أَحسَنُ ما فيهِ يُسرِحُ النَظَرَ
الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: المنسرح
هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 140 بيتًا. نُظمت على بحر المنسرح، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَحسَنُ ما فيهِ يُسرِحُ النَظَرَ ... وادٍ بِحَيثُ الأُردُنِّ يَنفَجِر
غارَت عَلَيهِ النُجودُ مِن شَغَفٍ ... فَالغورُ ما بَينَهُنَّ مُنحَصِرُ
قامَت عَلى الجانِبَينِ تَخفِرُهُ ... كَذَلِكَ الحُسنُ شَأنُهُ الخَفَرُ
مُبتَدِئُ الجَريَ في الشَمالِ لَدى ... شَيخٌ لَهُ الكِبرُ باتَ وَالكِبَرُ
هاوٍ إِلى المَوتِ في الجَنوبِ لَدى ... بَحرٌ وَلا كَالبِحارُ يَحتَضِرُ
وَمَــــن يَــــعُمُّ البَياضَ لِمَّتَهُ ... فَهَل سِوى المَوتَ باتَ يَنتَظِرُ
يا شَرقَ هُوَ نينٌ كَم لَدَيكَ جَرى ... مَعينٌ ماءَ حَصباؤُهُ دُرَرُ
الشَطرُ تَلُّ القاضي يُسَلسِلُهُ ... وَالشَطرُ مِن بانياسَ يَنحَدِرُ
وَالحاصِباني باتَ إِثرَها ... يَشتَدُّ في الجَريَ لَيسَ يَصطَبِرُ
يَملَأُ مِنها الأُردُنَّ بِركَتُهُ ... وَيَزدَهي مَرجَ حَولِهِ الخُضرُ
حَيثُ وَشيجُ اليَراعِ مُشتَبِكٌ ... كَأَنَّما الخَطُّ ثُمَّ وَالسَمُرُ
حَيثُ نُمُوَّ النَباتِ مُعجِزَةٌ ... كَأَنَّما سوقُ قَمحِهِ الشَجَرُ
وَالصَيدُ ما إِن يَزالُ عَن كَثِبٍ ... لا كِــــنَّ مِــــن دونِهِ وَلا قَــــتَــــرُ
بُحَيرَةٌ لَم يُرِم بِساحَتِها ... ضاقَ بِها أَن تَقِلُّهُ الصِغَرُ
يَــــمَّمــــَ أُخــــرى وَرامَ ثــــالِثَــــةً ... لَقَد تَرامَت بِهِ نَوى شُطرُ
أَمَّنـــ جَسَرَالنباتَ مَعبَرَهُ ... وَرُبَّمـــــا خـــــاضَ دونَهُ الجَــــسَــــرُ
حَتّى إِذا فاضَ مِن هُناكَ غَدَت ... أَرضَ البَطيحاءِ مِنهُ تَزدَهِرُ
أَرضٌ عَلَت ماؤُهُ مَناكِبَها ... وَباتَ مِنها في البَحرِ يَنفَغِرُ
أَقبِل يَرغى وَما بِهِ قَطَمٌ ... وَظَــــلَّ يَــــعدو وَما بِهِ بَطَرُ
حَتّى إِذا ما مِياهِهِ اِختَلَطَت ... بِهِ تَــــوَلّاهُ بَــــغــــتَــــةً سَــــكَــــرُ
مِن بَعدِ تِلكَ الحَياةُ باتَ بِهِ ... مَيتاً وَفي البَحرِ يَغرَقُ النَهرُ
بَحرُ الجَليلِ الَّذي شَواطِئُهُ ... في كُلِّ شَبرٍ مِن رَحبِها أَثَرُ
غَذا دِماءَ المَسيحِ مَورِدُهُ ... وَراقَهُ مِــــنــــهُ ريــــقُهُ النَضِرُ
وَبَــــــيــــــنَ أَمـــــواجِهِ وَأَربَـــــعَهُ ... كانَت تَجلى آياتِهِ الكِبَرُ
كَم فيهِ لِلكاتِبينَ مِن سَيرٍ ... وَكَم نَبيينَ فيهِ تُدَّكَرُ
عــــيسى حَوارِيُّهُ وَصَفوَتُهُ ... وَالناسُ مِن حَولٍ وَعظُهُ زُمَرُ
وَالصائِدونَ الأُلى لَهُ اِتَّبَعوا ... هَدى وَذاكَ الشِراعُ مُنتَشِرُ
وَكَفرٌ ناحومَ مَعَ عَجائِبِها ... وَمَن بِها آمَنوا وَمَن سَفَروا
وَالمُجدِلُ القَريَةَ الَّتي نَشَأَت ... مَريَمَ مِنها وَالطيبُ مُنتَشِرُ
وَالزُهدُ فيهِ الأَفراحُ قَد دَمَجَت ... وَالفَقرُ مَعَهُ البَيانُ وَالفَقرُ
وَالخُبزُ تَقرى الأُلوفُ كَسَرتَهُ ... وَالمَشيُ فَوقَ المِياهِ مُشتَهِرُ
وَالقَولُ هَذي الفَتاةُ نائِمَةٌ ... وَالبِكرُ عَزريلُ نَحوَها بَكَرُ
وَكَم نَبَت بِالسَفينِ عاصِفَةً ... وَظَنَّ أَنَّ الرِكابَ قَد غَبَروا
فَسَكَنَ البَحرَ وَهوَ مُضَّطَرِبٌ ... مِن بَعدِ ما اِستَصرَخوا وَما جَأَروا
سَجا بِإيماءَةٍ لَهُ وَنَجا ... مِن حَملَتِهِ الأَلواحُ وَالدَسَرُ
في ضِفَّتي هَذِهِ البُحَيرَةَ لَو ... تُبحِرُ الفِكرُ حارَتِ الفِكرُ
كَم خَبَأَ الدَهرُ في جَوانِبِها ... وَكَم رَمى فَوقَ مَوجِها القَدَرُ
ما الأَبحُرُ السَبعُ مِن نَتائِجِها ... ما الرومُ ما الهِندُ ثُمَّ ما الخَزَرُ
وَقَومُ موسى لَهُم بِساحَتِها ... مَـــــركَـــــعٌ صَــــدَقَ وَأَدمــــع غَــــزَرُ
في طَبَرِيّا مَواقِفٌ حَمَدَت ... وَأَرضُهــــا مُقَدَّسٌ وَمُغتَفَرُ
بِها رِجالُ التَلمودِ قَد سَكَنوا ... وَجُـــــلَّ آرائَهُـــــم بِهــــا زَبَــــروا
وَكَم نَبى في ذي البِلادِ قَفا ... موسى وَكَم مَرَّ هَهُنا الخَضرُ
يَكفيكَ ما في الأُردُنِّ مِن عَبَرٍ ... نَهرٌ عَلَيهِ آباؤُهُم عَبَروا
وَإِن يَــــحــــيى عَلى شَواطِئِهِ ... بَينَ يَدَيهِ الأَنامِ تَطَهَّرُ
ما القَنجُ ما النَيلُ في جَوانِبِهِ ... ما دِجلَةَ ما الفُراتُ يُعتَبَرُ
وَالغورُ بَينَ البَحرَينِ مُنبَسِطٌ ... تُسرِحُ فيهِ الجَآذِرُ العُفرُ
لَو طَبَّقَتهُ أَيدي الوَرى عَمَلاً ... عضلى فِلَسطينَ فاضَتِ المِيَرُ
قَد كانَ وَالماءُ غابِراً شَرَعا ... وَالآنَ ما إِن يَكادُ يَنحَسِرُ
بُحَيرَةُ كُلِّ شَأنِها عَجَبُ ... وَهيَ مِنَ الحُسنِ كُلِّها غُرَرُ
لِلَهِ دَرُّ الكَـــــنَـــــدي واصِــــفُهــــا ... كَأَنَّها في نِهارِها قَمَرُ
كانَت تَحُفُّ الجِنانِ دَورَتَها ... وَالآنَ تَحتَفُّ دورَها السِدَرُ
مِرآةَ نورٍ مِنَ السُفوحِ لَها ... إِطارَ نورٍ لَم تَحكِهِ الأَطَرُ
كَأَنَّها في صَفائِها فَلَكُ ... وَفَلكُها فيهِ أَنجُمٌ زَهَرُ
أَجمَدَ بِقَومٍ رَأَوا مَحاسِنَها ... يَوماً فَما أَنشَدوا وَلا شَعَروا
عِندَ الشَمالِ الأُردِنِّ وارِدُها ... وَفــــي جَــــنــــوبِــــيَّها لَهُ صَدَرُ
