يا رعى الله الندامى والحمى
الشاعر: نقولا الترك الإسطمبولي · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر نقولا الترك الإسطمبولي، من العصر الحديث، وتقع في 147 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف السين.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
يا رعى الله الندامى والحمى ... وربى تلك المغاني الأنسِ
يا سقاها الله منه أنعما ... كم سقتنا صفو صافي الأكوسِ
آه واشــــوقــــي لأيــــام الوفــــا ... ولييلات التداني في الربوعْ
ولحلاَن التصابي والصفا ... خير قومٍ كم بهم لي من ولوعْ
لن ترى لي بعدهم طرفاً غفا ... لا ولا جفّت له فيهم دموعْ
بنت عنهم ويح قلبي كظما ... وتجرّعت من البين المسي
كأس بُعدٍ ذقت منه العلقما ... فسكرت سكرة المندمسِ
حبذا عصرٌ مضى بالقاهره ... وتقضى في هنأ عيشٍ رغيدْ
مــــع غيدٍ كنجومٍ زاهره ... وكبانات النقا لما تميدْ
وتــــلالي فــــلك أنــــسٍ سايره ... في مجاري ذلك النيل السعيدْ
واغــــنّ بــــالغنا إن رنَما ... كاد يسترجع روح المرمسِ
شــــجوهُ كلّم قلبي كلما ... قد شجا حَنَّ له الصخر القسي
بصدا العود لكم يجلي الصدا ... عن فؤادٍ قد تصدّى للشجنْ
أعــــرق العــــشــــاق لما رصدا ... نجم كأسٍ فوق حوض الماء رَنْ
فــــصــــبــــا الصــــبّ لصبّ وشدا ... داوِ داءَ البــــدن البالي بدَنْ
واجلِ بنت الكرم يا ابن الكرما ... فــــالنــــدامــــى بادرت للعرسِ
واسقني من يد معسول اللما ... خمرةً تحيي فؤاد المحتسي
أيها اللاحي خف اللهَ ودعْ ... فجناني في جنانٍ ورياضْ
حيث شمل الآل والصحب اجتمعْ ... كالثريا في سماء الارتياضْ
حيثما الدولاب كالصبّ همعْ ... منه دمعٌ فسقى تلك الغياضْ
حــــيّ نــــادِ حــــيّ رضــــوان ومــــا ... في حماه من جوارٍ كنّسِ
لا وذاك العيش لا أهوى حمى ... غيره لا والعيون النعّس
يا بكا طرفي على تلك الطلولْ ... لم يعد من بعدها في العين ضَوْ
هل ترى يجمع شملي وأقول ... يا ظما قلبي بروياها ترَوْ
هجر أحبابي كسا جسمي نحول ... ليــــت لو رقّــــوا لصبّ ليت لَوْ
أو وَلو بالوعد داووا سقما ... حــــاله حــــال عــــضــــول مويسِ
هامَ في حبهم مذ فطما ... مغرمٌ فيهم لقبض النفسِ
حلَّ بنيان اصطباري المنعقدْ ... غليانٌ من دموعي لا يطاقْ
وانسلي جسمي بنارٍ تتقدْ ... وطواني الوجد طاقاً فوق طاقْ
شامني الدولاب مسلوب الكبدْ ... فنعاني في أنينٍ منه راقْ
ليت لي جنحين أنجو فيهما ... من يد البين القسي الشرسِ
مكتفٍ موقد شوقٍ أضرما ... وبنيران القلا لم أحسسِ
يا لقومٍ بعدهم أورثني ... عللاً حار بها الآسي الخبيرْ
احرموا طرفي لذيذ الوسنِ ... وأثاروا في الحشا نار السعيرْ
ودعوني فوق جمر الشجنِ ... أتلظى وسهيلٌ لي سميرْ
ودموعي الهمل تحكي الديما ... في مجاري سيلها المنبجسِ
كلما كفكفت دمعي انسجما ... أو عز الشوق لعيني اكبسي
خلِّ يا خلّي خليّاً في الهوى ... واعذر الهايم فالعشق جنونْ
بلّغ الأحباب عن فعل النوى ... بي وعن تقريح قلبي والجفونْ
صف لهم ما في فؤادي من جوى ... وبما ضمّت ضلوعي من شجونْ
قل لقد غادرتهُ قد عُدما ... بعدكم لذة طيب النعسِ
وغدا يجري المدامع عَندَما ... أو كراحٍ عتٌّقتها العسسِ
بأبي كل رشا منهم ربيبْ ... يسحر الألباب بالنجل الكحالْ
وبها يصمي ويرمي فيصيبْ ... مُهج العشاق في تلك النبالْ
يسطو باللحظ وبالقد الرطيبْ ... ويغازي لا بعضب وعَوالْ
شامه الغصن انثنى فاحتشما ... إذ رآه فـــــاقـــــه بــــالمــــيــــسِ
فيه موتي وحياتي قسما ... بـــــيـــــن لحــــظ ورضــــاب العــــسِ
غزل ثوب السقم لي من ذا الرشا ... غزل عينٍ طاب فيها الغزلُ
كبدي ملك يديه والحشا ... شــــة مــــرعى وفؤادي منزلُ
فدعوا العاذل يوشي ما يشا ... فــــبقلبي ملكٌ لا يعزلُ
لولا رق الخصر منه حكما ... بانطلاق المدمع المنحبسِ
جــــار جوري ورد خديهِ وما ... أبقى في هذا الورى من أنفسِ
حبذا مصرٌ وذاك الكوثرُ ... ماله قط شبيهٌ أو مثيلْ
طعمه كالشهد لا بل أفخرُ ... جرعةٌ من مايه تحيي العليلْ
من رُبى الفردوس وافى يخطر ... في أراضٍ صانها المولى الجليلْ
قستها في كلما تحت السما ... مــــــن ريــــــاضٍ ويــــــادرٍ أنــــــسِ
فاستوى مقياسها واستحكما ... وانجلى البرهان للملتبسِ
يالها من كُرّةٍ شمس العلومْ ... ليس إلاَّ من سناها تطلعُ
خيرها الطامي على الدنيا عمومْ ... وإلى العــــالم طــــرّاً يــــشبعُ
ما دنت أبوابها قط الغمومْ ... لا ولا للكرب فيها موضعُ
كم ترى منها لبيباً قيّما ... يفحم الجمع بذاك النفسِ
كــــلما فوّض للنطق فما ... بات سحبان الورى في خرسِ
مربضٌ للأسد كم ينشى بها ... من صناديدٍ وأبطالٍ شدادْ
لن يرى في شرقها أو غربها ... مثل فرسان حماها في الجلادْ
نعم بكر صوّنت من ربها ... كلمن رام لها سوءاً يبادْ
حرّةٌ قاهرةٌ ما اغتنما ... مجدها غير النخي الحمسِ
لا ولا يرفع عنها علما ... سوى ذي البطش الشديد الهوسِ
كلمن شام معاني حسنها ... هام فيها صبوةً واعتلقا
واكتفى في حبها عن دونها ... وتمنّى القرب منها للقا
من ترى يسلو مباهي أمنها ... غير من للجبل السامي ارتقى
طود لبنان الذي قد عُصما ... أمــــنــــه عــــن خــــلل أو خسسِ
وإليه تجذب الخلق كما ... يجذب المريخ بالمغنطسِ
مرتعٌ كم فيه أسدٌ كامنهْ ... يختشي صولتها دانٍ وقاصْ
في سما أوج المعالي قاطنهْ ... دايــــســــاتٍ كل جبَّارٍ وعاصْ
رابضات في صفاها آمنَهْ ... هايماتٍ لافتراس واقتناصْ
قاهراتٍ للبغاة الليما ... ظافراتٍ في العداة الخنسِ
مشهراتٍ سيف بطش في دما ... كل عاتٍ مفترٍ منغمسِ
كــــم حوى من آل فضلٍ وأدبْ ... وأولي فــــهــــم وحــــزمٍ وحــــجــــى
وذوي قـــــدرٍ رفـــــيــــع ونــــســــبْ ... خير قومٍ في حماهم يلتجى
كلمن في الدين والدنيا طلب ... راحةً فيه ينال الفرجا
مضمر السوء عليه ندما ... وبعون الله عنه قد خُسي
وجميع الأرض طراً ربما ... تلتقي الهول وذا في خرسِ
حبذا الكثبان منه والرُبى ... والربيع الغضّ لما أن يموجْ
كم يعود الكهل منه للصبا ... كلما استنشق معطار المروجْ
بل وكم كادت به ريح الصبا ... تسترد الروح من بعد الخروجْ
يالها جنَّات أنسٍ كم نما ... فيها من غصنِ رطيبٍ أميسِ
كلما هبّت نسيم رنّما ... غضِّيــ طرفاً يا عيون النرجسِ
فوقه البلبل لمّا يصدحُ ... يشرح البال ويحيي كل بالْ
