحــفِــزُهُ لِأَخــذِ تِــراتِهِ

أَعــلى مَــنـارِ الشَـرقِ فـي أَوصـافِهِ — وَأَجــادَ وَصــفَ الغَــربِ فــي آفــاتِهِ

وَوَحـى إِلى الشَـرقِـيِّ بِـالطُرقِ الَّتي — يَـمـشـي النَـجـاءُ بِهـا لِأَجلِ نَجاتِهِ

أَمَــلي مُـكـافَـحَـةَ الذِئابِ عَـوادِيـاً — بِــالوادِ قَــد حَـلّوا مَـكـانَ رُعـاتِهِ

الجـــائِســـيــنَ بِــبَــحــرِهِ وَبِــبَــرِّهِ — وَالجــائِشــيــنَ بِــنَــجــدِهِ وَوَطــاتِهِ

وَالغـــاصِـــبـــيـــنَ لِزَرعِهِ وَلِضَــرعِهِ — وَالآكِـــليـــنَ لِتَـــمـــرِهِ بِــنَــواتِهِ

أَشــعــارِهِ تَــحــيــا وَتُــحــيــي أُمَّةً — تَـجِـدَ الحَـيـاةَ الحَـقَّ فـي كَـلِمـاتِهِ

يـا راحِـلاً مَـلَأَ الزَمـانِ بَـدائِعـاً — مِـن قَـبـلُ أَن نَـزَلَ القَـضـا بِسُكاتِهِ

أَتَـرَكـتَ بَـعـدَكَ شـاعِـراً تَـرضـى بِأَن — تَـرعـى جِـيـادَ الفِـكـرِ فـي تَـلَعاتِهِ

يَـبـكـي بِـكَ الإِسـلامُ خَـيـرَ جُـنودِهِ — أَبَـداً وَيَـرثـي الشَـرقَ خَـيـرَ حُماتِهِ

وَكَــأَنَّ وادي النــيــلِ مِـن أَحـزانِهِ — يَـلقـى عَـلى الشَـطـيـنِ مشن زَفَراتِهِ

وَنَـوادِبُ العَـرَبِـيَّةـَ الفُـصـحـى لَهـا — نَــدبٌ عَــلَيــكَ يُــذيــبُ فــي رَنّــاتِهِ

اِنـظُـر إِلى الإِخـوانِ كَـيفَ تَرَكتَهُم — مِــن كُــلِّ مُــضــطَــجِـعٍ عَـلى جَـمَـراتِهِ

اِنـــظُـــر لِحــالِ أَخٍ فِــداكَ بِــروحِهِ — لَو كـانَ يُـحـيـي المَيتَ عَزمَ فُداتِهِ

قـضـد كُـنـتُ طـولَ العُـمرِ قُرَّةَ عَينِهِ — وَالآنَ يَـجـري السَـخـنَ مِـن عَـبَراتِهِ

مَـضَـتِ السُـنـونُ الأَربَعونَ وَنَحنُ في — هَــذا الإِخــاءُ نَــمُــزُّ مِـن قَهَـواتِهِ

أَرعــاكَ مِــن بُـعـدٍ وَتَـرعـانـي عَـلى — عَهــدِ نَهُــزُّ الرَطــبَ مِــن عَــذَبــاتِهِ

عَهــدٌ رَعَــيــنــاهُ مَـديـدَ حَـيـاتِـنـا — وَاليَــومَ زادَ المَـوتُ مِـن حُـرمـاتِهِ

قَـد كُـنـتُ أَطـمَحُ أَن تَرى لي راثِياً — يـا مَـن غَـدَوتُ اليَـومَ بَـيـنَ رِثاتِهِ

كُــنّــا نَــخــافُ رِداكَ قَــبـلَ وُقـوعِهِ — فَـلَنـا الأَمـانُ اليَـومَ مِن دَهَشاتِهِ

تَــبّــاً لِعَــيــشٍ قَــد يَـكـونُ مَـسـاؤُهُ — نـــوحـــاً وَكــانَ سُــرورُهُ بِــغَــداتِهِ

وَالمَـرءُ إِن يَـنـظُـر لِمـا يُـبلى بِهِ — لا فَــرقَ بَــيــنَ بَــقــائِهِ وَفَــواتِهِ

فَـالمَـيـتُ وَهـوَ يَـذوبُ فـي حَـشَـراتِهِ — كَــالحَــيُّ وَهــوَ يَـذوبُ فـي حَـسَـراتِهِ

نَــرجــو لَكَ الدارَ الَّتـي عِـمـارُهـا — هُـم كُـلَّ مَـن صَـنَـعَ الجَـمـيـلَ لِذاتِهِ

يُــضـفـي عَـلَيـكَ اللَهُ ثَـوبَ نَـعـيـمِهِ — وَاللَهُ لا تُــحــصــي ضُــروبَ هِـبـاتِهِ

قَـد كُـنتُ في الدُنيا هِزاراً صادِحاً — يَـشـجـي وَيُـسـلي النـاسَ في نَغَماتِهِ

فَــالآنَ كُــن بِـجَـلالِ رَبِّكـَ سـاجِـعـاً — وَالطــائِرُ المُــحــكــى فــي جَـنّـاتِهِ

البحر والقافية

القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.

تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

القافية: رويّها حرف التاء — قصائد أخرى على القافية نفسها.

معاني المفردات في القصيدة

معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):

  • بندب: ندب: النَّدَبَةُ: أَثَرُ الجُرْح إِذا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنِ الْجِلْدِ، وَالْجَمْعُ نَدَبٌ، وأَنْدابٌ ونُدُوبٌ: كِلَاهُمَا جَمْعُ الْجَمْعِ؛ وَقِيلَ: النَّدَبُ وَاحِدٌ، وَالْجَمْعُ أَنْدابٌ ونُدُوبٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ …
  • عاب: عَابَ يَعِيبُ عِبْ عَيْباً وعَاباً [عيب]:- الشيءُ: صارَ ذا عيبٍ، أي نقيصة أو وصمة أو شَيْن؛ عابَ الثوبُ. - الشيءَ: جعله ذا عيب / عابَ سلوكَه الطائش / عاب عليه نفاقَه. - ـه: نسبه إلى العيب.
  • فتق: فتق: الفَتْق: خِلَافَ الرَّتْق. فَتَقَهُ يَفْتُقُه ويَفْتِقُه فَتْقاً: شقه؛ قال: ترى جَوَابها بِالشَّحْمِ مَفْتُوقا إِنما أَراد مَفْتُوقَةً فأَوقع الْوَاحِدَ مَوْقِعَ الْجَمَاعَةِ. وفَتَّقهُ تَفْتِيقاً فانْفتَقَ وتَفَتَّ …

قصائد ذات صلة

  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة
  • قصيدة