بِـــقِـــيَّةــَ مَــجــدٍ وُدِّعــتْ يَــومَ وُدّعــا
الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 57 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف العين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
بِـــقِـــيَّةــَ مَــجــدٍ وُدِّعــتْ يَــومَ وُدّعــا — وَآمــــالُ عِــــزٍّ آنَ أَن تَـــتَـــقَـــطَّعـــا
وَلَم تَــنــعَهُ الأَيّــامُ إِلّا وَأَدمَــجَــت — مِـنَ الشِـرقِ شَـطـراً فـي مُـنـيَـتِهِ مَـعـا
لَقَـد جـادَنـا نَـوءُ الزَمـانِ مَـصـائِبـاً — يَـلوحُ لَنـا أَنَّ مُـزنَهـا لَيـسَ مُـقَـطَّعـا
وَسُــبــحــانَ مَـن سـاقَ الرَدى بِـوُجـوهِهِ — فَـلَقـى لَعَـمـري الجَمعَ وَالفَردَ مَصرَعا
إِذا شَـنَّ جَـيشُ النَحسِ في القَومِ غارَةً — فَــمــا أَجــدَرُ الأَرزاءِ أَن تَـتَـنَـوَّعـا
وَمـا كُـنـتُ حَـتّـى اليَـومَ أَحسَبُ دَهرَنا — إِذا سـاءَ لا يَـرتـادُ لِلعُـذرِ مَـوضِـعا
أَلَم يَــكــفِهِ مـا غـالَ مِـن كُـلِّ غـايَـةٍ — وَأَفــسَــدَ مِــن مَـعـنـى وَعَـطَـلَ مَـرجِـعـا
وَضـــيـــقُ الخَــطــبِ وَليَــفــدَحَ الأَســى — وَتَــنــقَــلِبُ العُـليـا بِـمـارِنٍ أَجـدَعـا
أَجَـلَّ وَيُـجَـلّي الدَهـرُ النَوادِبُ عَبرَتي — عَــلَيَّ فــائَت وَليَـنـعَ دَهـرُكَ مَـن نَـعـى
فَهَــيــهــاتَ مــا إِن أَســطــارٍ لِفـاجِـعٍ — إِذا كـانَ مَـن أَودى الأَمينَ المُشَيَّعا
أَحِـبَّتـَنـا إِن قـيـلَ فـي الصَـبـرِ رُجلَةً — فَــإِنّــي فَــتـى أَبـغـي أَنـوحُ وَأجَـزَعـا
تَــرَكــتُ لَكُــم فَــضــلِ التَـصَـبُّرِ صَـبـرَةً — وَقُـلتُ لِطَـرفـي اليَـومَ لا تَألُ مَدمَعا
وَشَـعـشَـعَ كُـؤوسَ الدَمـعِ بِـالدَمِ ساقِياً — فَــكُــلُّ شَــرابٍ زيــنُهُ أَن يُــشَــعــشَـعـا
وَاِعــتَــدُّهــا نَــحـوَ الأَمـيـنِ خِـيـانَـةً — إِذا أَنــا لَم أَشــتَـفَّ كـاسَـكَ مَـتـرَعـا
فَـــمـــا كــانَ وُدّي لِلأَعِــزَّةِ ضــائِعــاً — وَمـا كـانَ قَلبي مِن أَخي الوُدِّ بَلقَعا
حَــمَــلتُ لَهُ بَــيــنَ الضُــلوعِ أَمــانَــةً — لَو اِحـتَـمَـلتُهـا الشَـمُّ مـالَت تَـصـدَعا
وَأَصـــفَـــيـــتُهُ مِـــنّــي إِخــاءَ لَو أَنَّهُ — أَعـارَ اللَيـالي صَـفـوَهُ رُقـنَ مَـشـرَعـا
وَمـا زِلتُ أَرعـاهُ عَـلى البُـعدِ صاحِباً — وَقَـبـلي نُـجـومُ الأُفـقِ مِـثلِيَ مَن رَعى
فَــإِن يَــكُ هَــذا التُــربُ غَــرَّبَ بَــدرَهُ — فَــلا زَهَــرَت تِـلكَ الكَـواكِـبُ مَـطـلَعـا
وَلا لَمَــعَـت تِـلكَ البُـروقُ وَقَـد خَـبَـت — بُـــروقُ أَمـــانٍ كُــنَّ بِــالأَمــسِ لَمَّعــا
