أقسمَتْ لا يَعْصِ جبَّارٌ هواها
الشاعر: علي محمود طه · البحر: الرمل
هذه القصيدة من شعر علي محمود طه، من العصر الحديث، وتقع في 86 بيتًا. نُظمت على بحر الرمل، ورويّها حرف الألف.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
أقسمَتْ لا يَعْصِ جبَّارٌ هواها ... أبَدَ الدهرِ وإنْ كان إلها
لا ولا أفلَتَ منها فاتنٌ ... قرَّبَتْهُ واحتوتهُ قبضتاها
قِيلَ عنها إنّها ساحرةٌ ... تتحدَّى سطوةَ الجنِّ سُطاها
وعجوزٌ بالصِّبا موعودةٌ ... وبعمرِ الدهر موعودٌ صباها
حَذِقَتْ عِلمَ الأوالي ووعتْ ... قصصَ الحبِّ ومأثورَ لغاها
قِيلَ لا يُذهِبُ عنها كيدَها ... غيرُ شيطانٍ ولا يمحو رُقاها
ورووا عنها أحاديثَ هوىً ... آثمٍ يُغرِبُ فيها من رواها
وأساطيرَ ليالٍ صُبِغَتْ ... بدماءٍ سفكتهنَّ يداها
يذكرُ الركبانُ عنها أنّها ... سرقتْ من كل حسناءَ فتاها
وقتيلٌ بين عينيْ زوجه ... كلُّ معشوقٍ دَعتهُ فعصاها
كلما التذّتْ وصالاً من فتىً ... سحرَتهُ وهو في حِضنِ هواها
واحتوتهُ في أصيصٍ زهرةً ... يسرِقُ الأنفاسَ من طيب شذاها
زهراتٌ مثَّلتْ عشّاقها ... بعيونٍ غرِقاتٍ في كراها
فإذا ما الليلُ أرخى سِتره ... أطلقَتْ أشباحَهم في منتداها
مُهَجا خفّاقة ملتاعةً ... وعيوناً ظامئاتٍ وشفاها
تستعيد الأمسَ في لذاتها ... ولياليها وأشواقِ رُؤاها
تتلوّى بينهم مشبوبةً ... شهوةً يلتهمُ الليلَ لظاها
عبرَ الشيطانُ يوماً أُفقَها ... فرأى ثمَّ فنوناً ما رآها
أيُّ وادٍ رائعٍ أحـــــــــجـــــــــارُهُ ... تحذر الرّيحُ عليهنّ سُراها
أيُّ قصرٍ باذخٍ في قمّةٍ ... تحسَبُ الأنجمَ من بعض ذُراها
ودروبٍ حــــولهــــا مــــلتــــفّــــةٍ ... كأفاعٍ سُمِّرتْ في منحناها
وبــــــروجٍ لحــــــمـــــامٍ زاجـــــلٍ ... هو بالأقدارِ يهفو من كُواها
ظنَّها من عبقرٍ ناحيةً ... أخطأتْ عيناهُ بالأمس صُواها
فهوى من حالقٍ يرتادُها ... طُرقاتٍ زخرفَ الفنُّ حصاها
ورنا حيث رنا فاهتاجه ... منظرُ الزَّهر الذي زان رباها
أُصص من ذَهَبٍ تحسبُها ... بعثرتْ فيها الدراريُّ سناها
كلما مَسُّتْ يداه زهرةً ... عطفَتهُ لقطافٍ شفتاها
فجنَى ما شاءَ حتى لم يَدَعْ ... في أصيصٍ زهرةً إلَّا جناها
وانتشى من عطرها فانتثرتْ ... مثل حبَّاتٍ من الماس يراها
عجباً ما لمستْ غيرَ الثرى ... أيُّ نورٍ شاعَ فيها فزهاها
نظرةٌ أو خطرةٌ واختلجتْ ... فعرتهُ هِزّةٌ مما عراها
واستحالت بين عينيه دُمىً ... حيَّةً تستبقُ البابَ خطاها
فُكَّ عنها السحرُ فارتدتْ إلى ... عالم الحسِّ وخفّتْ قدماها
ورنا الشيطانُ في آثارها ... سابحاً في دهشةٍ طال مداها
يا لها كيف استقرت ثم فرّت ... لحظة مرت ولكن ما وعاها
ودنا الليلُ ورنّتْ صدحةٌ ... نبّهته حين لا يبغي انتباها
فــــــإذا مــــــائدةٌ حـــــافـــــلةٌ ... بالأباريقِ ترامى طرفاها
ملؤها الخمرةُ نوراً وشذاً ... نَسَمَتْ وائتلقتْ فخَّارتاها
وصحافٍ كتهاويلِ الرؤى ... تجد الأنفسُ فيها مُشتهاها
وإذا مــــقصورةٌ من حوله ... خالها تَنبضُ بالرُّوح دُماها
وقفت غانيةٌ في بابها ... قد تعرَّت غيرَ فضلٍ من حُلاها
يا لها من فتنةٍ قد صُوّرَتْ ... في قوام امرأةٍ راع صباها
طلعتْ في هالةٍ من خُضرةٍ ... وعيونٍ يترقرقن مياها
ثم نادتْ يا أحبَّايَ انهضوا ... واغنموا الليلةَ حتى منتهاها
وتلاشى الصوتُ لا رجعَ صدىً ... لا ولا ثمَّ مُجيبٌ لنداها
فعرتها رِعدةٌ فالتفتتْ ... فرأتْهُ فتلقّاها وِجاها
أبصرتْ وجهاً كوجه المسْخِ لم ... يَتَقنَّعْ شاهَ هذا الوجهُ شاها
ورأت كفَّيهِ يَندى منهما ... أرَجُ الزَّهر فأجَّتْ نظرتاها
عرفتْ ما اجترحتهُ يدُهُ ... أو لا يعرفُ من داسَ حماها
يا لهذا المسخ دَوّتْ ومَشَتْ ... صيحةٌ ينذر بالويل صداها
فانثنى الشيطانُ عنها صارخاً ... أتراها تتحدَّى من تُراها
فبَدتْ في شفتيها آيةٌ ... من مُبين السِّحر أو ما فمحاها
فَدَنَتْ ترمقهُ فاختلجتْ ... عينهُ حين أشارتْ بعصاها
بُدِّلتْ تلك العصا جمجمةً ... رِيعَ لمّا شرَعتها فاتقاها
هيَ من مَلْكةِ جِنٍّ من تُصِبْ ... يخترمهُ بالمنايا محجراها
فتنحّى غاضباً مبتئساً ... وتنحَّتْ والأسى يُلجِمُ فاها
وسجى بينهما الصمتُ الذي ... يتغَشّى الأرضَ إن حان رداها
والتقتْ عيناهما فاستروحا ... راحةً من قبلها ما عرفاها
عرفتْ من هو فاستخذتْ له ... ورأى من هي فاستحيا قُواها
قال أختاهُ اغفري لي نظرةً ... إشتهتْ كلَّ جمالٍ واشتهاها
واغــــفري لي شِرَّةً عارمةً ... في دمي لو أتأبَّى ما أباها
يا لهذا الدم ما عنصرُهُ ... كلُّ ما في النار من وَقْدِ لظاها
فأجابتْ زهراتي رُدَّها ... إنْ تَقُلْ حقاً ولا تبغ أذاها
قــــال لا أذكــــر إلا حُلُماً ... لحظةً ضلَّ بها عقلي وتاها
أهيَ جِسمٌ أهي روحٌ إن تكنْ ... لا يَردُّ الروحَ إلا من براها
فأحسَّتْ هول ما يجهلهُ ... فاستحت منه وأغضَى ناظراها
صاحَ غفرانُكِ لا تبتئسي ... أطلبي ما شئتِ منِّي ما خلاها
أأنا من تتخَطّى قدَمي ... مَسبحَ الشمس فيربدُّ ضحاها
أأنا من يطفئُ النجمَ فمي ... وأردُّ الأرضَ غرقى في دُجاها
وتمسُّ القممَ الشمَّ يدي ... فيُرى منحدِراً لي مُرتقاها
وأجيءُ الأرضَ من محورها ... فإذا بي يتدانى قطباها
وأصدُّ الريحَ عن وجهتها ... فتجوبُ الكونَ لا تدري اتّجاها
أأراني عاجزاً عن دركِ ما ... تتمنَّى امرأةٌ عزّت مناها
آهِ ما أضعفَ سلطاني وما ... كنتُ إلَّا بغروري أتباهى
قــــالت الآن ســــلامــــاً زائري ... ورِضى نفسي إن رُمْتَ رضاها
أيها الشيطانُ ما أعظم ما ... قُلْتَهُ ما قُلتَ لغواً أو سفاها
زهراتي تلك ما كانت سوى ... شهواتٍ جسميَ الطاغي نماها
قهرتني واستذلّتني بها ... غيرَةٌ ينهشُ قلبي عقرباها
وأنانيةُ أنثى لم تُطِقْ ... فاتناً تملكهُ أنثى سواها
قد صَنَعْت الحقَّ قد عاقبتني ... فارحمِ المرأةَ في ذُلِّ هواها
فدنا منها فألفتْ وجههُ ... غير ما كانَ لقد ألفَتْ أخاها
قرّبتْ بينهما روحُ الأسى ... فاجتبتهُ بعدَ حِقد واجتباها
واستهلّت دمعةٌ منْ عينها ... دمعةٌ رفّتْ وشفّتْ قطرتاها
ضُــــمِّنــــتْ كلّ عذاب وضنىً ... كلَّ ما في النفس من بثِّ أساها
ورآهــــا فتندّتْ عينهُ ... رحمةً فاحتال يُخفي من بُكاها
وبكى الشيطانُ يا لامرأةٍ ... أبكتِ الشيطانَ لمَّاـ أنْ رآها
البحر والقافية
القصيدة على بحر الرمل. بحر رقيق حزين النَّفَس، يناسب الرثاء والشكوى ومواضع الرقّة.
تفعيلاته: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن.
القافية: رويّها حرف الألف، قصائد أخرى على القافية نفسها.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، الصحاح:
- بالصبا: صبأ: الصابِئون: قَوْمٌ يَزعُمون أَنهم عَلَى دِينِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَذِبِهِمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: جنسٌ مِنْ أَهل الْكِتَابِ وقِبْلَتُهم مِنْ مَهَبِّ الشَّمال عِنْدَ مُنْتَصَف النَّهَارِ. التَّهْذِيبُ، اللَّيْ … (لسان العرب)
- بدماء: الدَمُ أصله دَمَوٌ بالتحريك، وإنما قالوا دَميَ يَدْمى لحال الكسرة التي قبل الياء، كما قالوا رَضيَ يَرْضى وهو من الرضوان. قال الشاعر: فلو أَنَّا على حجرٍ ذُبِحْنا * جَرى الدَمَيانِ بالخبر اليقين [[قبله: لعمرك إننى وأبا رب … (الصحاح)
- حذقت: حذق: الحِذْقُ والحَذاقةُ: المَهارة فِي كُلِّ عَمَلٍ، حذَق الشيءَ يَحْذِقُه وحَذِقَه حَذْقاً وحِذْقاً وحَذاقاً وحِذاقاً وحَذاقة وحِذاقة، فَهُوَ حَاذِقٌ مِنْ قَوْمٍ حُذَّاق. الأَزهري: تَقُولُ حَذَق وحَذِق فِي عَمَلِهِ يَحْ … (لسان العرب)
- رقاها: رقأ: رَقَأَتِ الدَّمْعَةُ تَرْقَأُ رقْأً ورُقُوءًا: جَفَّتْ وانْقَطَعَتْ. وَرَقَأَ الدمُ والعِرْقُ يَرْقَأُ رَقْأً ورُقُوءًا: ارتفَع، والعِرْقُ سَكَنَ وانْقَطَع. وأَرْقَأَهُ هُوَ وأَرْقَأَهُ اللَّهُ: سَكَّنه. وَرَوَى الْ … (لسان العرب)
- رواها: روأ: روَّأَ فِي الأَمرِ تَرْوِئةً وتَرْوِيئاً: نَظَرَ فِيهِ وتَعَقَّبه وَلَمْ يَعْجَلْ بِجَواب. وَهِيَ الرَّوِيئةُ، وَقِيلَ إِنما هِيَ الرَّوِيَّةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، ثُمَّ قَالُوا رَوَّأَ، فَهَمَزُوهُ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ … (لسان العرب)
- سطاها: سطأ: ابْنُ الْفَرَجِ: سَمِعْتُ الباهِليِّينَ يَقُولُونَ: سَطأَ الرجلُ المرأَة ومَطَأَها، بِالْهَمْزِ، أَي وَطِئها. قَالَ أَبو مَنْصُورٍ: وشَطَأَها، بِالشِّينِ، بِهَذَا الْمَعْنَى، لغة. (لسان العرب)
- سفكتهن: سفك: السَّفْكُ: صَبُّ الدَّمِ ونَثْرُ الْكَلَامِ. وسَفَك الدمَ والدمعَ والماءَ يَسْفِكُه سَفْكاً، فَهُوَ مَسْفوك وسَفِيك: صَبَّهُ وهَراقَه، وكأَنه بِالدَّمِ أَخص. وَفِي الْحَدِيثِ: أَن يَسْفكُوا دماءَهم؛ السَّفْك: الإِرا … (لسان العرب)
- صباها: صبأ: الصابِئون: قَوْمٌ يَزعُمون أَنهم عَلَى دِينِ نُوحٍ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِكَذِبِهِمْ. وَفِي الصِّحَاحِ: جنسٌ مِنْ أَهل الْكِتَابِ وقِبْلَتُهم مِنْ مَهَبِّ الشَّمال عِنْدَ مُنْتَصَف النَّهَارِ. التَّهْذِيبُ، اللَّيْ … (لسان العرب)