يذهب البلبال عمّن قد نحوا ... نحو مغنى مصرفٍ جمع الوبالْ
كلما المنطق منه يفصحُ ... رقص الأغصان تيهاً ودلالْ
فيناجيه هزارٌ ترجما ... ألا يا شحرور معنا جِنّسِ
ما ترى المنثور كيف انتظما ... وتــــوشّــــى حــــللاً مــــن سندسِ
وأقاح الروض قد شق الكمامْ ... وتــــجــــلّى مــــبــــدراً أقمارهُ
وحلا للياسمين الاحتشامْ ... فـــــتـــــبـــــدى نـــــاشــــراً أزارهُ
وعبير الورد في مرج الخزامْ ... بات يشدو مورداً أخبارهُ
صبّح الطلَّ الربى فابتسما ... مضعف الأزهار بعد العبسِ
والصبا مرَّ عليها سلّما ... فأجابت بانحناء الأروسِ
حبذا الزنبق لما اعتدلا ... قده إذ شمّر الساق الأنيقْ
واكتسى تاج لجين خوّلا ... رونقاً مذ عمّه غار الشقيقْ
وتــــلالى كــــكــــؤوس قــــد حــــلا ... زعفران الزهر فيها كالرحيقْ
شامها النمَّام تجلى زعما ... قامت الفتنة في ذا المجلسِ
فشدا النسرين مَهْ نمَّام ما ... أنــــــت إلاَّ عــــــلّة للســــــجــــــسِ
وكذ الأطيار من كلّ كثيب ... أنشدت في الصبح حياً للفلاحْ
وشدا القمري ثم العندليب ... طاب يا عشاق أنس الاصطباحْ
وأنيس الروض في الفن العجيب ... إذ تغنّى بسّم السن فصاحْ
يا هنأ عيش الذي مذ يمّما ... نحو هذا المعلم المؤتنسِ
واجتلى كأساً ملياً مفعما ... صــــرف راحٍ نــــزّهــــت عــــن دنــــسِ
جل وجُب أين تشا فيه ترى ... كوثراً يجري بجنات النعيمْ
وربيعاً مخصباً منتشرا ... عرفه الزاكي الشذا يبري السقيمْ
فيه كم تلقى غصيناً نضرا ... فوقه الطير ينادي يا كريمْ
أيد اللهمَّ تاج العظما ... صاحب العز الوطيد المحرسِ
ذلك المفضال فخر الكرما ... وغياث السايل الملتمسِ
الشهابيُّ الأميرُ العادلُ ... والبشير المرتجى للعالمينْ
منهل الجود الكريم الباذلُ ... بالسخاء المنصر الحق المبينْ
مهد الطرق فقال القايلُ ... أدخلوها بسلامٍ آمنينْ
واجتنى نعم الثنا واغتنما ... أجر بنيان الجسور الدّرسِ
وسدا سدواً حميداً محكما ... فيه أحيي ذكر يوستنيانسِ
يالهُ من سيد قد بلغا ... رتباً لم ترقها قط ولاةْ
كل أرباب النهى والبلغا ... في بها أوصافه منذهلاتْ
عنتريٌّ في ميادين الوغا ... حاتميٌّ بالعطايا والصلاتْ
ما أتى الدهر بمولى فخّما ... مثله تخت الفخار الأنسِ
وسواه ما رأينا شهما ... لا ولا بين الملوك الفرسِ
فــــاخــــرت في عمر آلِ امَيّ ... ة واعتزّت به في عصرها
وكذا شهب المعالي يا أخيّ ... بأبي سعدى سمت في قدرها
ذو أيــــادٍ لو تــــراها آل طي ... ما روت عن حاتمٍ في نشرها
فاق في الأخلاق هاروناً وما ... مونه خير ملوك العبّسِ
وعزيز الفاطميين وما ... قــــام مــــن كــــل عــــزيزٍ ريسِ
وحكى العادل محمود الشيمْ ... وصلاح الدين ذا الفضل المذاعْ
من بني الأيوب أرباب الحكمْ ... وذوي السلطات والأمر المطاعْ
وتباهى بين عربٍ وعجمْ ... في بها تلك المزايا والطباعْ
وعلا البدر كمالاً وسما ... إذ تبدّى بالرقيع الأطلسِ
وروى لمــــا أرانا الهمما ... عن سطا الظاهرِ فخر الشركسِ
كــــــــــل دور دار لا بــــــــــدّ لهُ ... من عزيزٍ والفتى الحرّ عزيزْ
كأمير العصر لا ندّ لهُ ... في الورى سبحانه المعطي المجيزْ
فسليم الدهر كم عدّ لهُ ... في بني عثمان من فضلٍ حريزْ
وفتوحات بها الملك سما ... ســــؤدداً للبــــعــــث لم يندرسِ
هكذا المولى امام العظما ... شرّف الأصل الزكيّ المغرس
باهت الأحكام فيه والولا ... وغـــــدا كـــــلٌّ له صـــــاغ رضـــــوخْ
وعــــــلا الآخــــــر ثــــــم الأوّلا ... من بني معنٍ ومن آل تنوخْ
كم علا للقطر منه خوّلا ... مذ تولى تخت لبنان الرسوخْ
ساد فخر الدين قدماً إنما ... بالشهاب المستضي لم يقسِ
قل لشاكٍ جور دهرٍ دهما ... هاك نوراً فاستتر واقتبس
وطل المدح وقل يا من مَلَكْ ... كلما فيه الثنا والحمد طابْ
أنت بين الخَلق بالخُلق ملَكْ ... وببطش الخلق ريبالٌ مهابْ
فــــلك الســــعــــد إذا دار فــــلكْ ... ولماضيك الفرى تُحنى الرقابْ
عبدك الترك شدا إذ ختما ... بك توشيح المديح الأنفسِ
خلَّد الله عليك النعما ... ما تجلّت أنجمٌ في حندسِ
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف السين، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من مقاييس اللغة، لسان العرب:
- التداني: (دَنَى) الدَّالُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يُقَاسُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ، وَهُوَ الْمُقَارَبَةُ. وَمِنْ ذَلِكَ الدَّنِيُّ، وَهُوَ الْقَرِيبُ، مِنْ دَنَا يَدْنُو. وَسُمِّيَتِ الدُّنْيَا لِدُنُوِّه … (مقاييس اللغة)
- الربوع: ربع: الأَربعة والأَربعون مِنَ الْعَدَدِ: مَعْرُوفٌ. والأَربعة فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ والأَربع فِي عَدَدِ الْمُؤَنَّثِ، والأَربعون بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، وَلَا يَجُوزُ فِي أَربعينَ أَربعينُ كَمَا جَازَ فِي فِلَسْطِينَ وَب … (لسان العرب)
- المسي: (مَسَيَ) الْمِيمُ وَالسِّينُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ كَلِمَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ جِدًّا. الْأُولَى زَمَانٌ مِنَ الْأَزْمِنَةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِصْبَاحِ. يُقَالُ أَصْبَحْنَا وَأَمْسَيْنَا، وَأَتَانَا لِمُسْيِ خَامِسَ … (مقاييس اللغة)
- المغاني: (غَنِيَ) الْغَيْنُ وَالنُّونُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلَانِ صَحِيحَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَالْآخَرُ صَوْتٌ. فَالْأَوَّلُ الْغِنَى فِي الْمَالِ. يُقَالُ: غَنِيَ يَغْنَى غِنًى. وَالْغَنَاءُ بِفَ … (مقاييس اللغة)
- بالقاهره: قهر: القَهْرُ: الغَلَبة والأَخذ مِنْ فَوْقَ. والقَهَّارُ: مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ الأَزهري: وَاللَّهُ القاهرُ القَهّار، قَهَرَ خَلْقَه بِسُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ وصَرَّفهم عَلَى مَا أَراد طَوْعًا وَكَرْ … (لسان العرب)
- رغيد: رغد: عَيْشٌ رغْد: كَثِيرٌ. وَعَيْشٌ رَغَد ورَغِدٌ ورغِيد وراغِد وأَرغدُ؛ الأَخيرة عَنِ اللِّحْيَانِيِّ: مُخْصِبٌ رفِيهٌ غَزِيرٌ. قَالَ أَبو بَكْرٍ: فِي الرَّغْد لُغَتَانِ: رَغْد ورَغَد؛ وأَنشد: فَيَا ظَبْيُ كُلْ رَغْداً … (لسان العرب)