قَـد عِـشتَ فَذّاً في الرِجالِ فَريداً
الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: الكامل · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 29 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف الدال، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
قَـد عِـشتَ فَذّاً في الرِجالِ فَريداً — فَـقَـضَـيـتَ فَذا في البِلادِ فَريدا
جــاهَـدتَ عُـمـرَكَ ثُـمَّ مُـتَّ مُـغَـرَّبـاً — فَـغَـدَوتَ مِـن كُـلِّ الجِهـاتِ شَهـيدا
كـانَـت حَـيـاتُكَ حِفظَ مِصرَ لِأَهلِها — مـا غَـيـرَ ذَلِكَ مَـطـلَبـاً مَـنـشودا
جـاهَـدتَ نِصفَ العُمرِ في أَرجائِها — عِـلمـاً وَنِصفاً في الغُروبِ شَريدا
لِلَهِ وَفَّيـــتَ الأَمـــانَــةَ حَــقَّهــا — وَبَـذَلتَ فـيـهـا طـارِفـاً وَتَـليـدا
وَأَذَبـتَ فـي حَـسَـراتِها كَبِداً بِها — أَودَيـتَ تَـحـرِقُ مِـن ذَويـكَ كَـبودا
لَم تَـدَّخِـر فـي حُـبِّ مِـصـرَ وَأَهلِها — وَسـعـاً وَ لا جُهـداً هُـناكَ جَهيدا
مـا عَـزَّ عِـنـدَكَ أَن تَرَكتَ لِأَجلِها — وَطَـنـاً وَقَـصـراً كَـالسَـديرِ مَشيدا
وَلَذائِذاً وَنَــفــائِســاً أَورَثـتُهـا — عَــنــهـا صَـرَفَـت وَعَـيِّلـاً وَوَليـدا
غـادَرتُهُ طِـفـلاً وَطـالَ بِكَ النَوى — فَــحَـرَمـتُ مَـنـظَـرَهُ وَصـارَ رَشـيـدا
لِخَـلاصِ مِـصـرَ قَـدَ تَـرَكـتُ مَـآثِـراً — بـيـضـاً سَهِـرَت لَهـا لَيـالي سودا
كُـنـتُ المُـتَـيَّمـُ وَالعَـميدُ بِحُبِّها — فَـلِذا لَفَـتَـيـتُهـا غَـدَوتُ عَـمـيدا
كَــم خَـطَـأوكَ وَعـانَـدوكَ وَكُـلَّ مَـن — يَـفـري فَـرَيُّكـَ لَم يَـزَل مَـحـسـودا
حَـتّـى تَـمَـخَّضـَتِ السُـنـونُ حَـقائِقاً — خَــرّوا لَدَيــهــا رُكَّعــاً وَسُـجـودا
عَـلِمـوا بِـأَنَّكـَ لَم تَـكُـن مُتَهَوِّراً — بَـل كُـنـتَ تَـنظُرُ مُذ نَظَرتَ بَعيدا
عَمَدوا لِرَأيِكَ فَاِنقَلَبَت وَتِلكَ مِن — نِــعَــمِ الإِلَهِ مُــؤَيَّداً تَــأيـيـدا
لَم تَــحــتَـضِـر إِلّا وَمِـصـرَ كُـلُّهـا — لِنَـظـيـرِ صُـنـعِـكَ تَـسـتَـحِـثُّ وَفودا
فَـلَشَـدَّ مـا قَـرَّت عُـيـونَـكَ عِـندَما — حَـفَّ الجَـمـيـعُ لِواءَكَ المَـعـقودا
فَاِنظُر إِلى مِصرَ العَزيزَةَ بَعضَها — مِـثـلَ البـريـمِ بِـبَـعضِها مَشدودا
تَـمـشـي إِلى التَـحريرِ لا هَيابَةً — خَطَراً وَلا المَوتَ الزُؤامِ مُبيدا
صـارَت جَـمـيـعـاً دَنـشَـوايَ وَإِنَّمـا — صـارَ الأَنـامُ عَنِ الحِمامِ مَصيدا
حـاشـا وَلَو جارَ القَوِيُّ وَلَو طَغى — أَحـرارَ مِـصـرَ أَن تَـكـونَ عَـبـيـدا
مَهـمـا اِستَعَزَّ الغالِبونَ بِجُندِهِم — فَــالحَــقُّ أَعــظَــمُ قُــوَّةً وَجُـنـودا
قَـد أَقـبَـلَ الزَمَـنُ الَّذي أَبناؤُهُ — لا يَــحـمِـلونَ سَـلاسِـلاً وَقُـيـودا
ثُـمَّ يـا فَـريـدَ عَـلى يَـقينِكَ أَنَّهُ — يَــومَ تَــأَذَّنَ بِــالخَـلاصِ عَـتـيـدا
لا بُــدَّ مِــن فَــرَجٍ قَـريـبٍ عِـنـدَهُ — مِــصـرَ تُـؤَمِّمـُ شَـخـصَـكَ المَـلحـودا
وَيُـبَـشِّرونَكَ بِالخَلاصِ إِلى الثَرى — أَن قُـم وَشـاهِـد يَـومَكَ المَوعودا
يَـبـقى مَعَ الأَهرامِ ذِكرَكَ ثابِتاً — وَيَـظَـلُّ قَـبـرُكَ مِـثـلَهـا مَـشـهـودا
وَهُـنـاكَ تَـنـقَـلِبُ المَـدامِـعُ قُـرَّةً — وَيَـعـودُ مَـأَتَـمُـكَ المُـفَـجِّعـُ عيدا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف الدال — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- تحرق: تَحَرَّقَ يَتَحَرَّقُ تَحَرُّقاً :- تِ النارُ: التهبت.- الشيءُ: أحرقتْه النار.-: تلهّف وتشوّق؛ تحرق إلى رؤية ابنه الغائب.
- ذويك: ذوي: ذَوَى العُودُ والبَقْلُ، بِالْفَتْحِ، يَذْوِي ذَيّاً وذُوِيّاً، كِلَاهُمَا: ذَبَلَ، فَهُوَ ذَاوٍ، وَهُوَ أَن لَا يُصِيبَه رِيُّه أَو يَضْرِبَه الحَرُّ فيَذْبُلَ ويَضْعُفَ، وأَذْوَاهُ العَطَشُ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: …