تعاليتَ من فاتحِ خاتمِ
الشاعر: حيدر الحلي · البحر: المتقارب · الغرض: قصيدة دينية
هذه القصيدة من شعر حيدر الحلي، من العصر الحديث، وتقع في 80 بيتًا. نُظمت على بحر المتقارب، وغرضها قصيدة دينية.
وفي هذه الصفحة نصّ القصيدة كاملًا، مع تحليلٍ عروضيّ آليّ لكلّ بيت (البحر والتفعيلات والتقطيع والقافية)، ومعاني الألفاظ الغريبة من المعاجم الكلاسيكية، وشروح القرّاء.
تعاليتَ من فاتحِ خاتمِ ... عليمٍ بما كانَ مِن عالمِ
فيا صفوةَ اللهِ من هاشمِ ... تـــــــخـــــــيَّرك اللهُ مــــــن آدمِ
وآدمُ لولاكَ لم يُـــــــــخـــــــــلقِ ... بك الكونُ آنَسَ منهُ مجيئا
وفيكَ غدا لا بهِ مُستضيئا ... لأنَّكــ مذ جاءَ طَلقاً وضيئا
بجبهتِه كنت نوراً مُضيئا ... كما ضاءَ تاجٌ على مِفرَقِ
فمِن أجلِ نورِك قد قَرَّبا ... إلهُ السما آدماً واجتبى
نعم والسجودَ له أوجَبا ... لذلك إبـــــليـــــسُ لمَّاــــ أبــــى
سجوداً له بعدَ طَردٍ شُقي ... وســــاعةَ أغراهُ في إفكِه
بأكلِ الذي خُصَّ في تَركِه ... عصى فنجى بك من هُلكِه
ومَع نوح إذ كنتَ في فُلكِه ... نجى وبمَن فيه لم يَغرقِ
وسارةُ في ظلِّك المُستطيل ... غداةَ غدا حملُها مستَحيل
بإسحاقَ بشَّرها جبرئيل ... وخلّل نورُك صلبَ الخليل
فباتَ وبالنارِ لم يُحرَقِ ... حُملتَ بصلبِ أمينٍ أمين
إلى أن بُعثتَ رسولاً مُبين ... وهل كيفُ تُحمَلُ في المشركين
ومنكَ التقلُّبُ في الساجدين ... به الذكرُ أفصحَ بالمَنطِقِ
بَراكَ المهيمنُ إذ لا سماء ... ولا أرضَ مدحوَّةً ولا فضاء
ومُذ خُلقَ الخلقُ والأنبياء ... سواكَ من الرسلِ في إيلياء
مع الروحِ والجسمِ لم يلتقِ ... وكـــــلٌّ رأى اللهُ لم يُـــــجــــذِه
عُــــلاكَ وعــــلمَــــكَ لم يُغذِه ... فنزَّه عهدَك عن نبذِه
فجئت من اللهِ في أَخذِه ... لك العهدَ منهُم على موثقِ
صدعتَ به والورى في عماء ... فحقَّتـ بمجدِك جُندُ السماء
ورفَّ عــــليــــكَ لواءُ الثناء ... وفي الحشرِ للحمدِ ذاكَ اللواء
على غيرِ رأسك لم يخفقِ ... وحينَ عرجتَ لأسنا مُقام
وأدناكَ منهُ إِلهُ الأنام ... أصبتَ بمرقاكَ أعلى المرام
وعن غرضِ القربِ منك السهام ... لدى قاب قوسين لم تَمرقِ
وقِدماً بنورِك لمَّاــ أضاء ... رأت ظلمةُ العدمِ الانجلاء
فمِن فضلِ ضوئك كانَ الضياء ... لقد رَمَقت بك عينُ العماء
وفي غيرِ نورِك لم تَرمُقِ ... أضاءَ سناكَ لها مُبرِقا
وقابل مرآتَها مُشرِقا ... إلى أن أشاعَ لها رَونَقا
فكنتَ لمرآتِها زَيبقَا ... وصفوُ المرايا مِن الزَيبقِ
بك الأرضُ مُدَّت ليوم الورود ... وأضحت عليها الرواسي رُكود
وسقفُ السما شِيدَ لا في عَمود ... فلولاكَ لا نطمَّ هذا الوُجود
