من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الباب الثاني والعشرون في قافية الكاف وفيها فصل واحد في المديح
قلت في مدحه:
قامت تجني لي في دلّهاقلت لها رفقاً بأسراك
قالت نعتّ البدر في سعدهقلت نعم وهو محيّاك
قالت وصفت الدرّ في سمطهقلت بلى وهو ثناياك
قالت نسيم الورد أطريتهقلت أجل والورد خدّاك
قلت فمن خصرك قلبي اشتكىضعفاً فقالت كذب الشاكي
قلت إذاً أدعوا له بالضناقالت وزده ثقل أوراك
قلت فمشغوف الحشا مالهمنك سوى أن يتمنّاك
عنآي أذيعي يا نموم الصبامقالةً طابت كريّاك
آليت لا أنسب خبثاً إلىعصر أتى بالحسن الزاكي
أحنى بني الأيّام عطفاً علىضرّائك منهم وهلاّك
ذو راحة حاكي الحيا جودهاوالفضل للمحكي لا الحاكي
بخلت البحر فقال الورىما أجمد البحر وأنداك
تجني ادّعي له الجناية ولم تكن صدرت منه. وقد وقع في هذه المقطوعة المراجعة ومنهم من يسمّيها بالسؤال والجواب وهو ضربان: أحدهما: أن يكون بين اثنين كما جرى بين ابن الدمينة وبين محبوبته. حدّث ابن أبي السري عن هشام قال: هوى ابن الدّمينة امرأة من قومه يقال لها أميمة فهاج بها مدّة فلمّا وصلته تجنّى عليها وجعل ينقطع عنها ثمّ زارها ذات يوم فتعاتبا طويلاً ثمّ أقبلت عليه، فقالت والشعر لها:
وأنت الذي أخلفتني ما وعدتنيوأشمت بي من كان فيك يلوم
وأبرزتني للناس حتّى تركتنيلهم غرضاً أُرمى وأنت سليم
فلو أنّ قولاً يكلم الجسم قد بدابجسمي من قول الوشاة كلوم
قال: فأجابها ابن الدمينة فقال:
وأنت التي كلّفتني دلج السرىوجون القطا بالحلمتين جثوم
وأنت التي قطّعت قلبي حرازةوقرّفت قرح القلب فهو كليم
وأنت التي أحفظت قومي وكلّهمبعيد الرضا داني الصدود كظيم
قال: ثمّ تزوّجها بعد ذلك وقتل وهي عنده.
وكتب ابن مطروح إلى زهير المصيري يطلب منه درج ورق ومداداً، فقال:
أفلست يا سيّدي من الورقفابعث بدرج كعمرك اليقق
وإن أتى بالمداد مقترناًفمرحباً بالخدود والحدق
ومن ظرفه أنّه فتح الراء من الورق وكسرها وكتب عليها معاً فسير إليه مداداً ودرجاً وكتب:
مولاي سيّرت ما أمرت بهوهو يسير المداد والورق
وعزّ عنديى تسيير ذاك وقدشبّهته بالخدود والحدق
والثاني: إمّا أن تحكي محاورةً جرت بين اثنين كما قال حسين بن حجّاج في وصف فرسه وقد تقدّم يلزم أن نذكره هنا مرّة ثانية:
قال له البرق وقالت لهالريح جميعاً وهما ما هما
ءأنت تجري معنا قال لاإن شئت أضحكتكما منكما
هذا ارتداد الطرف قذفتهإلى المدى سبقاً فمن أنتما
وإمّا أن تحكي محاورة جرت بينك وبين آخر، وذلك كما قال الصاحب بن عبّاد:
وقائلة لم عرتك الهموموأمرك ممتقل في الأُمم
فقلت دعيني عَلَى غصّتيفإنّ الهموم بقدر الهمم
وقال الآخر:
وقائلة خلّ التصابي لأهلهفإنّ الصبا عند المشيب جنون
فقلت لها كفّي عن اللوم واقصريلذيذ الكرى عند الصباح يكون
وقال الآخر:
إذا قلت أهدى الهجر لي حلل البلىتقولين لولا الهجر لم يطب الحب
وإن قلت كربي دائم قلت إنّمايعدُّ محبّاً من يدوم له كرب
وإن قلت مالي الذنب قلت مجيةحياتك ذنب لا يقاس به ذنب
وظريف قول بعضهم:
قالت ألا لا تلجن دارناإنّ أبانا رجل غائر
قلت فإنّي طالب غرّةًمنه وسيفي صارم باتر
قالت فإنّ البحر من دونناقلت فإنّي سابح ماهر
قالت فإنّ القصر عالي البناقلت فإنّي فوقه طائر
قالت أليس الله من فوقناقلت بلى وهو لنا غافر
قالت لقد أعييتنا حيلةفأت إذا ما هجع السامر
واسقط عينا كسقوط الندىليلة لاناه ولا آمر
وظريف قول الآخر:
سألتها عن فؤادي أين مسكنهالأنّه ضاع منّي يوم مسراها
قالت لديَّ قلوب جمّة جمعتفأيّها أنت تعني قلت أشقاها
وحسن قول الباخرزي:
قالت وقد فتّشت عنها كلّمنلاقيته من رائح أو غادي
أنا في فؤادك فارم طرفك نحوهترني فقلت لها وأين فؤادي
ونادر قول الآخر:
أقول له على م تميل عجباًعلى ضعفي وقدك مستقيم
فقال تقول عنّي فيَّ ميلٌفقلت له كذا نقل النسيم
وبديع قول الآخر:
عاتبت طيف التي أهوى فقلت لهكيف اهتديت وجنح الليل مسدول
فقال آنست ناراً من جوانحكميضيء منها لدى السارين قنديل
فقلت نار الهوى معنىً وليس لهانور يضيء فماذا القول مقبول
فقال نسبتنا في القول واحدةأنا الخيال ونار الشوق تخييل
وما أحلا قول الآخر:
جارية أعجبني حسنهاومثلها في النّاس لم يخلق
خبّرتها أنّي محبّ لهافأقبلت تضحك من منطقي
والتفتت نحو فتاة لهاكالرشأ الوسنان في قرطق
قالت لها قولي لهذا الفتىأُنظر إلى وجهك ثمّ اعشق
وقال الآخر:
ولمّا توافقنا بمنعرج اللوىبكيت إلى أن كدت بالدمع أشرق
فقالت أتبكي والتواصل بيننافقلت ألسنا بعده نتفرّق
وقال الآخر:
قالت لطيف خيال زارها سحراًبالله صفه ولا تنقص ولا تزد
فقال خلفته لو مات من ظمأوقلت قف عن ورود الماء لم يرد
قالت صدقت الوفا في الحبّ شيمتهيا برد ذاك الذي قالت على كبدي
وقال الآخر:
قالوا أحب حبيباً ما تأمّلهفكيف حلّ به للسقم تأثير
فقلت قد يعمل المعنى بقوّتهفي ظاهر اللفظ رفعاً وهو مستور
وما أبدع قول الآخر:
قالوا عشقت وأنت أعمىظبياً كحيل الطرف ألمى
وحلاه ما عاينتهافظنون قد شغلتك وهما
فأجبت أنّي موسويالعشق إنصاتاً وفهما
أهوى بجارحه السماعولا أرى ذات المسمّى
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع