يا مَدمَعَيَّ اِكفِياني نارَ أَحزاني
الشاعر: شكيب أرسلان · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة حزينة
هذه القصيدة من شعر شكيب أرسلان، من العصر الحديث، وتقع في 42 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون، وغرضها قصيدة حزينة.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا مَدمَعَيَّ اِكفِياني نارَ أَحزاني ... إِنّي عَهِدتُكُما مِن خَيرِ أَعواني
نارٌ تَأَجُج في قَلبي فَهَل لَكُما ... أَن تُطفِئاها بِتَسكابٍ وَتَهتانِ
إِن لَم يَكُنِ اليَومِ لي رَنّاتٌ ثاكِلَةٌ ... فَأَيُّ يَومٍ لَهُ وَجدي وَتَحناني
أَقضي اللَيالي لا أَحظى بِطَيفٍ كَرى ... مُوَزَّعاً بَينَ حَيرانٍ وَحَرّانِ
ما لي بِغَيرُ كُؤوسِ الدَمعِ مُغتَبِقٌ ... وَلَيسَ غَيرَ نُجومِ اللَيلِ نَدماني
تَأبى المُروءَةُ قَلباً غَيرَ مُتَّقِدٍ ... عَلى حَبيبٍ وَطَرفاً غَيرَ رَيّانِ
لا بَوَّأَتني المَعالي مَتنَ صَهوَتِها ... إشن كانَ لَم يُصمِ قَلبي فَقَد خَلاني
وَلَيسَ كُلُّ أَخٍ تَأتي مُنيَتُهُ ... عَــــلى رُؤوسِ ذَويهِ دَكَّ بُنيانِ
أَنّا فَقَدناكَ يا عَبدَ السَلامِ لَدنَ ... كُنتَ المُرَجى لِأَوطارٍ وَأَوطانِ
وَكُنتَ رُكناً لَها إِنَّ أُمَّةً لَجَأَت ... مِنَ الوَرى لِأَساطينِ وَأَركانِ
الباهِرُ الخَصلُ يَعيى مَن يُسابِقُهُ ... وَالقاتِلُ الفَصلُ عَن عِلمٍ وَبُرهانِ
يَرمي بِكُلِّ مُراشٍ مَن كَنائِنِهِ ... عَن كُلِّ قَوسٍ مِنَ التَفكيرِ مُرنانِ
كانَت مَحامِدُهُ شَتّى نُقولٌ لَها ... سُبحانَ ناظِمِها في سَلكِ إِنسانِ
مُهَذَّبُ الخَلقِ في صَوفٍ وَفي كَدَرِ ... وَناصِحُ الوُدِّ في سِرٍّ وَإِعلانِ
مَناقِبٌ سَنَّمَتهُ ذَروَةٌ قَعَسَت ... وَمــــا أَقَرَّت لِأَقرانٍ بِإِقرانِ
بَصيرَةٌ تَستَشِفُّ الغَيبَ أَغمَضَهُ ... وَهِمَّةً تَقرِنُ العالي إِلى الداني
كانَت لَهُ في هَوى الإِسلامِ صارِخَةً ... المَوتُ في سُبُلُها وَالعَيشُ سِيّانِ
وَعِزَّةُ العَرَرِ العَرباءِ مالِئَةٌ ... عُــــروقَهُ مِلءَ أَنداءٍ لِأَغصانِ
أَخي الَّذي كُنتُ أَرجوهُ عَلى ثِقَةٍ ... إِذا تَــــشــــابَهَ إِخــــوانٌ بِخَوّانِ
يَمضي إِلى المَجدِ إِذ يَمضي بِلا مَلَلٍ ... وَلا يُبالي بِأَحقادٍ وَأَضغانِ
ما كانَ يَثنيهِ عَن عَلياءٍ يَقصِدُها ... ثانٍ وَلا يَرتَضي في السَبقِ بِالثاني
إِن صَوَّبَت نَحوَهُ الأَعداءُ أَسهُمَها ... فَالمَجدُ وَالسِلمُ في الدُنيا نَقيضانِ
إِن شِئتَ تَعلَمُ شَأوَ المَرءِ في شَرَفٍ ... قِسهُ بِما هاجَ مِن بَغِيٍّ وَعُدوانِ
إِنَّ الحَقيقَةَ مِثلَ الشَمسِ آبِيَةٍ ... إِلّا التَجَلّي لِقَومٍ غَيرَ عِميانِ
تَتَعتَعَ المَغرِبُ الأَقصى لِمَصرَعِهِ ... فَلا تَرى مِن بَنيهِ غَيرَ سَكرانِ
كَأَنَّما كُلُّ ما في الغَربِ مِن مَهجٍ ... تَجَمَّعَت وَغَدَت في وَسَطِ تَطوانِ
قَد كُنتُ آمُلُ أَن نَحيا مُعاصَرَةً ... مَديدَ عُمرٍ وَأَلقاهُ وَيَلقاني
أَدعو لَهُ في جِناني كُلَّما اِنفَرَدَت ... نَفسي بِنَجوى وَأَرعاهُ وَيَرعاني
فَخَيَّبَ البَينُ ما قَد كُنتُ آمُلُهُ ... وَكَم أَرَتني اللَيالي ضِدَّ حِسباني
خُذ في حَياتِكَ ما تَشتاقُ مِن نِعَمٍ ... وَخُذ بِمِقدارِهِ تَهمامَ وَجدانِ
وَاِعلَم فَما صادَفَت عَيناكَ في زَمَنٍ ... مِن قُرَّةٍ فَهيَ يَوماً قَرحُ أَجفانِ
