عرا الكون خطب هوله لا يقدّرُ
الشاعر: نقولا الترك الإسطمبولي · البحر: الطويل
هذه القصيدة من شعر نقولا الترك الإسطمبولي، من العصر الحديث، وتقع في 82 بيتًا. نُظمت على بحر الطويل، ورويّها حرف الراء.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
عرا الكون خطب هوله لا يقدّرُ ... اثارته أوغادٌ من البدو فُجّرُ
جموعٌ حكت عدّ الرمال خوارجٌ ... شرودٌ عصت قومٌ سوى الغيّ ما دروا
إلى مذهب التوهيب ساروا وهم على ... ضلالٍ مبينٍ حيث للكتب انكروا
ملوا أرض نجد والعراقين منهمُ ... فساداً وفي الطغيان للخلق هوروا
وحاطوا بمكه ثم في دار يثربٍ ... وهدوا القباب العاليات ودمّروا
وحاقوا على القطر الحجازي بأسرهِ ... وبثّوا به ما أبدعوه وأشهروا
وقاموا بهذا الحول يبغوا تملكاً ... بشام العلا مذ في المزاريب جمهروا
فسارَعَ والي أمرها الكنج يوسفٌ ... إلى صدّهم لما أتاه المخبّرُ
ومن حصن عكا قام للحرب والغزا ... سليمانها الشهم الوزير الموقّرُ
ونادى بأقطار البلاد الوحى الوحى ... إلى مشهدٍ فيه الفتى ليس يخسرُ
فلبى الندا بحر الندى قاهر العدى ... شهاب الهدى ذاك السعيد المظفَّرُ
بشير الملا بالنصر والعز والعلا ... أميرٌ به اعتزّ الولا والتأمّرُ
وسار بأنخى آل قيس وحوله ... رهوطٌ شداد البأس كالأسد تزأَرُ
قرومٌ صناديدٌ نخودٌ أماجدٌ ... أسودٌ صعابٌ للغزا قد تصدّروا
امامهم الشيخ الذي ذاع بطشهُ ... همامٌ شديدُ العزم في الحرب مشهرُ
هو الجنبلاطيُّ البشير الفتى الذي ... هو الركن فيه طود لبنان يعمرُ
لديه رجالٌ كالشواهين إن سطت ... ترى القوم منها كالعصافير تنفرُ
فقل لسعود البدو يرتد خاسياً ... على عقبه إذ قد أتاه الغضنفرُ
أميرٌ له في كل نقعٍ وغارةٍ ... فعالٌ وأهوالٌ إلى الحشر تذكرُ
إذا ما غشا الأهوال وانقض واثباً ... على الجيش قالوا ما الدريد وعنترُ
له في الوغى للفتك باعٌ مشرّعٌ ... وساقٌ إلى خوض المنايا مشمّرُ
صبورٌ على الهيجاء إن طال هولها ... حزومٌ سديد الرأي رهطٌ مدبّرُ
ملا أرض هاتيك البحيرة جحفلاً ... عديداً مديداً واستعزّ المعسكرُ
وطاب بلقياه فؤاد وزيرنا ... فبات يذيع الحمد فيه ويشكرُ
ولما سرت أخباره للعدى نأت ... ومن بعد أن كانوا تدانوا تأخّروا
وفرّوا جزاعى من سطاه وهكذا ... جراد الفلا يُفني قواه السمرمرُ
وما حال هذا الحال إلا وأقبلت ... فرامين خنكارٍ تشير وتأمرُ
بعزل وزير الشام مع ضبط مالِه ... لأمر قضاه الله وهو المقدّرُ
وولّى سليمان الزمان مكانهُ ... ووافى له الحظ الشريف المقرَّرُ
وساد على تلك التخوم بأسرها ... ولم يبقَ فيها غيره من يدبّرُ
فقام مجدّاً نحوها في عزايمٍ ... تقدّ الجبال الشامخات وتفطرُ
وسار الأمير المنتخي في عساكرٍ ... غدا النصر يسري معهم أينما سروا
وصفَّ خيام الجيش من حول جلّق ... وعُدّ لخوض النقع عمرٌ وعنترُ
فأشعر والي أمرها في مصابه ... وفاجاه في أرض المزاريب منذرُ
فقام مُهماً طالباً دار جلّقٍ ... ومذ حلّ ناديها طغاه التكبّرُ
وأغراه للعصيان عظم عنادهِ ... ومَن يعصَ رب الملك هيهات ينصرُ
وبالغد وافى قاحماً ساحة الوغى ... ولم يدرِ إن الطالب الشر يخسرُ
وخاض الوغى بثلث آلاف فارس ... فظن بأن سطاهُ للقوم يكسرُ
ولم يدرِ إن الله في طيّ علمه ... له في الورى سرٌّ خفٍ ليس يُخبرُ
فلاقته فرسانُ المنايا مغيرةً ... نواخيذ أبطالٍ من الأسدِ أَجسرُ
بــــخــــمــــســــة آلافٍ رهوطٍ فوارسٍ ... لهم شاهدٌ في المعمعات التصبّرُ
تناديه صايلة على خيل ضمّر ... على الباغي الجبار الله أكبرُ
وثارت وغى والسيف قد قارع القنا ... وغطى الفريقين الغبار المكدّر
وتم المنى إذ فيئة الضد أدبرت ... وفي سهل دارياً الأعادي تقهقروا
هنالك كم قد كنت تلقى على الثرى ... مجاريحهم ملقاة والدم يفجرُ
فكم منهم زاحت وطاحت جماجمٌ ... كأوراق أشجار على الأرض تنثرُ
وفرساننا عدّوه عيداً وموسماً ... فباتوا بأعداهم يضحّوا وينحروا
فكم من كميٍّ جدّلوا بل وكم أتوا ... بخيلٍ وكم أسروا أسوداً وجنزروا
وتمّ لهم نصر من الله مقبلٌ ... بوجه أبي سعدى وفيه تبشروا
وولّوا العدى ووزيرهم كرّ راجعاً ... ذليلاً به حاق الأسى والتحيّرُ
ومن بعد خذلانٍ جرى فر هارباً ... من الشام واستولى عليه التحسّرُ
وجهّز أحمالاً من المال بادرت ... إلى نهبها أقوامه وهو مدبرُ
وسار بأنفارٍ قليل عديدها ... وبات إلى الأقفار يطوي وينشرُ
وراح وقيع البدو نزالة الفلا ... يروم من العربان نصراً ويؤثرُ
بهذا يجازى من يخاصم أميرنا ... ومن يسعى طرق البغي لا شك يعثرُ
وقد جاز للشام الوزير بموكب ... عظيم فخيم مثله ليس ينظرُ
وعم الملا صفوٌ ملا القطر فانجلى ... قتام البلا عنه وزال التكدّرُ
وبثّ على القطر البشير بشايراً ... لها زينوا أهل البلاد ونوّروا
وذاع الثنا لأميرنا الفاتح الذي ... له شيمٌ تعدادها ليس يحصرُ
وقول إذا ما فاه فيه لملتجٍ ... تزول الرواسي وهو لا يتغيّرُ
فكم يممته من جنوس عشاير ... فحازوا ونالوا منه ما قد تخيروا
وقــــرر أرباب الولايات كلها ... على حكمها والكل في ظله أنذروا
فللقاسم المفضال قد وُطد الولا ... وعادت جبيل فيه تزهو وتزهرُ
وقطر البقاع اعتزّ في وجه شبله ... خليل العلا ذاك الشهاب المنوّرُ
وإذ رام من بعد التمهد عودةً ... تجدّد فيها حادث وهو مخطرُ
عصاوة سردارٍ بداخل قلعة ... وتعصيب قومٍ من بنيها تجمهروا
وأغلق باب الحصن وارتاعت الورى ... من الهول واحتاط الوزير التفكرُ
وكاد يفاجي ذلك الأمن والصفا ... هياجٌ مريعٌ وارتجاجٌ مكدّرُ
ويفضي التصافي لألتباس مشاكلٍ ... وعقد رباطات عن الحل تعسرُ
فجرّد سيف العزم ذو الهمة التي ... تعالت وفيها قام للخطب يزجرُ
وحلّ بحسن الرأي ما كان مبرماً ... وطاع له منهم صغيرٌ وأكبرُ
وأخمد شرّاً كان لولاه يصطلي ... وهاب سطاه حين وافاه ينهرُ
وصار فتوحاً آخراً لأميرنا ... فذاع ثناه والورى فيه بشّروا
ومن بعد أن أطفى لظى كل فتنةٍ ... وغادر كلاً فيه يشدو ويشكرُ
تجلّى علينا من إشراق طلعةٍ ... من الكوكب الوضاح أبهى وأبهرُ
بيومٍ سعيدٍ فيه خلنا قلوبنا ... به عند بهجتها من الطير أطيرُ
وعاد لناديه عزيزاً مظفراً ... بنصرٍ وتأييد إلى البعث يذكرُ
وشرّف أوطاناً به طاب عيشها ... وأنشأ لها شأناً إلى الدهر يذخرُ
وأحيى إلى الأحياء جاهاً مخلداً ... بذكراه كم تطوى عصور وأدهرُ
وعبّق في الآفاق من طيب ذكره ... عبير ثناءٍ من شذا المسك أعطرُ
وباتت عيون العالمين قريرةً ... به والعلا مأمونة فيه تجبرُ
وولَّى الهنا للخلق أرخت كلها ... فوالوه حمداً مستديماً وكرروا
البحر والقافية
القصيدة على بحر الطويل. أكثر بحور الشعر العربي استعمالًا وأوسعها نَفَسًا، يصلح للأغراض الجادّة كالمدح والفخر والرثاء والحكمة.
تفعيلاته: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن.
القافية: رويّها حرف الراء، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- اثارته: ثأر: الثَّأْر والثُّؤْرَةُ: الذَّحْلُ. ابْنُ سِيدَهْ: الثَّأْرُ الطَّلَبُ بالدَّمِ، وَقِيلَ: الدَّمُ نَفْسَهُ، وَالْجَمْعُ أَثْآرٌ وآثارٌ، عَلَى الْقَلْبِ؛ حَكَاهُ يَعْقُوبُ. وَقِيلَ: الثَّأْرُ قاتلُ حَمِيمكَ، وَالِاسْمُ … (لسان العرب)
- البدو: (بَدَوَ) الْبَاءُ وَالدَّالُ وَالْوَاوُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ. يُقَالُ: بَدَا الشَّيْءُ يَبْدُو: إِذَا ظَهَرَ، فَهُوَ بَادٍ. وَسُمِّيَ خِلَافُ الْحَضَرِ بَدْوًا مِنْ هَذَا، لِأَنَّهُمْ فِي بَرَازٍ مِنَ … (مقاييس اللغة)
- الحجازي: حجز: الحَجْز: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، حَجَز بَيْنَهُمَا يَحْجُزُ حَجْزاً وحِجازَةً فاحْتَجَز؛ وَاسْمُ مَا فَصَلَ بَيْنَهُمَا: الحاجِزُ. الأَزهري: الحَجْز أَن يَحْجِز بَيْنَ مُقَاتِلَيْنِ، والحِجَاز الِاسْمُ، وَكَ … (لسان العرب)
- الحول: حول: الحَوْل: سَنَةٌ بأَسْرِها، والجمع أَحْوالٌ وحُوُولٌ وحُؤُولٌ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ. وحَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَوْلًا وحُؤُولًا: أَتَى. وأَحَالَ الشيءُ واحْتَالَ: أَتَى عَلَيْهِ حَوْلٌ كَامِلٌ؛ قَالَ رُؤْبَةُ: أَوْرَ … (لسان العرب)
- الطغيان: طغي: الأَزهري: اللَّيْثُ الطُّغْيانُ وطغو الطُّغْوانُ لغةٌ فِيهِ، والطَّغْوَى بِالْفَتْحِ مثلُه، والفِعْل طغو طَغَوْت وطَغَيْت، وَالِاسْمُ الطَّغْوَى. ابْنُ سِيدَهْ: طَغَى يَطْغى طَغْياً وطغو يَطْغُو طُغْياناً جاوَزَ الق … (لسان العرب)
- القباب: قبب: قَبَّ القومُ يَقِبُّون قَبّاً: صَخِبُوا فِي خُصومة أَو تَمَارٍ. وقَبَّ الأَسَدُ والفَحْلُ يَقِبُّ قَبّاً وقَبِيباً إِذا سَمِعْتَ قَعْقَعةَ أَنْيابه. وقَبَّ نابُ الْفَحْلِ والأَسَد قَبّاً وقَبِيباً كَذَلِكَ يُضيفُونه … (لسان العرب)
- انكروا: نكر: النُّكْرُ والنَّكْراءُ: الدَّهاءُ والفِطنة. وَرَجُلٌ نَكِرٌ ونَكُرٌ ونُكُرٌ ومُنْكَرٌ مِنْ قَوْمٍ مَناكِير: دَاهٍ فَطِنٌ؛ حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ. قَالَ ابْنُ جِنِّي: قُلْتُ لأَبي عَلِيٍّ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ: أَفنقول إ … (لسان العرب)