أَمـا فـي دُجـى الخَـطـبِ المُـخَيِّمِ حاجِبٌ — لِكُــلِّ مُــنــيــرٍ أَن يُــضـيـءَ وَيَـسـطَـعـا
قَـضـى اليَـومَ مَـن راعَ البَـرِيَّةـَ رُزؤَهُ — وَلَيـــسَ يُـــراعُ النــاسُ إِلّا لِأَروَعــا
وَلَم يَــأتِ فـيـهِ المَـوتُ مَـصـرَعَ واحِـدٍ — وَلَكِــنَّهــُ كــانَ المَــصــارِعُ أَجــمَــعــا
أَصابَ الحِجى وَالعِلمَ وَالحَزمَ وَالمَضا — وَصَـدَّقَ المَـبـادي وَالذِمـامِ المُـمَـنَّعا
وَمــا بَــقِـيَـت فـي المَـكـرُمـاتِ سَـجِـيَّةً — وَلا خُــطَّةــً إِلّا ثَــوَت مَــعَهُ مَـضـجَـعـا
فَــلَو نَـفَـعَـت عِـنـدَ المَـنـونِ شَـفـاعَـةً — كَــفَــتــهُ فَــريـداتُ الخِـصـالِ مُـشَـفَّعـا
وَدافَــعَ عَــن حَــوبــائِهِ طَـيِّبـُ الثَـنـا — وَخَــلَّدَهُ لَو أَنَّ فــي الخُــلدِ مَـطـمَـعـا
وَلَكِـنـداعـي المَـوتِ لا يَـقـبَلُ الرُشى — وَأَنــفَــسَ مِــنـهُ لَيـسَ يَـلقـى وَأَرفَـعـا
تَــصَــيَّدَهُ عَــن ســاعِــدِ الغَــدرِ فَـجـأَةً — فَـكـانَ كَـرَجـعِ الطَـرفَ أَو كـانَ أَسرَعا
مُــصـابٌ لَهُ الأَقـطـارُ إِذ شـاعَ زَلزَلَت — فَــلا رُكــنٌ لِلعَــليـاءِ إِلّا تَـزَعـزَعـا
أَذَلَّ إِبــاءَ الدَمــعِ مِــن كُــلِّ جــامِــدٍ — فَــلَم يَــبــقَ عـاصٍ مِـنـهُ إِلّا تَـطَـوَّعـا
وَلَم أَرَ فــي الأَرزاءِ أَبــعَــدَ غــارَةٍ — وَلا مِـن قُـلوبِ الخَـلقِ أَقـرَبَ مَـوقِـعا
عَــشِــيَّةـَ لا فـي النـاسِ مـالِكُ عَـبـرَةٍ — وَلا زَفَـــراتِ الصَـــدرِ إِلّا تَــصَــنُّعــا
عَــشِــيَّةــَ آبِ النــاسِ سُــكــري وَإِنَّمــا — بِـمـا لَم يَكُن يَوماً لَهُ الكَرَمُ مَنبَعا
عَــشِــيَّةـَ لَم تُـبـقِ الفَـجـيـعَـةِ مُـسـكَـةً — وَلا حَــزَمَ لِلمَــحــزونِ إِلّا مُــضَــيَّعــا
عَـشِـيَّةـَ وارى النـاسَ شَـمـسـاً وَأَظـلَمَت — لَهـا الشَـمـسُ حَـتّـى لا تَـرُدَّ بِـيـوشَعا
وَقـيـلَ أَمـيـنُ المَـجـدِ تَـدُقُّ بِـأُخـتِهـا — وَكَــم شِــفَــةً بــاتَـت تُـجـاوِرُ أُصـبَـعـا
فَـإِن يَـكُ وادي النَـيـلِ أَشـعِـر فَـقـدَهُ — فَـلا جَـبَـلٌ فـي الشـامِ إِلّا تَـضَـعـضَعا
كَــريــمٌ بِهِ لَفــظَ الكَــريــمِ مُــقــصِــرٌ — إِذا قــيــلَ عَــن قَــومٍ كِــرامٍ تَـوَسُّعـا
تَــوَخّــى طَـريـقُ الخَـيـرِ مَـحَـضّـاً كَـأَنَّهُ — مِـنَ المَهـدِ حَـتّـى اللَحدِ جاءَ لِيَنفَعا
لَهُ خَـــــلقٌ سَهـــــلٌ وَنَــــفــــسٌ أَبِــــيَّةٌ — وَحَــسُـنَ خِـلالَ دَونِهـا الرَوضُ مِـمـرَعـا
وَأَقـــلامُ صِـــدقٍ راجِــعٌ فــي وَلائِهــا — لِأَكـتُـبَ مَـن أوتـي الكِـتـابَ وَأَبـرَعـا
