شَــرُف الزمــان بــه وســاد الجــيــلُ
الشاعر: أحمد الكاشف · البحر: الكامل
هذه القصيدة من شعر أحمد الكاشف، من العصر الحديث، وتقع في 99 بيتًا. نُظمت على بحر الكامل، ورويّها حرف اللام.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
شَــرُف الزمــان بــه وســاد الجــيــلُ — شــرع البــلاد وحـكـمـهـا المـأمـولُ
فـي الرونـق الضـاحـي تجلى بعد ما — لجــــت عــــواصـــف دونـــه وســـيـــول
هــزَّ المــشــارق عــيــده فــتــجـمـلت — بــغــداد واحــتــفــلت بــه كــابــول
ودعــت بــأنــقــرة لمــصــر عــشـيـرةٌ — شـــمـــاء تـــعـــمـــل حـــرةً وتــقــول
ولئن تـنـاءى بـيـن مـصـر وبـيـنـهـا — ســـبـــب الجـــوار فـــإنــه مــوصــول
ألمــصــر أم للمـشـرقـيـن كـليـهـمـا — هــذا الصــبــاح الأبـلج المـصـقـول
اليــوم تــجـري أدمـع الفـرح التـي — ذنــب الزمــان بــهــا غـداً مـغـسـول
وضــح الصــواب لكــل مــطَّلــع فــمــا — فـــيـــه مـــغـــالطـــة ولا تـــأويــل
ذا بـعـض مـا وصـلت إليه من المدى — تــلك الضــحــايــا والدم المـطـلول
يـا يـوم فـاتـحة الرجاء لك الرضا — ولربــك التــكــبــيــر والتــهــليــل
هـل جـئت بـالشـورى بـهـيـجـا معلماً — أم جــاء فــيــك مـن السـمـاء رسـول
أنـت الجـمـيـل الفـخـم للوادي فما — لك غــيــر مــيـعـاد الجـلاء مـثـيـل
جـــاءت رضـــاً فــيــه وراحــت راحــة — هــذي النــيــابـة عـنـه والتـوكـيـل
مــن كــل نــدب مــا دعــاه قَــبِـيْـلُهُ — إلا ومـــنـــه لمــن دعــاه قــبــيــل
وكــأنــمــا المــحــراب كــلَّ أريـكـة — وكــــأن كــــلَّ مــــحـــدث جـــبـــريـــل
فـي هـذه الحـجـراتِ تـعـرف مـصـر ما — أمــســت عــليــه ومــا إليــه تــؤول
ويـــخـــط آمــال البــلاد وأهــلهــا — فـــيـــه شـــبـــاب عـــاقـــل وكــهــول
المـجـد مـا بـنـت الشـمـائل سـمـحـة — لا مـــا بـــنــتــه أســنــة ونــصــول
وعــزائم الأبــطــال غـيـر صـحـيـحـة — إن لم تـــقـــدهــا أنــفــس وعــقــول
إن يــحــتــفــل بـالظـافـريـن مـهـنِّئٌ — فــليــبــتــدر للعــاثــريــن مــقـيـل
من لم يتب أو من أبى الحسنى إلى — مــن تــاب فــهـو الخـاذل المـخـذول
ضــمــنَ الحــيــاة لكــل شـعـب شـمـلُهُ — مـــتـــألِّفـــاً وحـــســامُهُ المــســلول
مــا كــانــت الدنـيـا مـجـادلة ولا — سـبـب العـلا التـأويـل والتـعـليـل
لا يــسـتـحـق مـن الحـيـاة نـصـيـبـه — مــــتــــلمــــس للحــــق وهـــو ذليـــل
مــا كــان نــدّاً شــعــب مـصـر لدولة — تـــجـــتــاح وهــو مــقــيــد مــغــلول
كـسـر الأسـيـرُ القـيـدَ وهـو مـضاعفٌ — وقـضـى الغـريـم الديـن وهـو ثـقـيل
ولقـد أبـى حـمـل المـهـانة والأذى — ذاك المـقـيـم عـليـهـمـا المـجـبـول
لا يـنـهـض المـغـلوب إلا بـعـد مـا — يــتــنــبــه المــخــدوع والمــخـتـول
إنــي رأيــتُ مــمــالكـاً قـامـت عـلى — أنـــقـــاضــهــا أخــرى وســوف تــدول
هــل يـأمـن المـنـهـوم مـن أحـشـائه — أن يــمــلأ الأحــشــاء وهــو عـليـل
ولربـمـا سـلم المـقـاتـل في الوغى — وأمـــاتـــه المــشــروب والمــأكــول
هــل يــســتــقــيـم مـنـازع وقـريـبـه — مـــتـــبـــرم والجـــار مــنــه مــلول
وَيــــمُــــدُّ ســــؤدده ومـــن أجـــزائه — فـــي كـــل يـــوم جـــانــبٌ مــفــصــول
أيــن الذيــن تـحـكـمـوا فـتـراجـعـت — بــهــمُ غــيــاض الأرض وهــي مــحــول
لا يــسـتـوون عـلى الأرائك فـخـمـة — إلا وتــحــتــهــمُ الدمــاء تــســيــل
اللّه بـــدلهـــم بـــأرحـــم عــصــبــة — للعــامــليــن وحــبــذا التــبــديــل
وارتـــدَّ بـــعــد شــقــائه بــبــلاده — عـلمـاً عـليـهـا العـامـل المـجـهـول
وغــدا الذي للجــاه كــان مــســخَّراً — يــزن المــرافــق عــادلاً ويــكــيــل
يـمـلي عـلى المـال الزكـاة مـحتماً — أن لا يــكــون بــدونــهــا تــمـويـل
أدرى بــآلام الحــيـاة مـن ابـتـلى — نــكــد الحــيــاة تــمــضُّهــ وتــهــول
أولى بــكــرســيِّ العــلا فــي قـومـه — مــن عــاش يــكــفــل قــومــه ويـعـول
أيــعــيــش مــن أكــتــاف ألفٍ واحــدٌ — قــاسٍ عــلى الألف الشــقــيِّ بــخـيـل
طــابــت مـمـارسـة البـلاد لدهـرهـا — مــن بـعـد مـا غـشِـي البـلاد خـمـول
وكــأن مــصــر لأهــل مــصـرَ مـصـيـدةٌ — وكـــأن ربَّ البـــيــت فــيــه نــزيــل
وتــجــشــم الأحــرار فـي أوطـانـهـم — مــا جــشــمــتــهــم غــربــةٌ ورحــيــل
وصـل التـنـاجـي بـيـنهم من بعد ما — حــالت بــحــار بــيــنــهــم وســهــول
للّه والعـــرش المـــقــدس والحــمــى — هـــذا الســـلام وذلك التــبــجــيــل
ومـن المـواثـيـق المـتـيـنـة بينهم — هــذا العــنــاق وذلك التــقــبــيــل
يـا واحـد الوادي وكـل مـن اقـتـدى — بــك صــاحــب لك فـي العـلا وزمـيـل
نـجـيـت قـومـك والبـلاد كـمـا نـجـت — فــي عــهــد مــوســى أمــس إسـرائيـل
وأتــيـت فـي المـيـعـاد وهـو مـقـدر — لهـــمُ فـــلا مــهــلٌ ولا تــعــجــيــل
رجــعَــى ومــنــقــلبٌ إليــك وحــبــذا — هــذا المـصـيـرُ الكـافـل المـكـفـول
فـضـل المـعـيـد الحـصـن وهـو معالم — لك والمــعــيــد الجـيـش وهـو فـلول
أنـت المـفـضـل عـنـد مـصـر وأهـلهـا — ولمــصــر عــنــدك ذلك التــفــضــيــل
يــا مــن تــعــرَّض للعــدى ورمـاحُهـم — مــلء الفــضــاء وللســيــوف صــليــل
حـــدثـــهــمُ وأمــورهــم بــيــد الذي — هـــو صـــاحـــب لك طـــيـــب وخـــليــل
فــي شــرعــة الوزراء مـن عـمـالهـم — أمــل لمــصــر وغــيــر مــصــر جـليـل
لاقــت وزارتــك السـعـيـدة مـثـلهـا — مـنـهـم وسـار إلى الجـمـيـل جـمـيـل
فـهـمـا مـن الحـسـنـى عـلى وعدٍ لما — هــو للقــطــيــعــة والجـفـاء مـزيـل
الصــلح أولى للغــريــم وقــد قـضـى — حـــكَـــمٌ وأشـــهـــاد عـــليـــه عــدول
لك عـنـده الحـق المـبـيـن وقد مضى — جــبــروتــه والتــيــه والتــهــويــل
قــاضــيــتــه فــأقــرَّ ثــم وفــى بــه — لك فــاســتــراح غـريـمـه المـمـطـول
خـيـرٌ له العـمـل المـنـزَّه بـعـد ما — خــلت الوعــود الســود والتــضـليـل
ولقــد يـرى مـن مـصـر وهـو مـعـاهـدٌ — مــا لا يــرى مـن مـصـر وهـو دخـيـل
وُدَّ الأبـــــاةِ وإنـــــه لمـــــنـــــزَّهٌ — ورضـــى الغـــضـــابِ وإنـــه لجــزيــل
لا تــطــمــئِنَّ إلى الذي هــو شــارط — إلا وشـــرطـــك قـــبـــله مـــقـــبــول
ومــن التــغــالي أن نــعـدَّك نـائلاً — مــنــه ولســت كــمــا تــنـال تـنـيـل
تـصـل المـنـافـع بـين أشتات الورى — مـــا لم تـــصـــله قـــرابــة وأصــول
هـل يـدَّعـي اسـتـقـلال مـصـر مـرابـط — فــي الشــاطــئيــن ودون مـصـرٍ مـيـل
النـــيـــل مــخــلوق لواديــه فــمــا — هــو عــنــه مــنــصــرف ولا مــنـقـول
سـودان مـصـر شـقـيـق مـصـر ولم يكن — ليــحــول بــيــن الأقــربــيـن عـذول
حـــريـــةُ الوادي ومـــاء حـــيــاتــه — حــتــمٌ عــليــك وغــيــرُ ذاك فــضــول
ومــن اطــمـأن فـمـرحـبـاً بـيـقـيـنـه — ومــن اســتـراب فـمـا عـليـك سـبـيـل
إن الذي أمــنَ الطــريــقَ لمـصـر لا — يــعــنــيــه أنَّ طــريــق مـصـر طـويـل
إن الذي بـــدأ الجـــهــاد لقــومــه — حـتـم عـليـه إلى المـدى التـكـمـيل
والمـــســـتـــرد الحـــقَّ مــن ســلَّابِهِ — بــــاق يــــدافـــع دونـــه ويـــحـــول
أوزارة الوادي تــــؤول إليــــك أم — عـــبـــء عـــليـــك لأهــله مــحــمــول
كــلفـت نـفـسـك هـمَّ قـومـك بـعـد مـا — أيـــقـــنــت أنــك وحــدك المــســئول
وقــد اســتــقـر الحـكـم للأولى بـه — حــراً وعــاد إلى الأســود الغــيــل
هــل يــتـرك المـيـدان فـارس قـومـه — قــبـل المـدى والخـصـم فـيـه يـجـول
لا مـسـتـحـيـلَ عـلى المُـصِـرِّ فكلُّ ما — صــحَّتــ عــليــه عــزيــمــةٌ مــفــعــول
أيـضـن بـالمـال الحـلال عـلى بـنـي — واديــــه مـــن دمُه لهـــم مـــبـــذول
ويــريـد أن يُـجـزَى بـمـا هـو صـانـعٌ — بــطــل بــهــم عــن نــفــسـه مـشـغـول
سـبـق الغـزاة إلى الفـتـوح كـبيرةً — بــالرأي مــن هــو للغــزاة ســليــل
يــا حــامــلَ القـرآن تـدعـو بـالذي — يــدعــو بــه التــوراةُ والانــجـيـل
أشـريـعـةُ الحُـلَفـاءِ أهـدى مـنـهـجـاً — مـــمـــا شـــرعـــتَ وســنَّ إســمــعــيــل
للّه مــصــرٌ فــي الريــاض تـسـابـقـت — جــدواك فــي جــنــبــاتـهـا والنـيـل
مـا زلت تـوسـع جـانـبـيـهـا عـامـراً — حــتــى تــســاوى عــرضــهــا والطــول
صـــبَّحـــتـــهـــا بـــوزارة هـــي جِــدَّةٌ — لكــيــانــهــا ولدهــرهــا تــعــديــل
ومـضـى قـويـمـاً مـن زمـانـك من قضى — زمــنــيــن يــعــثــر تــارة ويــمـيـل
الشـــعـــب حـــولك والوســـائل حــرّةٌ — والدهـــرُ ســـلمٌ والمــراد يــنــيــل
فــي كــل مــمــلكــةٍ ســفــيــرٌ كـابـرٌ — هـــو حـــجـــةٌ لك عـــنــدهــا ودليــل
فـــخـــم يــمــثــل شــعــبــه وبــلاده — فــوق الشــعــوب وحـبـذا التـمـثـيـل
كــانــت تــعــلَّةَ وامــقٍ فــجـعـلتـهـا — وهــي العــيــان الصـادق المـعـقـول
إن لم يـكـن للتـاجِ شـعـبـك مـخـلصاً — فـــبـــأي حـــقٍّ يـــهـــتـــدي ويــصــول
بــالعــدل والإحــسـان تـدرك غـايـة — لا الجـيـش يـدركـهـا ولا الأسـطول
يــا مــالك الوادي وأنــت ضــمـانـه — وعـــلى رضـــاك ورأيــك التــعــويــل
جــاهــدتُ فـيـه طـيِّبـ العـقـبـى وبـي — مــــمـــا أجـــاهـــدُ رقـــةٌ ونـــحـــول
ورجــعــت بــاســتــقــلاله مـتـرنـمـاً — وعـــليَّ مـــنــه التــاج والإكــليــل
البحر والقافية
القصيدة على بحر الكامل. أغزر البحور حركةً وأكثرها طواعية، يصلح لجميع الأغراض من حماسة وغزل ورثاء.
تفعيلاته: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.
القافية: رويّها حرف اللام — قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة كما وردت في المعاجم الكلاسيكية (لسان العرب، مقاييس اللغة، الصحاح، القاموس المحيط):
- الجوار: الجُؤَارُ : مصـ.-: رفعُ الصوت بالدُّعاءِكَأَنِّي أنظر إلى موسى له جُؤَارٌ إلى رَبِّه بالتَّلْبية .- البقرِ والثيرانِ: خُوارها.- النَّبتِ: طوله وارتفاعه؛ يبدأ جؤار النبت في الربيع.
- الجيل: جيل: الجِيل: كُلُّ صِنْف مِنَ النَّاسِ، التُّرْك جِيل والصِّين جِيل وَالْعَرَبُ جِيل وَالرُّومُ جِيل، وَالْجَمْعُ أَجْيال. وَفِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ: مَا أَعْلَمُ مِنْ جِيل كَانَ أَخبث مِنْكُمْ؛ الجِيل الصِّنْفُ …
- الرونق: الرَّوْنَقُ : الطلاوة والحسن والإشراق؛ رَوْنَق السيفِ، هو صفاوه ولمعانه.- الضُّحى: أوّله.- الشَباب: أَوّلُه وطراوته؛ التقيته وهو في رَوْنَقِ شبابه.
- الضاحي: الضَّاحِي [ضحو]: فا. - من الأمكنةِ: البارزُ للشمس. - من جسمِ الإنسان: ما لا تغطّيه الثِّياب. - من الطرقات: البادي والظاهر.
- المشارق: جَمْعُ مَشْرِق. [ش ر ق]. "جَابَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا" : جَابَ بُلْدَاناً مِنْ أَقْصَى شَرْقِ الْمَعْمُورَةِ إِلَى غَرْبِهَا. ن. مَشْرِقٌ.
- المصقول: المَصْقُولُ : ـ من السيوف ونحوها: المَجْلُوُّ؛ ضربَه بسيف مصقُول/ مرآةٌ مصقولة.
- تعمل: تَعَمَّل يتعَمَّلُ تَعمُّلاً : تكلَّف العمل.- من أجل فلان وله وفي حاجاته: اعتنى واجتهد؛ تعمَّل المهندس في بناء دار صديقه.
- شماء: شما: التَّهْذِيبُ: ابْنُ الأَعرابي قَالَ شَما إِذا عَلا أَمْرُه، قَالَ: والشَّما الشَّمَع، والله أَعلم.