شَريعَةٌ مِنَ مِياهِها ظَهَرَت ... وَقَــــد تَــــلَتها شَرائِعُ أُخَرُ
عَلَمُ عيسى هُنا شَريعَتَهُ ... وَقَومُ موسى تَوراتَهُم فَسَروا
وَفي حُروبِ الصَليبِ قَد رُفِعَت ... أَعلامُ دينِ الَّذي نِمتَ مُضَرُ
يا يَومَ حِطينَ كَم حَطَطَت مِنَ الإِ ... فرِنجِ شَأَناً ما كانَ يَنكَسِر
هَبّوا مِنَ الغَربِ كَالجَرادِ فَلَم ... يَــــكُــــن لِشَــــرقٍ بَــــردَهُم قُدَرُ
وَاِستَفتَحوا القُدسَ وَالبِلادِ وَلَم ... يَعصِ عَلَيهِم بَدوٌ وَلا حَضَرُ
وَهَدَّدوا المَسجِدَ الحَرامِ وَكَم ... دَعا مَلَبٍ فيهِ وَمُعتَمِرُ
وَكادَ يَبكي الميزانَ فيهِ دَماً ... وَرَقَّ مِمّا أَصابَنا الحَجَرُ
وَنابِتُ المُسلِمينَ داهِيَةً ... دَهماءَ قَد عَمَّهُم بِها الذُعرُ
فَــــكُــــلُّ كَــــفٍّ أَصــــابَهــــا شَــــلَلُ ... وَكَــــــم عَــــــزَمَ أَصــــــابَهُ خــــــورُ
وَكُلُّ جَمعٍ ناواهُم اِنقَلَبَت ... فُرسانُهُ وَهيَ لِلظَبيِ جُزُرُ
وَحـــــوصِـــــرَت جَـــــلَّقٌ وَلَو أَخَـــــذَت ... لَم تَبقَ مُدنٌ لَنا وَلا مَدَرُ
وَقيلَ دارُ الإِسلامِ قَد حَصَرَت ... وَحَفَّ باقي بِلادِهِ الخَطَرُ
ما زالَ مِلءَ القُلوبِ رُعبَهُم ... وَلَم يَكُن نافِعاً لَها الحَذَرُ
حَتّى تَوَلّى زَنكي فَنازَلَهُم ... وَكــــانَ مِــــن شــــيركو لَهُ وَزرُ
طَليعَةَ النَصرِ في وِلايَةِ نو ... رِ الدينِ مَلِكٌ بِالعَدلِ يَأتَزِرُ
مُجاهِدٌ ماهِدٌ بِخُطبَتِهِ ... في الفَتحِ وَالعَدلِ سارَت السِيَرُ
تُقِرُّ عَينَ النَبِيِّ سيرَتُهُ ... وَيَرتَضي مِثلَ هَديِهِ عُمَرُ
ثُمَّ اِبنُ أَيّوبٍ جاءَهُ خَلَفا ... وَلَيــــــــسَ إِلّا سُـــــــروجِهِ سُـــــــرَرُ
مَهَّدَ دارَ المَعزِ فَاِنقَلَبَت ... بِيوسُفَ مِصرَ وَهيَ تَفتَخِرُ
لَمّا سَتقامَت لَهُ الأُمورَ وَلَم ... يَبقَ رَقيبٌ وَاِنجابَت الغُمَرُ
أَقبَلَ في جَحفَلٍ لَهُ لَجَبُ ... يَطلُبُ ثَأرَ الدينِ الَّذي وَتَروا
بِفِتيَةٍ سُمرُهُم إِذا عَشِقوا ... سُمرُ صِعادٍ وَبيضُهُم بَتَرُ
غَيرَ طِعانِ النُحورِ ما عَرَفوا ... وَغَيرَ جَردِ الخُيولِ ما زَجَروا
أَناخَ في شاطِئِ البُحَيرَةِ إِذ ... إِلَيهِ عَن كُلِّ ناجِذٍ كَشَروا
فَــــقــــامَ مِــــن أَرضِهِ لِصَــــدمِهِــــم ... في السَهلِ مِن لوبِياءَ وَاِشتَجَروا
يَومَ تَلاقى الجَمعانِ وَالتَظَّت ال ... هَيجاءُ حَتّى كَأَنَّها سَقَرُ
يَومَ تَلاقى الجَمعانِ وَاِنتَصَبَ ال ... ميزانُ رَهنَ اِنحِرافِهِ الظَفَرُ
الشَرقُ وَالغَربُ بَعدَ طولِ وَغى ... تَواقَفا وَالبِرازُ مُختَصَرُ
ثَلاثَةً وَالنِزالُ بِينَهُما ... نِزالٌ مِن بَعدِ يَومِهِ العُصَرُ
فَأَمطَرَتهُم قَسِيُّ جَيشِ صَلا ... حِ الدينِ نُبلاً مِن دونِهِ المَطَرُ
وَدَوا وَقَد أَبصَروهُ عارِضَهُم ... لَو سَتَرتُهُم مشن دونِهِ حَفَرُ
كَأَنَّما قَوماً وَقَد وَثَبوا ... زَعــــازِعٌ لِلغُــــصــــونِ تَهــــتَصِرُ
ذاقَ العِدا مِن سُلافِ طَعنِهِم ... كَأساً بِغَيرِ العَنقودِ تَختَمِرُ
لَمّا بَدا الأَمرُ غَيرَ ما حَسَبوا ... وَالناسُ مِن فَوقِ صَبرِهِم صَبَروا
وَلَوا ظَبى يوسُفَ ظُهورَهُم ... تَأخُذُ مِنها فَوقَ الَّذي تَذَرُ
ضَياغِمَ أَجفَلوا وَقَد نَظَروا ... حُمرَ المَنايا كَأَنَّهُم حُمرُ
وَأَدبَــــرَ القُمصَ مَعَ فَوارِسِهِ ... ما غَرَّهُ مِثلَ غَيرِهِ الغُرَرُ
لا عَجَبَ أَن نَجا وَحيطَ بِهِ ... عادَةً ذي الأَرضِ نَشَرَ مِن قَبروا
مالوا لِحِطّينَ طالِبينَ نَجا ... فَلَم يَفِدهُم ضَلعٌ وَلا دَبَرُ
وَأَسفَرَ السَبتَ عِن هَزيمَتِهِم ... وَأَصبَحَ المُلكُ ضِمنَ مَن أُسِروا
وَفَوقَ ذاكَ الصَعيدِ نائِمَهُم ... كَأَنَّهُ النَخلُ وَهوَ مُنقَعِرُ
وَالهَيكَلِيّونَ مِن قَساوِرِهِم ... لَم يَبقَ إِلّا هَياكِلَ دَثِرُ
لَم يَجبَنوا ساعَةً وَإِن خَذِلوا ... وَإِنَّمــــا اللَيــــثُ دونَهُ النَمِرُ
في حَضرَةٍ مِن شُعَيبٍ قَ شَعَبوا ... كَـــــذا لَهُـــــم عَــــن مِــــزارِهِ زورُ
فَأُزلِفوا نَحوَ يوسُفَ خَضَعاً ... رِقابَهُم ناكِساً لَهُم بَصَرُ
تُــــرهِقَهُم ذِلَّةً وَتَحسَبُهُم ... قَوماً سُكارى كَأَنَّهُم حُشِروا
يوسُفَ عَصرٍ صَلاحُ مَملَكَةٍ ... بِــــكُلِّ أَمرٍ لِلبِرِّ مُؤتَمَرُ
أَصبَحَ مُستَحيِياً دِماءَهُم ... حَـــــيـــــاؤُهُ والخَــــلائِقُ الزُهــــرُ
أَبى عَلَيهِ الأَباءُ مَصرَعَهُم ... وَعَــــفَّ إِذ عَــــفَّ وَهوَ مُقتَدِرُ
عَفواً بِهِ عَمَّهُم وَأَخرَجَ مِن ... بِنكَثِهِ السَهلُ ضاقَ وَالوَعرُ
وَفــــي بِــــأَرناطَ نَذرُهُ بيدٌ ... إِذ طالَما لَم تَحكِ بِهِ النَذرُ
وَقــــــالَ إِذ تَــــــلَّهُ بِـــــصـــــارِمِهِ ... ها أَنا ذا لِلنَبِيِّ أَنتَصِرُ
أَزوَجَ بَينَ التَهليلِ مُهجَتَهُ ... مَخضوبَةً صارِماً هُوَ الذِكرُ
فَأَصبَحَ المُلكُ وَهوَ مُرتَجِفٌ ... ما شَكَّ أَنَّ بِالحُسامِ يَبتَدِرُ
أَبصَرَ جِسمَ البِرِنسَ مُنعَفِراً ... فَقالَ إِثرَ البِرِنسِ أَقتَفِرُ
فَأَفرَخَ الرَوعُ مِنهُ ساعَةً إِذ ... بُــــشِّرَ أَن لَن يُــــصــــيــــبِهُ ضَــــرَرُ
عوقِبَ بِالأَسرِ موقِنٌ بَردي ... وَجَلَّ مُلكاً مَعَ العَمى العورُ
قاصِمَةَ الظَهرِ لِلفِرِنجِ غَدَت ... وَقعَةَ قَرنى حِطينَ مُذ ظَهَروا
كَأَن عَليا حَطينَ مُبتَدَأٌ ... وَكُلُّ فَتحٍ مِن بَعدِها خَبَرُ
حَظُّ اِبنِ أَيّوبَ أَن يَفوزَ بِها ... وَاللَهُ مِــــــن خَــــــلقِهِ لَهُ أُثــــــرُ
وَحَــــظُّ جَيشٍ لِيَ النِداءُ غَدَت ... في اللَوحِ مَكتوبَةٌ لَهُ الأَجرُ
قَومٌ أَراحوا الأَقوامَ إِذ تَعِبوا ... وَقَد أَناموا الأَنامَ إِذ سَهِروا
بِهِم جُدودَ الإِسلامِ قَد صَعِدَت ... مِن بَعدِ ما كانَ أَهلُهُ عَثَروا
وَلِاِبنِ شاذي ذِكرُ شَذاهُ سَرى ... في كُلِّ قَطرٍ كَأَنَّهُ القَطرُ
قامَ بِوَجهِ الفِرِنجِ مُنفَرِداً ... وَالقَومُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ جَمَروا
حَتّى اِستَرَدَّ البِلادَ أَكثَرَها ... وَأَصبَحُ القُدسُ دانٍ وَالصَخرُ
كانَت مِئتُ الحُصونِ تَعصِمُهُم ... مَنيعَةً إِذ ثُغورَنا ثَغرُ
مِن كُلِّ حِصنٍ أَماطَ عَرَّتُهُم ... بِالسَيفِ لَم يَمشِ نَحوَهُم خَمرُ
وَاِستَعصَمَت صورٌ في مَعاقِلِها ... وَكُــــــلُّ طَــــــرفٍ بِهِ لَهـــــا صُـــــوَرُ
مَن فَرَطَ ما عَمَّهُم بِرَأفَتِهِ ... وَفَلتِهِ فَلَهُم وَقَد كَثَروا
فَاِمتَنَعوا كُلُّهُم بِعَقوَتِها ... فَهيَ لَهُم مَلجَاٌ وَمُعتَصِرُ
إِن عيبَ بِالحِلمِ وَالوَفا بَطَلٌ ... فَإِنَّهُ خَيرُ ما هَفا البَشَرُ
ما شانَ طولُ الأَنّاةِ في رَجُلٍ ... إِن لَم يَكُن شانَ باعَهُ القِصَرُ
قَد كانَ في رِقَّةٍ وَفي جَلَدٍ ... كَالسَيفِ في ماءٍ حَدُّهُ الشَرَرُ
جَمرَةَ بِأسٍ ما شابَها وَهَل ... غَمرَةَ حِلمٍ ما شابَها كَدَرُ
ما كانَ يَدري مِنَ الوَغى ضَجَراً ... وَالكُلُّ في الجانِبَينِ قَد ضَجَروا
حَتّى يَميطَ العُوارُ أَجمَعُهُ ... ما هانَ مِن كُلِّ هَمِّهِ العُسرُ
أَمَّنــ دارَ الإِسلامِ بَعدَ عَنا ... كَــــــذَلِكَ الشُهـــــدُ دونَهُ الإِبَـــــرُ
لَم يُلهِهِ عَن ثُغورِ مَملَكَةٍ ... ثَــــغَــــرَ وَلا نــــاظِــــرٌ بِهِ حــــورُ
وَكــــانَ مِن حُرمَةِ العَدُوِّ لَهُ ... أَنَّ ذِكرُهُ في بِلادِهِم عَطِرُ
تَغدو عِظامُ المُلوكِ واقِفَةً ... بِــــبابِهِ وَهوَ أَعظَمُ نَخرُ
وَيَنحَني حاسِراً بِتُربَتِهِ ... رَأسٌ بِأَعلى التيجانِ مُعتَجِرُ
وَالفَضلُ يَحيا مِن بَعدِ صاحِبِهِ ... وَالذِكرُ يَبقى وَلَو عُدتَ غَيرُ
وَنَحنُ مِن بَعدِ كُلِّ ذاكَ وَذا ... لَم يَبقَ إِلّا الحَديثُ وَالسَمَرُ
البحر والقافية
القصيدة على بحر المنسرح. بحر قليل الاستعمال، سُمّي منسرحًا لانسراحه أي سهولته على اللسان.