لَم تَحلُ لي مِن زَماني لَحظَةٌ عَذَّبتُ ... إِلّا أَمَّرتَ وَحــــاكَــــت وَقعَ مُرّانِ
وَلا تُـــــــــوَفِّر لي حَـــــــــظٌّ أَلَذُّ بِهِ ... إِذا تَضَمَّنَ أَشجاني وَأَشجاني
يا راحِلاً فَجِعَ الإِسلامُ أَجمَعُهُ ... فَالشَرقُ في نُدبِهِ وَالغَربُ صَنوانِ
وَمُسلِماً بَطَلاً كانَت حَمِيَّتُهُ ... تَملَأُ الفَجاجَ بِإِسلامٍ وَإيمانِ
بُدِّلَت مِن هَذِهِ الدُنيا سَماءُ عُلاً ... فَاِبشِر أَمُستَبدِلُ الباقي مِنَ الفاني
شَقَيتُ في دارِكَ الدُنيا في حَيرَتِها ... فَاِسعَد مِنَ المَلَأِ الأَعلى بِجيرانِ
أَثواكَ رَبُّكَ في أَفياءِ جَنَّتِهِ ... مُمَتَّعُ الروحِ في رَوحٍ وَرَيحانِ
وَجادَ تُربٌ ضَريحٌ أَنتَ ساكِنُهُ ... بِكُلِّ أَوطَفٍ داني الهُدبِ حَنانِ
وَأَورَثَ اللَهُ مَن أَنجَبَت مِن وَلَدٍ ... خِلالَكَ الغُرُّ هَذا خَيرُ سَلوانِ
فَاِذهَب عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ ما طَلَعَت ... شَمسٌ وَناحَ حَمامٌ فَوقَ أَفنانِ
يَقِلُّ بَعدَكَ مَدفوناً فَجِعتُ بِهِ ... إِن أُستطارُ عَلى ضَعفي لِحَدَثانِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بتسكاب: سكب: السَّكْبُ: صَبُّ الماءِ. سَكَبَ الماءَ والدَّمْعَ ونحوَهما يَسْكُبُه سَكْباً وتَسْكاباً، فسَكَبَ وانْسَكَبَ: صَبَّه فانْصَبَّ. وسَكَبَ الماءُ بنفسِه سُكوباً، وتَسْكاباً، وانْسَكَبَ بِمَعْنًى. وأَهلُ الْمَدِينَةِ يَق … (لسان العرب)
- بطيف: طيف: طَيْفُ الْخَيَالِ: مَجِيئُهُ فِي النَّوْمِ؛ قَالَ أُمية بْنُ أَبي عَائِذٍ: أَلا يَا لَقَوْمِي لِطَيْفِ الخيالِ، ... أَرَّقَ مِنْ نازِحٍ ذِي دَلال وطافَ الخَيالُ يَطِيفُ طَيْفاً ومطَافاً: أَلَمَّ فِي النَّوْمِ؛ قَالَ … (لسان العرب)
- رنات: رنأ: الرَّنْءُ: الصَّوت. رَنَأَ يَرْنَأُ رَنْأً. قَالَ الْكُمَيْتُ يَصِفُ السَّهْمَ: يُرِيدُ أَهْزَعَ حَنَّاناً، يُعَلِّلهُ ... عِنْدَ الإِدامة، حَتَّى يَرْنَأَ الطرَبُ الأَهْزَعُ: السهمُ. وحَنَّانٌ: مُصَوِّتٌ، والطَّرَب … (لسان العرب)
- صهوتها: (صَهَوَ) الصَّادُ وَالْهَاءُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أُصَيْلٌ يَدُلُّ عَلَى عُلُوٍّ. مِنْ ذَلِكَ الصَّهْوَةُ، وَهُوَ مَقْعَدُ الْفَارِسِ مِنْ ظَهْرِ الْفَرَسِ. وَالصَّهَوَاتُ: أَعَالِي الرَّوَابِي، رُبَّمَا اتُّخِذَتْ ف … (مقاييس اللغة)
- عهدتكما: عهد: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا أَدري مَا الْعَهْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: العَهْدُ كُلُّ مَا عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكلُّ مَا ب … (لسان العرب)
- لكما: كمأ: الكَمْأَةُ وَاحِدُهَا كَمءٌ عَلَى غيرِ قِيَاسٍ، وَهُوَ مِنَ النوادِرِ. فإنَّ القِياسَ العَكْسُ. الكَمْءُ: نَبات يُنَقِّضُ الأَرضَ فَيَخْرُجُ كَمَا يَخرج الفُطْرُ، وَالْجَمْعُ أَكْمُؤٌ وكَمْأَةٌ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: … (لسان العرب)
- متقد: تقد: ابْنُ سِيدَهْ: التِّقْدَةُ، بِكَسْرِ التَّاءِ، والتَّقْدَةُ؛ الأَخيرة عَنِ الْهَرَوِيِّ: الكُسْبَرَةُ. وَالتَّقْدَةُ: الكَرَوْياءُ؛ وَفِي حَدِيثِ عَطَاءٍ: وَذَكَرَ الْحُبُوبَ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الصَّدَقَةُ وَعَدّ … (لسان العرب)