أَهدِ الدُموعَ إِلى دارٍ وَماصِحَها
الشاعر: أبو تمام · البحر: البسيط · الغرض: قصيدة رثاء
هذه القصيدة من شعر أبو تمام، من العصر العباسي، وتقع في 41 بيتًا. نُظمت على بحر البسيط، ورويّها حرف الحاء، وغرضها قصيدة رثاء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أَهدِ الدُموعَ إِلى دارٍ وَماصِحَها ... فَلِلمَنازِلِ سَهمٌ في سَوافِحِها
أَشلى الزَمانُ عَلَيها كُلَّ حادِثَةٍ ... وَفُرقَةٍ تُظلِمُ الدُنيا لِنازِحِها
حَلَفتُ حَقّاً لَقَد قَلَّت مَلاحَتُها ... بِمَن تُخُرِّمَ عَنها مِن مَلائِحِها
إِن تَبرَحا وَتَباريحي عَلى كَبِدٍ ... ما تَستَقِرُّ فَدَمعي غَيرُ بارِحِها
دارٌ أُجِلُّ الهَوى عَن أَن أُلِمَّ بِها ... في الرَكبِ إِلّا وَعَيني مِن مَنائِحِها
إِذا وَصَفتُ لِنَفسي هَجرَها جَمَحَت ... وَدائِعُ الشَوقِ في أَقصى جَوانِحِها
وَإِن خَطَبتُ إِلَيها صَبرَها جَعَلَت ... جِراحَةُ الوَجدِ تَدمى في جَوارِحِها
ما لِلفَيافي وَتِلكَ العيسُ قَد خُزِمَت ... فَلَم تَظَلَّم إِلَيها مِن صَحاصِحِها
فُتلٌ إِذا اِبتَكَرَ الغادي عَلى أَمَلٍ ... خَلَّفنَهُ يَزجُرُ الحَسرى بِرائِحِها
تُصغي إِلى الحَدوِ إِصغاءَ القِيانِ إِلى ... نَغمٍ إِذا اِستَغرَبَتهُ مِن مَطارِحِها
حَتّى تؤوبَ كَأَنَّ الطَلحَ مُعتَرِضٌ ... بِشَوكِهِ في المَآقي مِن طَلائِحِها
إِلى الأَكارِمِ أَفعالاً وَمُنتَسَباً ... لَم يَرتَعِ الذَمُّ يَوماً في طَوائِحِها
آساسُ مَكَّةَ وَالدُنيا بِعُذرَتِها ... لَم يَنزِلِ الشَيبُ في مَثنى مَسائِحِها
قَومٌ هُمُ أَمِنوا قَبلَ الحَمامِ بِها ... مِن بَينِ ساجِعِها الباكي وَنائِحِها
كانوا الجِبالَ لَها قَبلَ الجِبالِ وَهُم ... سالوا وَلَم يَكُ سَيلٌ في أَباطِحِها
وَالفَضلُ إِن شَمِلَ الإِظلامُ ساحَتَها ... مِصباحُها المُتَجَلّي مِن مَصابِحِها
مِن خَيرِها مَغرِساً فيها وَأَوسَعِها ... شِعباً تُحَطُّ إِلَيهِ عيرُ مادِحِها
لا تَفتَ تُزجي فَتِيَّ العيسِ سَاهِمِةً ... إِلى فَتى سِنِّها مِنها وَقارِحِها
حَتّى تُناوِلَ تِلكَ القَوسَ بارِيَها ... حَقّاً وَتُلقي زِناداً عِندَ قادِحِها
كَأَنَّ صاعِقَةً في جَوفِ بارِقَةٍ ... زَئيرُهُ واغِلاً في أُذنِ نابِحِها
سِنانُ مَوتٍ ذُعافٍ مِن أَسِنَّتِها ... صَفيحَةٌ تُتَحامى مِن صَفائِحِها
ذو تَدرَءٍ وَإِباءٍ في الأُمورِ وَهَل ... جَواهِرُ الطَيرِ إِلّا في جَوارِحِها
هَشماً لِأَنفِ المُسامي حَينَهُ فَسَما ... لِهاشِمٍ فَضلُها فيها اِبنُ صالِحِها
يا حاسِدَ الفَضلِ لا أَعرِفكَ مُحتَشِداً ... لِغَمرَةٍ أَنتَ عِندي غَيرُ سابِحِها
لِكَوكَبٍ نازِحٍ مِن كَفِّ لامِسِهِ ... وَصَخرَةٍ وَسمُها في قَرنِ ناطِحِها
وَلا تَقُل إِنَّنا مِن نَبعَةٍ فَلَقَد ... بانَت نَجائِبُ إِبلٍ مِن نَواضِحِها
سَميدَعٌ يَتَغَطّى مِن صَنائِعِهِ ... كَما تَغَطّى رِجالٌ مِن فَضائِحِها
وَفارَةُ المِسكِ لا يُخفي تَضَوُّعَها ... طولُ الحِجابِ وَلا يُزرى بِفائِحِها
لِلَّهِ دَرُّكَ في الخَودِ الَّتي طَمَحَت ... ما كانَ أَرقاكَ يا هَذا لِطامِحِها
نَقِيَّةُ الجَيبِ لا لَيلٌ بِمُدخِلِها ... في بابِ عَيبٍ وَلا صُبحٌ بِفاضِحِها
أَخَذتَها لَبوَةَ العِرّيسِ مُلبِدَةً ... في الغابِ وَالنَجمُ أَدنى مِن مَناكِحِها
لَو أَنَّ غَيرَ أَبي الأَشبالِ صافَحَها ... شَكَّتــ بِمَخلَبِها كَفَّيـ مُصافِحِها
جاءَت بِصَقرَينِ غِطريفَينِ لَو وُزِنا ... بِهَضبِ رَضوى إِذاً ما لا بِراجِحِها
بِهاشِمِيَّينِ بَدرِيَّينِ إِن لَحَجَت ... مَغالِقُ الدَهرِ كانا مِن مَفاتِحِها
نَصلانِ قَد أُثبِتا في قَلبِ شانِئِها ... نارَينِ أوقِدَتا في كَشحِ كاشِحِها
وَكَذَّبَ اللَهُ أَقوالاً قُرِفتَ بِها ... بِحُجَّةٍ تُسرَجُ الدُنيا بِواضِحِها
مُضيئَةٍ نَطَقَت فينا كَما نَطَقَت ... ذَبيحَةُ المُصطَفى موسى لِذابِحِها
لَئِن قَليبُكَ جاشَت بِالسَماحَةِ لي ... لَقَد وَصَلتُ بِشُكري حَبلَ ماتِحِها
وَقَد رَأَتني قُرَيشٌ ساحِباً رَسَني ... إِلَيكَ عَن طَلقِها وَجهاً وَكالِحِها
إِذا القَصائِدُ كانَت مِن مَدائِحِهِم ... فَأَنتَ لا شَكَّ عِندي مِن مَدائِحِها
وَإِن غَرائِبُها أَجدَبنَ مِن بَلَدٍ ... كانَت عَطاياكَ أَندى مِن مَسارِحِها
البحر والقافية
القصيدة على بحر البسيط. من أشهر البحور وأكثرها جزالة، يناسب الموضوعات الرصينة كالمدح والوصف والحِكَم.
تفعيلاته: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن.
القافية: رويّها حرف الحاء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب:
- بارحها: برح: بَرِحَ بَرَحاً وبُرُوحاً: زَالَ. والبَراحُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ بَرِحَ مكانَه أَي زَالَ عَنْهُ وَصَارَ فِي البَراحِ. وَقَوْلُهُمْ: لَا بَراحَ، مَنْصُوبٌ كَمَا نُصِبَ قَوْلُهُمْ لَا رَيْبَ، وَيَجُوزُ رَفْعُهُ فَيَكُونُ … (لسان العرب)
- تخرم: خرم: الخَرْمُ: مَصْدَرُ قَوْلِكَ خَرَمَ الخَرَزَةَ يَخْرِمُها، بِالْكَسْرِ، خَرْماً وخَرَّمَها فَتَخرَّمَتْ: فَصَمَها وَمَا خَرَمْتُ مِنْهُ شَيْئًا أَي مَا نَقَصْتُ وَمَا قَطَعْتُ. والتَّخَرُّمُ والانْخِرامُ: التَّشَقُّق … (لسان العرب)
- تظلم: ظلم: الظُّلْمُ: وَضْع الشَّيْءِ فِي غَيْرِ موضِعه. وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ فِي الشَّبه: مَنْ أَشْبَهَ أَباه فَمَا ظَلَم؛ قَالَ الأَصمعي: مَا ظَلَم أَيْ مَا وَضَعَ الشَّبَه فِي غَيْرِ مَوْضعه وَفِي الْمَثَلِ: مَنِ اسْت … (لسان العرب)
- جمحت: جَمَحَ: جَمَحَتِ المرأَةُ تَجْمَحُ جِماحاً مِنْ زَوْجِهَا: خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ إِلى أَهلها قَبْلَ أَن يُطَلِّقَهَا، وَمِثْلُهُ طَمَحَتْ طِماحاً؛ قَالَ: إِذا رأَتني ذاتُ ضِغْنٍ حَنَّتِ، ... وجَمَحَتْ مِنْ زوجِها وأَنَّ … (لسان العرب)