تفعيلاته: مستفعلن مفعولاتُ مستفعلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- الجانبين: جأنب: التَّهْذِيبِ فِي الرُّبَاعِيِّ عَنِ اللَّيْثِ: رَجُلٌ جَأْنَبٌ: قصِيرٌ. (لسان العرب)
- الجري: (جَرَيَ) الْجِيمُ وَالرَّاءُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ انْسِيَاحُ الشَّيْءِ. يُقَالُ جَرَى الْمَاءُ يَجْرِي جَرْيَةً وَجَرْيًا وَجَرَيَانًا. وَيُقَالُ لِلْعَادَةِ الًإِجْرِيَّا، وَذَلِكَ أَنَّهُ الْوَجْهُ الَّذِي … (مقاييس اللغة)
- الخفر: خفر: الخَفَرُ، بِالتَّحْرِيكِ: شِدَّةُ الْحَيَاءِ؛ تَقُولُ مِنْهُ: خَفِرَ، بِالْكَسْرِ، وخَفِرَتِ المرأَةُ خَفَراً وخَفارَةً، الأَخيرة عَنِ ابْنِ الأَعرابي، فَهِيَ خَفِرَةٌ، عَلَى الْفِعْلِ، ومُتَخَفِّرَةٌ وخَفِيرٌ مِنْ … (لسان العرب)
- الشطر: شطر: الشَّطْرُ: نِصْفُ الشيء، والجمع أَشْطُرٌ وشُطُورٌ. وشَطَرْتُه: جعلته نصفين. وفي المثل: أَحْلُبُ حَلَباً لكَ شَطْرُه. وشاطَرَه مالَهُ: ناصَفَهُ، وفي المحكم: أَمْسَكَ شَطْرَهُ وأَعطاه شَطْره الآخر. وسئل مالك بن أَنس: … (لسان العرب)
- القاضي: قضي: القَضاء: الحُكْم، وأَصله قَضايٌ لأَنه من قَضَيْت، إِلا أَنَّ الياء لما جاءت بعد الأَلف همزت؛ قال ابن بري: صوابه بعد الأَلف الزائدة طرفاً همزت، والجمع الأَقْضِيةُ، والقَضِيَّةُ مثله، والجمع القَضايا على فَعالَى وأَصل … (لسان العرب)
- النجود: نجد: النَّجْدُ مِنَ الأَرض: قِفافُها وصَلَابَتُها[[. قوله [قفافها وصلابتها] كذا في الأصل ومعجم ياقوت أَيضاً والذي لأبي الفداء في تقويم البلدان قفافها وصلابها.]] وَمَا غَلُظَ مِنْهَا وأَشرَفَ وارتَفَعَ واستَوى، وَالْجَمْع … (لسان العرب)
- بينهن: بين: البَيْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ جَاءَ عَلَى وجْهَين: يَكُونُ البَينُ الفُرْقةَ، وَيَكُونُ الوَصْلَ، بانَ يَبِينُ بَيْناً وبَيْنُونةً، وَهُوَ مِنَ الأَضداد؛ وشاهدُ البَين الوَصل قَوْلُ الشَّاعِرِ: لَقَدْ فَرَّقَ الواش … (لسان العرب)