من «العقد المفصل» لحيدر الحلي (ت ١٣٠٤هـ)
الفصل الثالث في الرثاء
قلت في رثاء كريمة توفّيت لسيّد العلماء ورئيس المحققين والفضلاء علاّمة الزمن المهدي نجل الحسن أعلى الله كلمته ورفع درجته، وهذه ليست التي مرّت مرثيتنا لها في باب الهمزة، وإنّما تلك كريمته الصغرى وهذه كريمته الكبرى:
مالهم يا قبر قد جدّوا انصرافابعدما قد دفنوا فيك العفافا
وحثوا منك على عين العلىتربةً تستافها الحور استيافا
نفضوا تربك والصبر معاًعن يد تمسك أكباداً لهافا
وردوا أمس ثقالاً بالجوىفبماذا صدروا اليوم خفافا
هل أعادوا معهم ما أخذوامن حشاشات تبقوها ضعافا
لا ومن قد طهر الماء بهامذ لها مطلقه صار مضافا
والتي راح الحيا ملتحفاًمعها طاهر برديها التحافا
بل أعادوا جمرة الوجد إلىأضلع باتت إليها تتجافى
حجب القبر ابنة الوحي التيشرف الذكر بعلياها أنافا
من كريمات على الله لهاضرب العصمة خدراً وسجافا
لم تلد إلاّ الذي يسقي كلاماتحي سجليه شهداً وذعافا
والتي ما مدّت العليا علىمثلها يوماً لتخدير طرافا
ساقها الحتف ولكن بعدماشقّ من صدر الهدى عنها الشغافا
أبت العلياء إلاّ ردّهاوأبى الموت بها إلاّ انصرافا
وعليها مسح المجد ضحىمقلة عمياء لا تدري الجفافا
أوحشت من أُمّ شبل غابةلو بها مرَّ أبو شبل لخافا
كعبة التخدير إلاّ أنّهاخلقت للملأ الأعلى مطافا
دار قدس أودع الله بهاخير أهل الأرض نسكاً وعفافا
قل لمن رام انحرافاً عنهمضلّ من يبغي عن الحقّ انحرافا
سادة للرشد في مهديّهمجعل الله من الغيَّ انتصافا
كلّهم أبحر علم طفحتفاغترف من أيّهم شئت اغترافا
فضّلوا الخلق أكفّاً سحباًترفع المحل وأخلاقاً سلافا
أسكرت في حبّهم حتّى العدىفهي الصهباء لطفاً وارتشافا
كرماء لقرى أضيافهمينحرونالبدر لا البدن العجافا
آمنوا في الله من آمنهوأخافوا من له الله أخافا
يا ذوي الحلم وفيكم رقّةفقتم فيها حنوّاً وانعطافا
إنّما هزت قنا صبركمنكبة الدهر فزادتها ثقافا
وعلى زحف الليالي لا شكتأبداً أبيات علياكم زحافا
وقال عمّنا المهدي قدّس الله روحه في رثاء أخي الممدوح الماجد محمّد الرضا نوّر الله ضريحه:
قلبك خلف الطاعنين انصرفاألحق الظعون أم تخلّفا
علمت فيمن لا يزال عاطفاعليه في حثّ السرى ما عطفا
وظلّ في صيخودة من حزنهتعسّف السير بها فضعفا
وعنه في جمانة المجد سرى الموت للحد نورها فيه اختفى
والهفتا لدرّة المجد التيأمست لها ثرى اللحود صدفا
من بعد ما كانت على جيد العلىعقداً وفي أُذنيه كانت شنفا
يامسعدي عيني من الحزن قد ابيضّت ومنها دمعها ما نزفا
قد غشيتني ظلمة الحزن التيمادمت فوق الأرض لن تنكشفا
من ناقلٌ لي للرضا صحيفةًأقصُّ فيها من شجوني طرفا
لعلّه على محبّه الذيأنحله فقدانه أن يعطفا
إنّي أرى لهابريداً ومتىقد بعث الحي لميت صحفا
روحي فداء للذي قد غاب عنعيني وعن قلبي ما تخلّفا
فذكره لم يخل من قلبي وإنذكرته قلبي منّي اختطفا
منها:
لله يوم هتّف الناعي بهبموته وليته لا هتفا
وقفت من حرّ الأسى ذا قدمخيل على جمر حشاه وقفا
أعضّ كفّي أسفاً ولم يفدإذ فاتني عضّي كفّي أسفا
ومنها:
والوعة المجد على نيّرهالزاهر أمسى في الثرى ملتحفا
كان هلالاً يرتجى كمالهوحينما حاز الكمال انخسفا
وروضة المعروف في أزهارهاصوّحها الدهر وكانت أنفا
والمكرمات أصبحت معولةًعلى أخيها تكثر التلهّفا
تدعوا أخي صحبت منك ماجداًعنّي في حياته ما صدفا
وأنت للوفّاد بحرٌ زاخرمنك متى شاء النوال اغترفا
لله أيّ ماجد بموتهالناس وأملاك السماء اختلفا
هذه تلقّت روحه ضاحكةوهذه تبكي عليه أسفا
وهذه لروحه قد زيّنتجنّة عدن فرحاً والغرفا
وتلك شقّت جدثاً لجسمهبصرخة ثهلان منها رجفا
يا نكبة لم يستطع مصابهالسان كلّ ناطق أن يصفا
ومنها في تعزية أبيه الماجد محمّد الصالح:
يا من تراه الناس في الجلى إذاماليلها بالحادثات أسدفا
أقرّها قلباً إذا ما أقبلتسوداء قلب الدهر منها وجفا
أنت الذي بوجهه عن الورىما إن دجا الحادث إلاّ انكشفا
في الأسى تهدي إلى قلب منصبرك لو جلَّ المصاب تحفا
فيغتدي قلبك من رقّتهأشدُّ إصلاداً بها من الصفا
محمّد للصبر أنت صالحعرفت من معناه ما لن يعرفا
وهي طويلة. واعلم أنّ كثيراً من شعر عمّنا المذكور لم نذكر منه إلاّ اليسير اتّكالاً على ذكره له في كتابه المسوم ب "مصباح الأدب الزاهر".
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع