شـراً يـرى النـاس أم خـيراً يلاقونا
الشاعر: أحمد الكاشف · البحر: البسيط
هذه القصيدة من شعر أحمد الكاشف، من العصر الحديث، وتقع في 105 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف النون.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
شـراً يـرى النـاس أم خـيراً يلاقونا — وغــافــلون هــمُ أم مــســتــفـيـقـونـا
أمـضـى عـلى الصـلح قـوم يـعبثون به — وقـد نـأى عـنـه قـوم غـيـر مـمـضـينا
تــنــفــس الصــعـداء اليـوم بـعـضـهـمُ — ولم يــزل بـعـضـهـم أسـوان مـحـزونـا
هـل يـعـرف الدهـر حرباً كالتي شملت — تـلك الثـمـانـيَ يـتـلوهـا ثـمـانـونا
صــنــاعــة هــي يـعـتـز المـلوك بـهـا — عـلى العـبـاد الأذلاء المـطـيـعينا
أم كــانـت المـرض المـوروث فـي دول — أعـيـت طـبـائعـهـا السودُ المداوينا
مــا كـان أكـبـر آثـام الأنـام ومـا — أزكـى وأغـلى الضـحـايا والقرابينا
أيــن الأســرة والتــيـجـان أسـألهـا — عـن المـلوك الطـغـاة المـسـتـبـدينا
الرافــعــيــن عــلى الأشـلاء دورهـم — المــالئيــن دمـاً تـلك المـيـاديـنـا
جــنــت عـلى مـلكـهـم أسـلاب غـيـرهـم — فــهــل تــذكــر هــذا المــسـتـغـلونـا
أمــســتــغـيـثـيـن مـن حـرب نـفـرُّ إلى — سـلم يـزيـد هـمـوم المـسـتـغـيـثـيـنا
فـفـي اليـمـيـن عـهـود الصـلح خادعة — وفـي اليـسـار قـيـود المـسـتـرقـيـنا
أيـن الشـروط وأيـن العـامـلون بـها — أم تـلك كـانـت أبـاطـيـل المـضـلينا
أهــذه ثــمــرات النــصــر يــخــرجـهـا — للعــامــليـن الألبّـاء البـصـيـرونـا
لا غـالب اليـوم إلا مـن يـعين غداً — بــبــأســه ونــداه المــسـتـجـيـريـنـا
دانــت لعــســكــر ولســون جــبــابــرة — وأيــن مــا صــنــعــت آراء ولســونــا
أغـرى البـريـة بـاسـتـقـلالهـم ونأى — عـنـهـم وهُـم بـالذي أغـرى يـهـيمونا
أيـبـتـغـي رجـل الدنـيا الجديدة ما — لم يـرج مـن قـدم الدنـيا النبيّونا
وتــبـدل الأرض غـيـر الأرض مـتـخـذاً — مــلائكــاً بــرة هــذي الشــيـاطـيـنـا
هــواجــسٌ مــلأ المــسـتـبـشـرون بـهـا — نــفــوســهــم وتــعــداهـا الخـليـونـا
والحــق فــي كــل عـصـر فـاقـد سـنـداً — إن لم يـجـد طـلبـاً بـالبـأس مقرونا
فـذو السـلاح هـو المـرهـوب جـانـبـه — إذا انثنى الأعزل المغلوب مغبونا
تــغــيــر النــاس أخـلاقـاً ومـتـجـهـاً — تــغــيـر الأرض تـكـويـنـاً وتـلويـنـا
صـوت القـنا والسيوف اليوم يخلفها — صـوت العـواطـف تـوفـيـقـاً وتـأمـيـنا
وللشــعــوب وقــد زالت ضــغــائنــهــا — فـتـح المـبـادئِ لا فـتـح المغيرينا
عقبى الهزائم بل عقبى المغارم ما — يــغــدو بــه ويــروح البــلشـفـيـونـا
تجشّموا في البلاد الظلم وانطلقوا — بــعـد المـظـالم أحـراراً مـغـاليـنـا
ومـا رضـوا أن يـكـونوا بعد قيصرهم — إلا قــيــاصـر فـيـهـا أو فـراعـيـنـا
للقــوم أعــذارهــم فــي كـل مـنـقـلب — إن أخـطـأ القوم أو كانوا مصيبينا
ولســـت أعـــلم والإنــســان مــتــهــمٌ — أمــصــلحــون هــم أم مــســتـفـيـدونـا
نـعـم الفـريـق الذي فـوضـاه هـادمـة — بـغـيَ الفـريـق الذي سـن القـوانينا
جـنّـت بـحـريـة الدنـيـا العـقول فما — أذكـى الجـنون وما أوفى المجانينا
للإشــتـراكـيـة العـقـبـى إذا شـمـلت — شـتـى الشـعـوب وجـاراهـا المجارونا
فــلا الكــثــيــرون مـلكٌ للأقـلِّيـنـا — ولا الأقــلون مــلك للكــثــيــريـنـا
ولا نـــرى واحـــداً مــلأى خــزائنــه — بــالمــغــنــيـات وآلافـاً يـجـوعـونـا
ولا نـــرى درة فـــي رأس مــحــتــكــم — تـهـفـو إليـهـا قـلوب المـسـتـظـلينا
يـا نـائليـن مـن الحرب العوان سوى — مـا كـان مـنـتـظـراً مـنـهـا ومـظنونا
نــجــوتــمُ مــن رزايــاهــا ومـا لكـمُ — لا تـذكـرون رفـاقـاً غـيـر نـاجـيـنـا
مـدوا الحـديـد لكـم فـي كـل مـرحـلة — وذلّلوا لكــــمُ أطـــوادهـــا ليـــنـــا
ورابــطــوا لأعــاديــكــم عــلى هــدف — وألحـقـوا النـيـل بـالأردنَّ تـأمينا
وقــلتـم التـرك قـد جـاءوا لغـزوكـمُ — وقــهــركــم فــرددنــاهــم مــولّيــنــا
وكــم عــتــبــنــا عـلى قـوم لأجـلكـمُ — وهــم إليـنـا الأحـبـاء المـحـبـونـا
وقــلتــمُ لم يــنــل قــوم بــغـيـر دم — حـــريـــة فـــبـــذلنــاه مــضــحــيــنــا
ونــال مــن دمـنـا فـي مـصـر جـنـدُكـمُ — مـا نـال مـنـه عـداكـم فـي فـلسطينا
فـهـل غـسـلتـم خـطـايـا الأبرياء به — أم لا تـزال خـطـيـئات البـريـئيـنـا
أتـسـتـهـيـنـون بـالإنـسـان مـاثـلكـم — وتــؤثــرون عـليـه المـاء والطـيـنـا
هـبـوا حـمـى مـصـر والسـودان مـزرعة — أيــرهــق الأجــراءَ المــســتــغـلونـا
ورثــتـم خـصـمـكـم مـيـتـاً وصـاحـبـكـم — حـيـاً ومـا زلتـمُ فـي الأرض تـسعونا
وقــد مـلكـتـم مـن العـمـران نـاضـره — ورحــبــه وبـذي الشـكـوى تـضـيـقـونـا
هــل تـنـكـرون عـليـهـم فـي زمـانـكـمُ — مــا أدركــوه تـجـاريـبـاً وتـمـديـنـا
جـربـتـمُ مـصـر فـي تـقـيـيـدهـا زمـناً — فـجـربـوا مـصـر فـي إطـلاقـهـا حـينا
أمــنــتـمُ مـصـر فـيـمـا نـال أمـنـكـمُ — فــأي شــيــء عــلى مــصــرٍ تـخـافـونـا
وقـلتـمُ مـصـر للهـنـد السـبـيـل فـإن — ضـاع السـبـيـل أضعنا الهند ساهينا
أمـا إلى الهـنـد إلا مـصـر مـن سبلٍ — مـلأى شـواهـيـن أو مـلأى سـراحـيـنا
يــهــدد الهــنــد أهــلوه وجــيــرتــه — ولا يــزال سـبـيـل الهـنـد مـأمـونـا
خـافـوا سـوانـا وأعـطـونـا أمـانِينا — فــمــا تـضـرُّ بـكـم يـومـاً أمـانـيـنـا
نــلقـاكـمُ بـقـلوب المـخـلصـيـن كـمـا — تــلقــونـنـا بـقـلوب المـطـمـئنـيـنـا
مـصـالح النـاس أقـوى مـن عـواطـفـهم — يـداً فـهـم أيـنـمـا سـارت يـسـيـرونا
فــلا تــدوم حــزازات المــعــاديـنـا — ولا تـــدوم مـــودات المـــواليـــنــا
وطـالمـا عـاد خـصـمُ القـوم صـاحـبَهم — وطـالمـا أحـسـن العـقـبى المسيئونا
عــســى الذي مـنـح الألمـان سـلمَـكـمُ — يـنـسـيـكـم أثـر المـاضـي ويـنـسـيـنا
عــســى مــبــدل بــأسَ الروم مــرحـمـةً — للتــرك يــرضــيـكـم عـنـا ويـرضـيـنـا
وإن شـــبـــراً لِذي حــقٍّ لأفــضــلُ مــن — مـقـاطـعـات البـغـاة المـسـتـبـيحينا
وإن فــــرداً لذي مـــلكٍ يـــبـــر بـــه — خــيــر له مــن جــمــاعـات يـثـورونـا
عــن أي شــيــء لمــصـرٍ تـسـألون وقـد — هـزت مـسـائل مـصـر الهـنـد والصـينا
بـالسـيف والنار يدعو الناس جندكم — وتـطـلبـون مـن الصـرعـى مـجـيـبـيـنـا
ضـعـوا السـلاسـل عنا واطلبوا جدلاً — تــروا أدلة مــصــرٍ والبــراهــيــنــا
وربــــمــــا قـــبـــلت دعـــواكـــمُ دولٌ — وأهــل مــصــرٍ أبــاة غــيـر راضـيـنـا
ليــت الذي حـرم الألمـان غـايـتـهـم — أخــاف قــومـاً سـواهـم لا يـبـالونـا
وليــت مــن زاد قــومــاً قــوة وغـنـى — يــرعـى ويـحـرس أقـوامـاً مـسـاكـيـنـا
أتـــســـفـــكـــون لمــظــلوم دمــاءكــمُ — وبــالكــلام عــلى عــانٍ تــضــنّــونــا
وهـل وفـيـتـم بـمـيـثـاق لمـصـرَ كـمـا — رعـيـتـمُ العـهـد للبـلجـيـك مـوفـينا
كـم أعـجـبـتـكـم مـن الأحـرار عزتهم — كـانـوا مـواليـن أو كانوا معادينا
فـهـل ذكـرتـم وأكـبـرتـم لنـا غـرضـاً — كــمـا ذكـرتـم وأكـبـرتـم وشـنـطـونـا
كـم أنـجـب البـطـل الأحـداث عـاليـة — وأنــجــب الحـدث الأبـطـال عـاليـنـا
كــنــا أمــانــة دهــرٍ عـنـدكـم وأتـى — وقــت الأداء فــهــل أنـتـم مـؤدونـا
وقـــد أقـــر لمــصــرٍ كــل مــنــتــصــف — بــحــق مــصــر فــهـل أنـتـم مـقـرونـا
وقـد أصـرت عـلى اسـتـقـلالهـا فـعلى — أيّ المــآرب أصــبــحــتــم مــصــريـنـا
أواهــبــون لمــصــرٍ كــل مــا طــلبــت — أم آخــذون بــمــقــدار ومــعــطــونــا
وإن رفـعـتـم عـن الوادي حـمـايـتـكم — فـمـا اسـم لاحـقـهـا فـيـمـا تـسمونا
وإن تــروا بــدلاً مــنــهـا مـحـالفـة — فــمـن لنـا بـضـمـانـات المـسـاويـنـا
إنــا لنـعـجـز عـن حـق الحـليـف وعـن — حــق الشــريـك وأنـتـم تـسـتـزيـدونـا
ومــا مــجــاورة الأقــوى وشــركــتــه — إلا كـمـا جـاور العـصـفـور شـاهـينا
ادعـوا بـني مصر أنداداً لكم ودعوا — ولاة مــصــر مــلوكــاً أو سـلاطـيـنـا
وغـــادروهـــا لأكــفــاءٍ تــجــاربُهــم — تـغـنـيـهـمُ عـن تـكـاليـف المـشيرينا
يـفـدون مـصـر وإن شـاكـت مـنـابـتـها — وإن جــرى نـيـلهـا مُهـلاً وغـسـليـنـا
وإن تــدفـق فـي البـيـداء مـنـصـرفـاً — وإن أقـــام وراء الســـد مــخــزونــا
أحــرار مــصــر تـبـاريـهـم حـرائرهـا — فــفــاديــات كــمـا نـرجـو وفـاديـنـا
مــصــليــات يــجــاريــن المــصــليـنـا — مــزكــيــات يــجــاريــن المــزكــيـنـا
وهـل رأت مـصـر قـبـل اليـوم دعوتها — تــثــيــر للنـجـدات الخـرَّدَ العـيـنـا
خضن السعير إلى الشأو الخطير وما — حـمـلن إلا التـحـايـا والريـاحـيـنا
وكـــلمـــا راعــت الأهــرام مــرعــدة — أرحـن مـا ارتـاعـهـا شـدواً وتلحينا
هــذي مــظـاهـر إيـمـان النـفـوس وذا — حــق الجــهــاد وهــذي روحــه فــيـنـا
أمــســتــعــدون للتــوفــيــق بـيـنـكـم — وبــيـنـنـا اليـوم إنـا مـسـتـعـدونـا
تـعـطـونـنـا مـثـل مـا تعطون أنفسكم — فــتــسـتـريـحـون مـنـا أو تـريـحـونـا
مــوكــولة لســجــايــانــا عــلائقـنـا — ومــا مــرافــقــنــا إلا بــأيــديـنـا
نـــودكـــم أمــة فــي الأرض طــيــبــة — ولا نــود المــعــزّيــن المــذليــنــا
أولى لكـــم ولكـــل النـــاس أنـــكــمُ — كـمـا نـكـون عـلى الحـسـنـى تكونونا
يــا جـامـعـيـن وراء البـحـر أمـرهـمُ — ورائحــيــن بــنــجـوى مـصـر غـاديـنـا
باقون أنتم على العهد الوثيق كما — أنَّاـ عـلى العـهـد والميثاق باقونا
ســافــرتــمُ وقـلوب المـخـلصـيـن لكـم — وبــالرجــاء إلى الوادي تــعـودونـا
الحـــق فـــي كــل واد واجــد ســنــداً — أضـحـى بـلنـدن أو أمـسـى بـبـرليـنـا
وحــبــذا ســعــيــكـم فـي كـل مـمـلكـة — وحــبــذا أهــل مــصـر المـسـتـقـلونـا
من لم ير اليوم في العمران موضعه — لم يــلق فـي غـده دنـيـا ولا ديـنـا
ونــحـن أولى بـأن تـرعـى مـواطـنـنـا — نـوفـي المـكـاييل فيها والموازينا
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف النون — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الثماني: الثُّمانِيُّ : المنسوبُ إلى الثَّماني أو ما رُكِّبَ من ثمانٍ؛ هذا شكل هندسي ثُمانِيُّ الأضْلاع/ هذا مُجَسَّمٌ ثُمانيّ الأوْجُه.
- الصعداء: الصُّعَدَاءُ : المشقَّة؛ تنفَّسَ الصُّعَدَاءَ، أي تنفس تنفساً شاقاً ممدوداً وعميقاً من همٍ أو وَجَعٍ.
- الصلح: صَلَحَ: الصَّلاح: ضِدُّ الْفَسَادِ؛ صَلَح يَصْلَحُ ويَصْلُح صَلاحاً وصُلُوحاً؛ وأَنشد أَبو زَيْدٍ: فكيفَ بإِطْراقي إِذا مَا شَتَمْتَني؟ ... وَمَا بعدَ شَتْمِ الوالِدَيْنِ صُلُوحُ وَهُوَ صَالِحٌ وصَلِيحٌ، الأَخيرة عَنِ اب …
- المرض: مرض: الْمَرِيضُ: مَعْرُوفٌ. والمَرَضُ: السُّقْمُ نَقِيضُ الصِّحَّةِ، يَكُونُ للإِنسان وَالْبَعِيرِ، وَهُوَ اسْمٌ لِلْجِنْسِ. قَالَ سِيبَوَيْهِ: المرَضُ مِنَ المَصادِرِ الْمَجْمُوعَةِ كالشَّغْل والعَقْل، قَالُوا أَمْراضٌ …