من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الأوّل في المديح (٩)
قلت في مدحه:
حمّلتك الديار ما لا تطيقمذ عرى شمل أهلها التفريق
عرصات حبست أيدي المراسيلعليها والدمع منك طليق
كنت ترتادها وريقة روضوهي اليوم دمنةٌ لا تروق
سحقتها اليوم المطايا كأن لمتك بالأمس وهي مسك سحيق
صاح ماذا عليك من رسم دارقد تعفّت وزال عنها الفريق
أوحشت غير أن يئنَّ ابن ورقاءبها أو يحن صبٌّ مشوق
فأطرح ذكرها لمدح عظيمهيبةً باسمه تضيق الحلوق
حسن الفعل ماجد الفرع والأصلجدير بالمكرمات خليق
لحقته أماجد العصر لكنعزَّ في شأوه عليها اللحوق
ذو لسان كما ينضنض صلٌّوفم فيه ريقة الصلّ ريق
وهو في أعين الخصوم لسانوبأحشائهم سنان ذليق
وإذا غاية من المجد عنّتلم يعقه عن نيلها العيوق
قولي: لحقته أماجد العصر الخ قد مضى طرف من ذكر المسابقة في قافية الجيم ونحن نذكر طرفاً منها الآن، قال مهيار الديلمي:
عرفت من نفسك ما لم يعرفوافطرت حتّى صرت حيث تستحق
كم عجبوا منك وأنت ترتقيوانتظروا فيك الزليل والزلق
وخاوصوك حسداً بأعينلم تحفل الشهلة منها والزرق
حتّى تركت النجم في خضرائهيخطر زهواً إن سبقت ولحق
وإنّي لأستحسن لعمّنا المهدي في السبق واللحوق من جملة قصيدة ولقد أجاد في معنى أبياته هذه:
ورأوك تسعى للمعالي ساحباذيل الفخار على ذرى الجوزاء
فجروا وراك فغبت عن أبصارهمفتخيّلوا سبقوك للعلياء
وإذا هم بمكانهم لا يستطيعون اللحوق بكم من الإعياء
فجسومهم في الأرض واهية القوىوعقولهم طارت مع العنقاء
ياليتها تبعت عقولهم ولاتبقى لهم في خزية شنعاء
وقال السري الرفاء:
كم حاولا أمدي فطال عليهماأن يدركا إلاّ مثار ترابي
عجزا ولن تقف العببيد إذا جرتيوم الرهان مواقف الأرباب
ومثل قوله: أن يدركا إلاّ مثار ترابي، قول السيّد الرضي في صفة الجواد، ولقد أحسن وأجاد:
وذي حجول نافض سبيبهعلى طموح الناظرين بازل
ينقضُّ لا تلحق من غبارهإلاّ بقايا فلق الجراول
وفي هذا البيت من المبالغة ما لا يخفى، لأنّه جعل هذا الجواد في سرعة عدوه لا يلحق غباره وإنّما يحلق منه فلق الجراول - وفلق الجراول الحجار الصغار التي تنحتّ من الصخر وتكون مع ترابه لدقّتها - وحيث انتهى الكلام إلى ذكر الجواد وشدّة عدوه لا بأس بذكر نبذة ممّا نظمته الشعراء في الخيل، قال الطغرائي:
سبقت حوافرها النواظر فاستوىسبق إلى غاياتها وصفون
لولا ترامي الغايتين لأقسمالرائون أنّ حراكها تسكين
وتكاد تشبهها الصروف لو أنّهالم تعتلقها أعين وظنون
وما أحسن ما وصف به ابن حجاج فرسه:
قال له البرق وقالت لهالريح جميعاً وهما ما هما
ءأنت تجري معنا قال لاإن شئت أضحكتما منكما
هذا ارتداد الطرف قد فتّهإلى المدى سبقا فمن أنتما
وقال ابن دريد:
يجري فتكبو الريح في غاياتهحسرى تلوذ بجراثيم السحا
وقال ابن نباته:
لا تعلق الألحاظ من أعطافهإلاّ إذا كفكفت من غلوائه
قال ابن حمديس الصيقلي:
يجري فلمع البرق في أثارهمن كثرة الكبوات غير مفيق
ويكاد يخرج سرعة من ظلّهلو كان يرغب في فراق رفيق
وما أبدع قول ابن المعتز:
فكأنّه موج يذوب إذاأطلقته وإذا حبست جمد
وما أحلا قوله أيضاً:
يكاد أن يخرج من إهابهإذا تدلّى السوط لولا اللبب
وقال شمس الدولة:
أبت الحوافر أن يمسَّ بها الثرىفكأنّه في جريه متعلّق
وكأنّ أربعة تراهنُ طرفهفتكاد تسبقه إلى ما يرمق
ولقد أجاد عمّنا المهدي حيث نسج على منوال هذا المعنى فقال:
يعدو عليهم على عداء سابحةمن شدّة الجري لم تبصر توائمها
تطير بين السما والأرض جائلةكأن قوائمها كانت قوادمها
وقال بعضهم:
كم سابح أعددته فوجدتهعند الكريهة وهو نسر طائر
لم يرم قط بطرفه في غايةإلاّ وسابقه إليها الحافر
وبليغ قول الصفدي:
يا حسنه من أشقر قصّرتعنه بروق الجورّ في الركض
لا تستطيع الشمس من جريهترسمه ظلاًّ على الأرض
وعجيب قول الصفي:
وأدهم يقق التحجيل ذي مرحبميس من عجبه كالشارب الثمل
مطهّم مشرف الأذنين تحسيهموكلا باستراق السمع عن زحل
ركبت منه مطاليل تسير بهكواكبٌ تلحق المحمول بالحمل
إذا رميت سهامي فوق صهوتهمرّت بهاديه وانحطّت عن الفل
وغريب قوله أيضاً:
وأغرّ تبريّ الإهاب موردسبط الأديم محجّل ببياض
أخشى عليه بأن يصاب بأسهميممّا ييسابقها إلى الأغراض
وقال المتنبّي:
يقبّلهم وجه كلّ سابحةأربعها قبل طرفها تصل
إن أدبرت قلت لا تليل لهاأو أقبلت قلت مالها كفل
وبديع قول جمال الدين:
وأدهم اللون فات البرق وانتظرهفغارت الريح حتّى غيّبت أثره
فواضعٌ رجله حيث انتهت يدهوواضع يده أنّى رمى بصره
سهم تراه يحاكي السهم منطلقاًوماله غرض مستوقف خبره
يعقّر الوحش في البيداء فارسهوينثني وادعاً لم يستثر غبره
وقال ابن نباتة:
وردٌ مع العرب منسوب فلا قطعتيد الحوادث من أنسابه شجره
إذا امتطى ظهره رامي السهام مضىوالسهم حذواً فلولا سبقه عقره
عجبت حين تسمّى سابحاً ولهوثب لو البحر راسى دونه طفره
فتخاء في هضبات الحسن صاعدةأولا فصاعقة في السهل منحدره
لمّا ترفّع عن ندٍّ يسابقهأضحى يسابق في ميدانه بصره
ومن الشعر الأجنبي تخميس قصيدة في مدح النبي وذلك أنّ مركز دائرة الفصاحة، من حلّ من الزوراء أشرف ساحه، الذي كانت تغترف أهل النظم من حبره، وننسج ديباج كلامها على منوال نثره، عبد الباقي أفندي الفاروقي العمري نظم هذه القصيدة القافية في مدح النبي سيّد البرية وأرسلها إلى الفيحاء، فخمستها وأرسلتها إليه إلى الزوراء، وسمّطْتُها بهذا العقد النفيس، الذي جاء حسبما اقترحه من التخميس:
تعاليت من فاتح خاتمعليم بما كان من عالم
فيا صفوة الله من هاشمتخيّرك الله من آدم
وآدم لولاك لم يخلق
بك الكون آنس منه مجيئاًوفيك غدا لا به مستضيئاً
لأنّك مذ جاء طلقاً وضيئاًبجبهته كنت نوراً مضيئاً
كما ضاء تاج على مفرق
فمن أجل نورك قد قرّباإله السماء آدماً واجتبى
نعم والسجود له أوجبالذلك إبليس لمّا أبى
سجوداً له بعد طرد شقي
وساعة أغراه في إفكهبأكل الذي خصَّ في تركه
عصى فنجى بك من هلكهومع نوح إذ كنت في فلكه
نجا وبمن فيه لم يغرق
وسارة في سرّك المستطيلغداة غدا حملها مستحيل
بإسحاق بشّرها جبرئيلوخلّل نورك صلب الخليل
فبات وبالنّار لم يحرق
حملت يصلب أمين أمينإلى أن بعثت رسولاً مبين
وهل كيف تحمل في المشركينومنك التقلّب في الساجدين
به الذكر أفصح بالمنطق
براك المهيمن إذ لا سماءولا أرض مدحوّة لا فضاء
ومذ خلق الخلق والأنبياءسواك مع الرسل في إيلياء
مع الروح والجسم لم يلتق
وكلٌّ رأى الله لم يحذهعلاك وعلمك لم يغذه
فنزّه عهدك عن نبذهفجئت من الله في أخذه
لك العهد منهم على موثق
صدعت به والورى في عماءفحفّت بمجدك جند السماء
ورفَّ عليك لواء الثناءوفي الحشر للحمد ذاك اللواء
على غير رأسك لم يخفق
وحين عرجت لأسما مقاموأدناك منه إله الأنام
أصبت بمرقاك أعلا المراموعن غرض القرب منك السهام
لدى قاب قوسين لم تمرق
وقدماً بنورك لمّا أضاءرأت ظلمة العدم الإنجلاء
فمن فضل ضوئك كان الضياءلقد رمقت بك عين العماء
وفي غير نورك لم ترمق
أضاء سناك لها مبرقاًوقابل مرآتها مشرقاً
إلى أن أشاع لها رونقاًفكنت لمرآتها زيبقاً
وصفو المرايا من الزيبق
بك الأرض مدّت ليوم الورودوأضحت عليها الرواسي ركود
وسقف السما شيد لا في عمودفلولاك لاانطمَّ هذا الوجود
من العدم المحض في مطبق
ولولاك ما كان خلق بعودلذات النعيم وذات الوقود
ولا بهما ذاق طعم الخلودولا شمّ رائحةً للوجود
وجود بعرنين مشتنشق
ولو لم تجدك لمولودهأباً أُمُّ أركان موجوده
إذاً عقمت دون توليدهولولاك طفل مواليده
بحجر العناصر لم يبغق
ولولاك ثوب الدجى ما انسدلونور سراج الدجا ما اشتعل
ولولاك غيث السما ما نزلولولاك رتق السماوات وال
أراضي لك الله لم يفتق
ففيك السماء علينا بنىوذي الأرض مدّ فراشاً لنا
فلولاك ما انخفضت تحتناولولاك ما رفعت فوقنا
يد الله فسطاط إستبرق
ولا كان بينهما من ولوجلغيث تحمل ماءً يموج
ولا انتظم الأرض ذات الفروجولا نثرت كفّ ذات البروج
دنانير في لوحها الأزرق
ولاسير الشهب ذات الضياءبنهر المجرّة ربّ العلاء
ولم ينش نوتي زنج المساءولا طاف من فوق موج السماء
بسيطة أيدي الحيا المغدق
ولولاك ما فلّت الغادياتبأنمل قطر نواصي الفلاة
لا الرعد ناغى جنين العضاتولا كست السحب طفل النبات
من اللؤلؤ الرطب في بخيق
ولا صدغ آس بدا في ربىعلى خدّ ورد غدا مذهبا
ولا رنحت قدّ غصن صباولا اختال نبت ربىً في قبا
ولا راح يرفل في قرطق
أفضت نطاف ندىً دافقاتبها اخضرَّ عرس رجا الكائنات
فلولاك ما سال وادي الهباتولولاك غصن نقي المكرمات
وحقّ أياديك لم يورق
لك الأرض أنشأ علاّمهاوقد نصبت بك أعلامها
فولالك لم تنخفض هامهاوسبع السماوات أجرامها
لغير عروجك لم تخرق
ولولاك يونس ما خلّصامن الحوت حين دعا مخلصا
وعيسى لما أبرأ الأبرصاولولاك مثعنجرٌ بالعصا
لموسى بن عمران لم يفلق
ولا يوم حرب على الشرك قاظبسيف هدىً مستطير الشواظ
ولا أنفس الكفر أضحت تفاظولولاك سوق عكاظ الحفاظ
على حوزة الدين لم تنفق
بحبل الهدى كم رقاب ربقتوكم لبني الشرك هاماً فلقت
وكم في العروج حجاباً خرقتوأسرى بك الله حتّى طرقت
طرائق بالوهم لم تطرق
لقد كنت حيث تحير العقولبشأو عُلىً ما إليه وصول
فأنزلك الله هاد رسولورقاك مولاك بعد النزول
على رفرف حفَّ بالنمرق
لك الله أنشى من الأُمّهاتكرائم ما مثلها محصنات
ومذ زوّجت بالكرام الهداتبمثلك أرحامها الطاهرات
من النطف الغرّ لم تعلق
لحقت وإن كنت لم تعنقلشأو به الرسل لم تعلق
وأحرزت قدماً مدى الأسبقفيا لاحقاً قطُّ لم يسبق
ويا سابقاً قطُّ لم يلحق
خلقت لدين الهدى باسطاًلنا وبأحكامه قاسطاً
وحيث صعدت عُلىً شاحطاًتصوّبت من صاعد هابطاً
إلى صلب كلّ تقي نقيّ
هبطت بأمر العليّ الودودإلى عالم عالم بالسعود
ونورك سام لأعلا الوجودفكان هبوطك عين الصعود
فلا زلت منحدراً ترتقي
فلمّا وصلت إليه هذه القصيدة متحلّية بهذا السمط كتب إليّ بهذه المقطوعة يشكرني على ذلك:
لقد أبد السيّد المرتقيبتسميطه ذروة الأبلق
وفاه بما فيه لا فضَّ فوهلبيد الفصاحة لم ينطق
وبرَّز في حلبة غيرهإليها وإن طار لم يسبق
وقلّد أبكار شعري حلىًتباهي الكواكب في الرونق
كأنَّ انحلال نظامي لديهمن الربط كان على موثق
فقيد منه نحور الشطورفها هي للحشر لم تطلق
وأدناه منه وأحنى عليهحنو الشفيق على المشفق
وحيدر في فتكه ما سواهإذا ماادّعى الفتك لم يصدق
غداً باقراً البطون الفنونفأظهر منها الصريح النقي
ومن فكره الحسن العسكريعليها لقد كرَّ في فيلق
تسامي فطال على واستحالمن الباقيات على مابقي
فمن ذا يجاريه وهوالخضموفي لجّة منه لم يغرق
إذا صال أو جال يوم النضالفمن ذا يحامي ومن ذا يقي
بنار قريحته ذهنهعجبت له كيف لم يحرق
ومن لطفه كيف لا يستطيرومن صفوه كيف لم يبرق
ومن لينه كيف لا ينثنيومن ريعه كيف لم يورق
ومن أُفقه كيف لا يستنيرومن برجه كيف لم يشرق
وفي ريّه كيف لا يرتويوفي ريّه كيف لم يعبق
على رقعتي صال تخميسهكما صال رخٌّ على بيدق
فهل بالغ من بليغ مداهوقد جاء بالمفحم المفلق
على نسق مثل تنسيقهبنان التصوّر لم تنسق
تخلّق في خلق لو يقالبطيب الخلوق به أخلق
تملّك حرَّ الكلام الرقيقفمن رقّه قطُّ لم يعتق
له مزبرٌ يرو عن ذي الفقارإذا هو أجراه في مهرق
ومنه الصرير يحاكي الصليلفيخبر عن غزوة الخندق
ويصعد للأوج منه الصريففيسمعنا نغمة الموسقي
ومن نعت خير الورى جدّهتحدّى لما فيه لم يلحق
هو اليوم مثلي به يحتميوفيه غداً من لظى نتّقي
فلا زال والفضل يرنو إليهبألحاظ ذي صبوة شيّق
به أهل حلّته تستطيلعلى آل كيوان في جلّق
ومن ذلك ما نظمته في مدح علم المفاخر ومعدن المآثر، غصن الدوحة الطيّبة من آل عبد مناف السيّد سلمان أفندي نقيب الأشراف، وذلك بمدينة السلام بغداد سنة.