مِن العدمِ المحض في مُطبِق ... ولولاكَ ما كانَ خلقٌ يَعود
لذات النعيمِ وذات الوَقود ... ولا بهما ذاقَ طعمَ الخُلود
ولا شــــــمَّ رائحـــــةً للوجـــــود ... وجودٌ بعرنينِ مُستنشِق
ولو لم تــــــجـــــدك لمـــــولودِه ... أبــــاً أمُّ أركــــانِ مــــوجــــودِه
إذاً عَــــقُمت دونَ توليدِه ... ولولاكَ طـــــفـــــلُ مــــواليــــده
بحجرِ العناصرِ لم يَبغَقِ ... ولولاكَ ثوبُ الدجى ما انسدل
ونورُ سراجِ الضحى ما اشتعل ... ولولاك غيثُ السما ما نزل
ولولاك رتقُ السموات والأراضي ... لك اللهُ لم يــــــــفــــــــتــــــــقِ
ففيك السماءَ علينا بَنى ... وذي الأرضَ مدَّ فراشاً لنا
فلولاك ما انخَفَضت تحتنا ... ولولاك ما رفعَت فوقنا
يدُ الله فسطاطَ إستبرق ... ولا كــــــــــــانَ مــــــــــــن ولوج
لغيثٍ تحمَّلــ ماءً يموج ... ولا انتظمَ الأرض ذات الفروج
ولا نَثرت كفُّ ذات البروج ... دنانيرَ في لوحِها الأزرق
ولا سيَّر الشهبَ ذات الضياء ... بنهرِ المجرَّةِ ربُّ العَلاء
ولا يُنش نوتيُّ زنجِ المَساء ... ولا طافَ من فوقِ موج السماء
هـــــلالٌ تـــــقـــــوَّس كـــــالزورقِ ... ولولاك وشيُ الرياض اضمحل
ولا طرَّز الطلُّ منه حُلَل ... وفيهنَّ جسمُ الثرى ما اشتمَل
ولولاك ما كلَّلت وجنة البسيطة ... أيــــدي الحــــيــــا المُــــغــــدقِ
ولولاك ما فلَّت الغاديات ... بأنملِ قطرٍ نواصي الفَلاة
ولا الرعدُ ناغى جنينَ العضات ... ولا كَست السحبُ طفل النبات
من اللؤلؤِ الرطبِ في بُخنُق ... ولا صدغُ آسٍ بدا في رُبى
على وردِ خدٍّ غدا مُذهبا ... ولا رنَّحت قدَّ غصنٍ صَبا
ولا اختالَ نبتُ رُبًى في قبا ... ولا راحَ يَرفُل في قرطَقِ
أفضتَ نطافَ نَدًى دافِقات ... بها اخضرَّ غَرسُ رَجا الكائنات
فلولاك ما سالَ وادي الهبات ... ولولاك غصن نَقى المكرمات
وحـــــقِّ أيـــــاديــــك لم يُــــورِق ... لك الأرضَ أَنشأَ علاَّمها
وقد نُصبت لك أعلامُها ... فلولاك لم ينخفِض هامُها
وسبعُ السمواتِ أجرامُها ... لغيرِ عروجِك لم تُخرَق
ولولاك يُــــونسُ ما خُلِّصا ... من الحوتِ حين دعا مُخلِصا
وعيسى لما أبرءَ الأبرصا ... ولولاك مُثعنجرٌ بالعصا
لموسى بن عمرانَ لم يُفلق ... ولا يومُ حربٍ على الشركِ فاظ
بسيفِ هدًى مستطيرَ الشُواظ ... ولا أنفس الكفر أضحت تفاظ
ولولاك سوقُ عكاظِ الحفاظ ... على حوزة الدين لم يُنفُق
بحبلِ الهدى كم رقابٍ رَبَقت ... وكم لبني الشركِ هاماً فَلَقت
وكم في العُروج حجاباً خرقت ... وأسرى بك اللهُ حتَّى طرقت
طرائقَ بالوهمِ لم تُطرَق ... لقد كنتَ حيثُ يَحيرُ العقول