وَمِــن بَــعـدِ عَـبـدِ اللَهِ كـانَ مُـؤَمَّلـاً — بِـأَن لَم يَـغِـب ذا الأَصـلُ إِلّا وَفَرَّعا
فَـمـا زالَ حَـتّـى أَتـبَـعَ الفَـرعَ أَصـلَهُ — زَمــانٌ لِتَــنــقــادَ الكِــرامَ تَـتـبَـعـا
وَمـا زالَ فَـقَـدَ البَـدرَ لِلناسِ موجِعا — وَفـي اللَيـلَةِ الدَهماءِ أَنكى وَأَوجَعا
فَـإِن تَـطـوِهِ أَيـدي المَـنـونِ فَما طَوى — كُــرورُ اللَيــالي ذِكــرُهُ المُـتَـضَـوِّعـا
وَإشـن تَـكُـنِ الأَكـفـانُ بـيضاً نَواصِعاً — فَــإِنَّ لَهُ مِــن أَبـيَـضِ الذِكـرِ أَنـصَـعـا
أَلا فـــي ذِمـــامِ اللَهِ سَـــيـــرَكَ إِنَّهُ — مُــسَــيَّرُ فَــتــى مــاضٍ أَغــذَ وَأَوضَــعــا
سَـــبَـــقَــت إِلى حَــوضٍ كَــأَنَّهــُ نــاهِــلٌ — عَــلى نَــكــظٍ خــافَ الزِحـامَ فَـأَهـرَعـا
وَنــازَلتَ قَــرنَ المَــوتِ لا مُــتَهَـيِّبـاً — وَحَــســبُــكَ أَلفــاظُ الشَهــادَةِ أَدرَعــا
أُنـاديـكَ لا راجـي الجَـوابَ فَقَد مَضى — وَيـا لَهـفَ قَـلبـي أَن أَقـولَ وَتَـسـمَـعا
أَخــلَفـتَ ثَـغـراً بَـعـدَ بُـعـدِكَ بـاسِـمـاً — وَطَــرفــاً تَـمَـنّـى أَن يَـنـامَ وَيَهـجَـعـا
وَلَو سـاكِـناتِ الأَيكطِ يَعمَلنَ مَن ثَوى — لِمــا نَــحــنُ إِلّا فــي رِثــائِكَ سَـجَّعـا
رَجَــونــاكَ لِلأَوطــانِ أَحــوَجَ مـا غَـدَت — إِلى مَــن يَــرقــيــهـا وَأَوحَـشَ أَربُـعـا
فَـلَم تَـسمَحِ الدُنيا وَلَم نَعلَمِ الوَفا — وَلَم تَـــرَ إِلّا أَن تَـــغَــرَّ وَتَــخــدَعــا
وَمــا هَــذِهِ الدارُ الَّتــي لِفِــنـائِهـا — يُـــشُّ وَيَهـــوى أَن يُــمــالَ وَيَــنــزَعــا
مَــتــاعٌ قَــليــلٌ ثُــمَّ مَــأوى لِحَــفــرَةٍ — فَـمـاذا عَـسـى الإِنـسـانُ أَن يَـتَـمَتَّعا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف العين — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- النحس: نحس: النَّحْسُ: الْجُهْدُ والضُّر. والنَّحْسُ: خِلَافُ السَّعْدِ مِنَ النُّجُومِ وَغَيْرِهَا، وَالْجَمْعُ أَنْحُسٌ ونُحوسٌ. وَيَوْمٌ ناحِسٌ ونَحْسٌ ونَحِسٌ ونَحِيسٌ مِنْ أَيام نَواحِس ونَحْساتٍ ونَحِساتٍ، مَنْ جَعَلَهُ ن …
- جادنا: الجَادُّ : فا. -: المنسوب إلى الجِدِّ؛ لاْ تكن في المهمَّات إِلاّ جادّاً.-: ضدّ الهازل.
- دهرنا: دهر: الدَّهْرُ: الأَمَدُ المَمْدُودُ، وَقِيلَ: الدَّهْرُ أَلف سَنَةٍ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الدَّهَر، بِفَتْحِ الْهَاءِ: فإِما أَن يَكُونَ الدَّهْرُ والدَّهَرُ لُغَتَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِليه الْبَصْرِيّ …