بني العشق ما أحلى إلى كلّ عاشقطلاً لمشوق زفّها كفُّ شائق
ولم أر في الأحشاء ألطف موقعاًوأرشق من نبل العيون الرواشق
وأغرق أهل الحب في الحبّ مهجةبكلّ غرير في المحاسن فائق
أضنّهم حتّى على لحظ عينهبما احمرَّ من ورد بخدّيه رائق
وما العمر عندي كلّه غير ليلةيبيت رهيف الخصر فيها معانقي
ترفُّ على صدري خوافق فرعهرفيف حشاً منّي على الشوق خافق
كأنّ الثريا طوّقته هلالهاومن حسدت مدّت له كفّ سارق
من الريم لم يألف سوى الرمل ملعباًولم يرتبع إلاّ بأحناء بارق
ونشوان من مشمولة الدلّ قدّهأرقّ من الغصن انعطافا لوامق
مورد ما بين العذارين زارنيفنزّه أحداقي بورد الحدائق
وقلت وقد أرخى على الخدّ صدغهلقد سلسل الريحان فوق الشقائق
أُقبّل طوراً ورد خدّيه ناشقاًعبير شذاً ما شقَّ عرنين ناشق
وألثم طوراً ثغره العذب راشفاًسلافة خمر لم تدنّس بذائق
خلوت وما بي ريبة غير نظرةتزوّدتها منه بعيني مسارق
وراودته لكن من الثغر قبلةألذَّ وأشهى من غبوق لغابق
وأعرضت عمّا دون عقد إزارهعفافاً وقد زالت جميع العوائق
وحسبك منّي شيمة قد ورثتهاعن الغالبين الكرام المعارق
خليلي ما للكأس كفّي ولا فميولا كبدي للناهدات العواتق
نسبت ومابي يعلم الله صبوةولا اجتذبت أحشاي بعض العلائق
عشقت ولكن غير جازية المهاوما العشق إلاّ للمعالي بلائق
خذا من لساني ما يروق ذوي النهىويترك أهل النظم خرس الشقاشق
مديحاً له تجلو مفارقها العلىو"سلمان" منها غرّة في المفارق
وقورٌ على الأحداث لا تستخفّهإذا طرقت في الدهر إحدى البوائق
ومن كعليّ القدر كان أباً لهيزن بحجاه راسيات الشواهق
نقيب بني الأشراف أعلى كرامهمعماداً وأسناهم فناءً لطارق
فما قلبت أُمُّ النقابة قبلهولا بعده في مثله طرف رامق
فتىً إن سرى يوماً لإحراز مفخرفليس له غير العلى من مرافق
لقد غدت الدنيا عليه جميعهامغاربها تثني ثناء المشارق
تطرّق أُمّ المجد في بيت سؤدديظلّل عزّاً بالبنود الخوافق
فأنجب من سلمان وهو ذكا العلىببدر نهى يجلو ظلام الغواسق
همامٌ نمته دوحة نبويّةإلى مثمر في المجد منها ووارق
يعدُّ رسول الله فخراً لمجدهوحسبك مجداً في الذرى والشواهق
تضوع بعطفيه السيادة مثلماتضوّع عرف المسك طيباً لناشق
به اقتدحت زند النجابة هاشمففي وجهه من نورها لمع بارق
سما في المعالي طالباً قدر نفسهإلى شرف فوق الكواكب باسق
وفات جميع السابقين إلى العلىفقصّر عن إدراكه كلّ سابق
وقالوا رويداً حكَّ عاتقك السهىفقال وهل قدر السهى حكُّ عاتقي
تمنطق طفلا بالرياسة واحتذىبأخمصها تيجان أهل المناطق
إليكم ملوك الأرض عن ذي سرادقتجمّعت الدنيا به في السرادق
تقبّل أهل الفخر أعتاب دارهفيأرج منهم طيبها في المفارق
فداء مفاتيح الندى من بنانهأكفّ على أموالها كالمغالق
تعلّل راجيها إذا اسودَّ ليلهبكاذب وعد فجره غير صادق
نديّ بنان الكفّ في كلّ شتوةيجفّ بها ضرع الغيوم الدوافق
فحيث يشيم المجدبون بوارقاًتمنّوا نداه غيث تلك البوارق
وضيء المجالي والمعالي كليهماوعذب السجايا والندى والخلائق
أخف عل يالأرواح طبعاً من الهوىولكنّه في الحلم هضبته شاهق
فما طلعة البدر المنير مضيئةكطلعته الغرّاء في كلّ غاسق
مهيبٌ فلولا ما به من تكرّملما لمحته رغبة عين رامق
فما هيبة الضرغام دون عرينهكهيبته القعساء دون السرادق
تضايقت الدنيا ببعض فخارهعلى أنّه فرّاج كلّ المضائق
يضيق فضاء الأرض في رحب صدرهإذا هي غصّت بالخطوب الطوارق