بشأوِ عُلًى ما إليه وصول ... فــــأنــــزلك اللهُ هادٍ رسول
ورقَّاكَ مولاك بعد النزول ... على رفرفٍ حُفَّ بالنَمرق
لك اللهُ أنشأ من الأُمهات ... كرائم ما مثلها مُحصنات
ومذ زُوِّجت بالكرامِ الهداة ... بمثلك أرحامُها الطاهرات
مِن النُطفِ الغرّ لم تَعلُق ... لحقتَ وإن كنت لم تَعنِق
بشأوٍ به الرسلُ لم تعلِق ... وأحرزتَ قِدماً مدى الأسبق
فيا لاحقاً قطُّ لم يُسبَق ... ويا سابقاً قطُّ لم يلحق
خُلقتَ لدين الهُدى باسطاً ... لنا وبأَحكامه قاسِطا
وحيثُ صعدتَ عُلًى شاحطا ... تصوَّبتَ من صاعدٍ هابطا
إلى صلبِ كلِّ تقيٍّ نقي ... هبطتَ بأَمرِ العليِّ الودود
إلى عالمٍ عالم بالسعود ... ونورُك سامٍ لأعلى الوجود
فكان هبوطُك عينَ الصعود ... فلا زلتَ مُنحدراً ترتقي
البحر والقافية
القصيدة على بحر المتقارب. بحر سريع متلاحق التفعيلات، يصلح للحماسة والملاحم والقصص لتدفّق إيقاعه.
تفعيلاته: فعولن فعولن فعولن فعولن.
معاني المفردات في القصيدة
معاني ألفاظ القصيدة الغريبة، منقولة من لسان العرب، مقاييس اللغة:
- بجبهته: جبه: الجَبْهة للإِنسان وَغَيْرِهِ، والجَبْهَةُ: مَوْضِعُ السُّجُودِ، وَقِيلَ: هِيَ مُسْتَوَى مَا بَيْنَ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى النَّاصِيَةِ. قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَوَجَدْتُ بِخَطِّ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ في المُصَنَّف فإِذا … (لسان العرب)
- تخيرك: خرك: خَارَكٌ: مَوْضِعٌ مِنْ سَاحِلِ فَارِسَ يرابَطُ فِيهِ. وخَارَكٌ: مَوْضِعٌ لَمْ يُعَيِّنْهُ، قَالَ: وَمِنْهُ قِيلَ فلانٌ الخارَكِيُّ. ابْنُ الأَعرابي: يُقَالُ خَرِكَ الرجلُ إِذَا لَجَّ. (لسان العرب)
- ضاء: (ضَأَ) الضَّادُ وَالْهَمْزَةُ كَلِمَةٌ صَحِيحَةٌ، وَهِيَ الضِّئْضِئُ، وَهُوَ الْأَصْلُ. وَفِي الْحَدِيثِ: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ» . وَأَمَّا الضَّادُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ فَهُو … (مقاييس اللغة)
- طرد: طرد: الطَّرْدُ: الشَّلُّ؛ طَرَدَه يَطْرُدُه طَرْداً وطَرَداً وطَرَّده؛ قَالَ: فأُقْسِمُ لَوْلَا أَنَّ حُدْباً تَتابَعَتْ ... عليَّ، وَلَمْ أَبْرَحْ بِدَيْنٍ مُطَرَّدا حُدْباً: يَعْنِي دَواهِيَ، وَكَذَلِكَ اطَّرَدَه؛ قَال … (لسان العرب)
- فاتح: فتح: الفَتْحُ: نَقِيضُ الإِغلاقِ، فَتَحه يَفْتَحه فَتْحاً وافْتَتَحه وفتَّحَه فانْفَتَحَ وتَفَتَّحَ. الْجَوْهَرِيُّ: فُتِّحَت الأَبواب، شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ، فتَفَتَّحتْ هِيَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَ … (لسان العرب)