من الفاطميين الذين تراضعتقناهم طلا الأعداء في كلّ مازق
هم توّجوا هام الملوك ببيضهموداسوا على أنماطهم بالسوابق
إذا نزلوا كانوا ربيع بني المنىوإن ركبوا كانوا حماة الحقائق
تعانق فوق الخيل عالية القناعناق سواها الغيد فوق النمارق
هم القوم ما في الشيخ منهم لكهلهموما منهم في كهلهم للمراهق
وهذا ابنهم سلمان والفرع طيبهيجيء على مقدار طيب المعارق
إذا مسحت منه العلى وجه سابقجلت من أبي محمود غرّة لاحق
فتىً علمه يحكي غزارة جودهوما علم قوم غير محض التشادق
لقد قوّمت منه الإصالة رأيهفكان لفتق الدهر أحزم راتق
ومنطيق فضل لو يشاء لسانهلفلَّ حدود الفاصلات البوارق
يحاكي بقطع الخصم أسياف قومهفيمضي مضاها في الطلا والمرافق
ويطعنه في قلبه بنوافذنفوذ قناهم في قلوب الفيالق
أباالمصطفى أرغمت أنت وذوالنهىشقيقك في العليائ شمّ المناشق
لقد زنتما جيد العلى من بنيكمابسمطي فريد في العلى متناسق
فياقمراً سارت بذكر علائهنجوم القوافي في سماء المهارق
إليك تعدّت فكرتي كلّ فكرةلما لم يكن فيه مجال لحاذق
فجاءت من القول الذي انفردت بهبآيات نظم أفحمت كلّ ناطق
سلمت على الدنيا وفخرك مشرقيضيء ضياء الشمس في كلّ شارق
لك الدهر عبد لا يرى المجد عتقهولا هو يلوي عنكم جيد آبق
واتّفق لي مع ذلك الماجد زعيم الزوراء ونعيمها، والمحرز طريق المكارم وقديمها، نقيب الأشراف ببغداد السيّد سلمان أفندي خلّد الله مجده ما لو ظفرت بلئالئه الحور، لزيّنت به النحور، ووشحت به الحضور، فمنه أنّي وردت بغداد في سنة فلمّا حللت بنادي جوهرة الزمن، الفاضل الماجد الشيخ محمّد الحسن خلف الخلف الصالح نشر الله فضله، وطوى بالإعدام من حاسده ظلّه، بلغني أنّ السيّد المذكور يتشوّق إليّ كثيراً، فنظمت هذه الأبيات وأرسلتها إليه برسم الهديّة.
سبقت الورى مجداً يدوم بلا حدّفكان بلا قبل ويبقى بلا بعد
خلقت كما شائت نقيبتك التيأتاها الندا كوني فكانت بلا ندّ
وجئت إلى الدّنيا كما اشتهت العلىتعيد من المعروف أضعاف ما تبدي
وتبسط أندى من أديم غمامةبناتاً يعلّمن الحيا كيف يستنجدي
وفي القوم من يغدو به مستميحهكمستقطر ماءً من الحجر الصلد
يقولون في الدنيا بنت دارك العلىفقلت بل الدنيا بها بنيت عندي
كذبنا فذا رضوان بشرك مخبريحدّث عنها أنّها جنّة الخلد
فمنك المزيّا قد تقسّمن فردهاوأعجب شيء قسمة الجوهر الفرد
ألست من القوم الذين وليدهميرشّح طفلاً للعلى وهو في المهدى
فما حضنوا إلاّ بحجر نقابةولا رضعوا يوماً سوى حلم الرشد
فيا قمم الأعداءللأرض طأطأيويا عينهم عودي من الجفن في غمد
نضا الله في كفّ النقابة سيفهاوقال احتكم ما شئت يا فاصل الحدّ
وهبتك أبصار العدى وقلوبهافدونك ما تختاره من ذوي الحقد
وممّا يعير الأرض فخراً على السماوببهي الحصا فيها على أنجم السعد
بيوتٌ بها قد أودع الله منكمأطائب ما استصفاه من عترة المجد
لكم أذن الله العظيم برفعهاوأنتم مصابيح بها الناس تستهدي
لوجهك قد صلّى بها المدح والثنالأنّك فيها قبلة الشكر والحمد
فأمّا قولي فيها: يوقولن في الدنيا بنت دارك العلى الخ، ففيه العقد وهو نظم الكلام المنثور، ويقابله الحل، وهو نثر المنظوم وكلاهما من محسناة الكلام. وقد عقدنا كلمات منثورة لأبي العينا، وذلك أنّه دخل على المتوكل وهو في قصره المعروف بالجعفري، فقال له المتوكل: ما تقول في دارنا هذه؟ فقال أبوالعينا: الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت الدنيا في دارك، فاستحسن كلامه.
ومنه إنّي نظمت فيه هذين البيتين وأرسلتهما إليه:
لقد قلت للأرض ادّعت بنجومهاعليك السما فخراً فقالت أجيبها
لئن هي بالأشراف منها تزيّنتفما الفخر إلاّ حيث حلّ نقيبها
ومنه ما جرى لي مع أخيه فريد الزمان، وجمال العصر والأوان السيّد عبد الرحمن أفندي دام مجده، وذلك أنّه بعث إليّ الحاج مصطفى آل كبّه أن يرسل له كتاب نهج البلاغة وقصيدة الرضي المقصورة التي قالها في رثاء الحسين ﵇، فأرسلهما، وكانت المقصورة غير تامّة، ثمّ بعد ذلك وجد المقصورة تامّة فأرسلها وسالني أن أكنت معها عن لسانه شيئاً، فقلت:
يا من تفرّع من ذوابة معشرغدت النقابة منهم في آلها
هذي بديلة أختها المقصورةالأُولى أتتك تفوقها بكمالها
فلمّا وصلت إليه أرسل أبياتاً يلتمس من الله بها نصر المسلمين وسلطانها، وخذلان المشركين وأعوانها، وسألني تشطيرها وتخميسها وهي هذه:
يا إله الخلق يا بارئنانحن في الضيق فكن عوناً لنا
وانصر الغازين وارحم حالهموتلطّف بهم في ذا العنا
فهم المفدون أرواحهموهم الموفون فرضاً بيّنا
فأجزهم خيراً وضاعف أجرهمأنت فيّاض العطايا والغنى
واخذل الكفّار واخرب دارهمواهلكنهم واشف فيهم قلبنا
فنشطت لما ندبني إليه وأنا معترف بأنّ له المنّ عَلَيّ لا لي المنّ عليه، لأنّه لمّا دعاني للأخط بخطي من الإنتظام، في سلك الداعين بالنصر لحامي حوزة الإسلام، وبالتأييد لجند المسلمين، المرابطين في سبيل الله في جهاد الكافرين، وقلت:
وما فاتني نصرهم باللسانإذا فاتني نصرهم باليد
ثمّ شطرت فقلت:
"يا إله الخلق يا بارئنا"لك نشكوا اليوم ما حلَّ بنا
كظّنا حشد الملمّات فها"نحن في الضيق فكن عوناً لنا"
"وانصر الغازين وارحم حالهم"فلقد أبلوا بلاءً حسنا
حيث عانوا فيك ما عانوا فجد"وتلطّف بهم في ذا العنا"
"فهم المفدون أرواحهم"ليقوا فيها الهدى والسننا
لك قد دانوا فمن يفضلهم"وهم الموفون فرضاً بيّنا"
"فأجزهم خيراً وضاعف أجرهم"واجعل النصر بهم مقترنا
ومن الفيء فوفّر حظّهم"أنت فيّاض العطايا والغنى"
"واخذل الكفّار واخرب دارهم"وأبحنا أرضهم والقنّنا
قد تشفّوا فادلنا منهم"وأهلكتهم واشف فيهم قلبنا"
ثمّ قلت مخمّساً:
نشأت نكباء يا ذارئناإن تذرها أهرمت ناشئنا
خذ بأيدينا وكن كالئنايا إله الخلق يا بارئنا
نحن في الضيق فكن عوناً لناواخذل الكفّار واشغل بالهموأبحهم واخترم آجالهم
واصطلمهم ليروا أعمالهموانصر الغازين وارحم حالهم
ووتلطّف بهم في ذاالعناقوموا للحرب أشباحهمثمّ باعوا الكرب أفراحهم
فزد اللهمّ أرباحهمفهم المفدون أرواحهم
وهم الموفون فرضاً بيّناعنهم ضع يا إلهي أسرهموبنصر منك فاشدد أزرهم
محّضوك اليوم حقّاً صبرهمفأجزهم خيراًوضاعف أجرهم
أنت فيّاض العطايا والغنىفي حمى الأشراك أوقد نارهمواقتساراً ولهم أدبارهم
ولئلاّ يخذلوا كن جارهمواخذل الكفّار واخرب دارهم
واهلكنهم واشف فيهم قلبناثمّ كتبت إليه مع هذا الشعر بهذه الفواصل من النثر والأبيات التي في أثنائها لي قلتها فيه وهي هذه:
"ممّن وقع منه طائر القلبحيث يلتقط الحُب لا الحَب"
إلى فتىً من قبيلة آبداًقبيلة في الفخار واحدها
لم تنمه هاشم لذروتهاإلاّ وغيظاً يموت حاسدها
جلا على الطرس من فرائدهعروس فكرّ زهت فرائدها
خلوقها من شذا حجّاه ومنجوهر ألفاظه قلائدها
قد انتظمت بسلك الإيجاز، وانتظم في سلكها الإعجاز، فبرزت تخطر دلالا، وتسحب أبراد البلاغة اختيالا، تجرّ تلك الأذيال، على نثر هو السحر الحلال، قد تنزّلت من سماء ذلك الجلال آياته الباهره، واستغرقت من الصب حواسه الخمس بما أقامه في مقام الذهول فجدير أن يتلى عليه فإذا هم بالساهره، وحيث أنّ الداعي وإن كان ليس ببعيد الغور، يرى الأمر الصادر من تلك الحضرة للفور، بادر إلى الإمتثال، راجياً أن ينظمه القبول في سلك من حظي بالإقبال، عقد الله عزّ ذلك الجناب بناصيته الدهر، ولا برحت تأرج بعبير ثرى تلك الأعتبار مفارق الملوك الغر، ما ضرب الليل رواقه، وحلّ بيد الصبح عن الغزالة نطاقه، وهذا دعاء للبريّة شامل.
فكتب إليّ جواباً أبدع فيه وأغرب في تقريض التخميس والتشطير المذكورين، وجاء في آخره قوله: ثمّ إنّي ورفيع قدرك، وسنيّ فصاحتك، وعَلَيّ بلاغتك قد صرت غريق بحار الحيرة لا أدري كيف أؤدّي شكرك، وبأيّ لسان أصفك فأكافي فضلك، بما تنزّلت له العزم وشددت حيازيم الهمّة ونقلت الأقدام، لأداء هذا المرام، قصر بي ضعف قوى الفكر، وعيّ اللسان، وضيق الجنان، وكبّوا أدهم القلم في هذا الميدان، لعلوّ شرفك الذي لا يبارى، ووفور محاسنك التي لا تجارى، غير أنّ العدول عن ذلك بالكليّة إخلال بالواجبات، لأنّ شكر المحسن من المفروضات، وبناء على أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه أقول، وليس سواء عالم وجهول: لأشكرنّك شكراً يليق بجنابك، ويفي بإحسانك، ما كرّ الجديدان، وتعاقب الملوان.
فأجبته عن هذه الرسالة، بهذه العجالة وهي: لاطفت الصب جميلة برّك، وتلطّفت بالمغرم المشوق عقيلة نثرك، قد زارت محبّاً رفعها على الأحداق، واجتنى في لثم محاسنا ثمرات الأوراق، ثمّ حلّ عنها النطاق ببنان فكره المتأمّل، ونضى عنها أبرادها الرقاق إلاّ لبسة المتفضّل، فوجدها آخذةً بأطراف النباهة في الفكاهة، ووجد نفسه عن منادمة مثلها على طرف من العي والفهاهة، فترك مفاوضتها المدح، وعدل عن مقارضتها الثناء ولا قدح.
لي العذر كلَّ لسان القلموجفَّ بما فوق طرسي رسم
وعندي ولا عربي سواهلسان بهذا المقال انعجم
أكلّفه نعت سعد السعودومن للثريّا به وهو فم
وغاية وصفي له أن أقوليا علماً ويقلّ العلم
هو البدر لكنّه للكمالوبدر السما بين نقص وتم
من الماثلين بصدر النديّرزان الحلوم رزان القمم
فيامن إذا غاب قال الحضوروإن حضر القول كلُّ إرم
مننت ابتداء بدرّ المقالويا بحر بالطبع منك الكرم
نعم حقّ لي فيك شكر الزمانفحسن اعتنائك أعلى النعم
ولكن عجزت فمالي يدبما يستقلّ بهذي الحكم
هذا والرجالء إسبال ستر التكرّم، والإغضاء على عيوب هذه الألوكة كما هو شأنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع