من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أحمد النّصبي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
النّصبيّ هو صاحب الأنصاب. وأوّل من غنّى بها وعنه أخذ النّصب في الغناء هو أحمد بن أسامة الهمداني، من رهط الأعشى الأدنين. ولم أجد نسبه متّصلا فأذكره. وكان يغني بالطّنبور في الإسلام. وكان، فيما يقال، ينادم عبيد اللّه بن زياد سرّا ويغنّيه. وله صنعة كثيرة حسنة لم يلحقها أحد من الطّنبوريّين ولا كثير ممّن يغنّي بالعود.
وذكره جحظة في كتاب الطّنبوريين فأتى من ذكره بشيء ليس من جنس أخباره ولا زمانه، وثلبه فيما ذكره.
وكان مذهبه - عفا اللّه عنا وعنه - في هذا الكتاب أن يثلب جميع من ذكره من أهل صناعته بأقبح ما قدر عليه، وكان يجب عليه ضدّ هذا، لأن من انتسب إلى صناعة، ثم ذكر متقدّمي أهلها، كان الأجمل به أن يذكر محاسن أخبارهم وظريف قصصهم ومليح ما عرفه منهم لا أن يثلبهم بما لا يعلم وما يعلم. فكان فيما قرأت عليه من هذا الكتاب أخبار أحمد النّصبي، وبه صدّر كتابه فقال: أحمد النّصبي أوّل من غنّى الأنصاب على الطنبور وأظهرها وسيّرها؛ ولم يخدم خليفة ولا كان له شعر ولا أدب.
وحدّثني جماعة من الكوفيّين أنه لم يكن بالكوفة أبخل منه مع يساره، وأنه كان يقرض الناس بالرّبا، وأنه اغتصّ في دعوة دعي إليها بفالوذجة حارّة فبلعها فجمعت أحشاءه فمات. وهذا كلّه باطل. أما الغناء فله منه صنعة في الثقيل الأول وخفيف الثقيل والثقيل الثاني، ليس لكثير أحد مثلها. منها الصوت الذي تقدّم ذكره وهو قوله:
حيّيا خولة منّي بالسلام
ومنها:
سلبت الجواري حليهنّ فلم تدعسوارا ولا طوقا على النحر مذهبا
وهو من الثقيل الثاني، والشعر للعديل بن الفرخ، وقد ذكرت ذلك في أخباره.
ومنها:
يأيها القلب المطيع الهوىأنّى اعتراك الطّرب النازح
وهو أيضا من الثقيل الثاني، وأصوات كثيرة نادرة تدل على تقدمه.
وأما ما وصفه من بخله وقرضه للناس بالرّبا وموته من فالوذجة حارة أكلها، فلا أدري من من الكوفيين حدّثه بهذا الحديث، ليس يخلو من أن يكون كاذبا، أو نحل هو هذه الحكاية ووضعها هنا، لأن أحمد النّصبي خرج مع أعشى همدان وكان قرابته وإلفه في عسكر ابن الأشعث، فقتل فيمن قتل. روى ذلك الثّقات من أهل الكوفة والعلم بأخبار الناس، وذلك يذكر في جملة أخباره.
أخبرنا محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه، وذكره العنزي في أخبار أعشى همدان المذكورة عنه عن رجاله المسمّين قال: كان أحمد النّصبي مواخيا لأعشى همدان مواصلا له، فأكثر غنائه في أشعاره مثل صنعته في شعره:
حيّيا خولة منّي بالسلام
لمن الظّعائن سيرهن ترجّف
يأيها القلب المطيع الهوى
وهذه الأصوات قلائد صنعته وغرر أغانيه. قال: وكان سبب قوله الشعر في سليم بن صالح بن سعد بن جابر العنبريّ - وكان منزل سليم ساباط المدائن - أن أعشى همّدان وأحمد النّصبيّ خرجا في بعض مغازيهما، فنزلا على سليم فأحسن قراهما وأمر لدوابّهما بعلوفة وقضيم، وأقسم عليهما أن ينتقلا إلى منزله ففعلا، فعرض عليهما الشراب فأنعما به وطلباه فوضعه بين أيديهما وجلسا يشربان؛ فقال أحمد النّصبي للأعشى: قل في هذا الرجل الكريم شعرا تمدحه به حتى أغنّي فيه؛ فقال الأعشى يمدحه:
يأيها القلب المطيع الهوىأنّى اعتراك الطّرب النازح
تذكر جملا فإذا ما نأتطار شعاعا قلبك الطامح
هلّا تناهيت وكنت امرأيزجرك المرشد والنّاصح
مالك لا تترك جهل الصّباوقد علاك الشّمط الواضح
فصار من ينهاك عن حبّهالم تر إلا أنه كاشح
يا جمل ما حبّي لكم زائلعنّي ولا عن كبدي نازح
ضحمّلت ودّا لكم خالصاجدّا إذا ما هزل المازح
ثم لقد طال طلابيكمأسعى وخير العمل النّاجح
إني توسّمت امرأ ماجدايصدق في مدحته المادح
ذؤابة العنبر فاخترتهوالمرء قد ينعشه الصالح
أبلج بهلولا وظنّي بهأنّ ثنائي عنده رابح
سليم ما أنت بنكس ولاذمّك لي غاد ولا رائح
أعطيت ودّي وثنائي معاوخلّة ميزانها راجح
أرعاك بالغيب وأهوى لك الرّشد وجيبي فاعلمن ناصح
إني لمن سالمت سلم ومنعاديت أمسي وله ناطح
في الرأس منه وعلى أنفهمن نقماتي ميسم لائح
نعم فتى الحيّ إذا ليلةلم يور فيها زنده القادح
وراح بالشّول إلى أهلهامغبّرة أذقانها كالح
وهبّت الريح شآميةفانجحر القابس والنابح
قد علم الحيّ إذا أمحلواأنك رفّاد لهم مانح
في الليلة القالي قراها التيلا عابق فيها ولا صابح
فالضيف معروف له حقّهله على أبوابكم فاتح
والخيل قد تعلم يوم الوغىأنّك من جمرتها ناضح
قال: فغنّى أحمد النّصبيّ في بعض هذه الأبيات، وجارية لسليم في السطح، فسمعت الغناء، فنزلت إلى مولاها وقالت: إني سمعت من أضيافك شعرا ما سمعت أحسن منه؛ فخرج معها مولاها فاستمع حتى فهم، ثم نزل فدخل عليهما، فقال لأحمد: لمن هذا الشعر والغناء؟ ومن أنتما؟ فقال: الشعر لهذا، وهو أبو المصبّح أعشى همدان، والغناء لي، وأنا أحمد النّصبيّ الهمّداني؛ فانكبّ على رأس أعشى همدان فقبّله وقال: كتمتماني أنفسكما، وكدتما أن تفارقاني ولم أعرفكما، ولم أعلم خبركما، واحتبسهما شهرا ثم حملهما على فرسين، وقال: خلّفا عندي ما كان من دوابكما، وارجعا من مغزاكما إليّ. فمضيا إلى مغزاهما، فأقاما حينا ثم انصرفا، فلما شارفا منزله قال أحمد للأعشى: إني أرى عجبا! قال: وما هو؟ قال: أرى فوق قصر سليم ثعلبا؛ قال: لئن كنت صادقا فما بقي في القرية أحد. فدخلا القرية، فوجدا سليما وجميع أهل القرية قد أصابهم الطاعون، فمات أكثرهم وانتقل باقيهم.
هكذا ذكر إسحاق، وذكر غيره: أن الحجاج طالب سليما بمال عظيم، فلم يخرج منه حتى باع كل ما يملكه، وخربت قريته وتفرّق أهلها؛ ثم باعه الحجاج عبدا، فاشتراه بعض أشراف أهل الكوفة، إما أسماء بن خارجة وإما بعض نظرائه، فأعتقه.
نسبة هذا الصوت الذي قال الأعشى شعره وصنع أحمد النصبيّ لحنه في سليم
صوت
يأيها القلب المطيع الهوىأنّى اعتراك الطرب النازح
تذكر جملا فإذا ما نأتطار شعاعا قلبك الطامح
أعطيت ودّي وثنائي معاوخلّة ميزانها راجح
إني تخيرت امرأ ماجدايصدق في مدحته المادح
سليم ما أنت بنكس ولاذمّك لي غاد ولا رائح
نعم فتى الحيّ إذا ليلةلم يور فيها زنده القادح
وراح بالشّول إلى أهلهامغبرّة أذقانها كالح
وهبّت الريح شآميةفانجحر القابس والنابح
الشعر لأعشى همدان. والغناء لأحمد النّصبي، ولحنه ثاني ثقيل بالسبّابة في مجرى الوسطى عن إسحاق.
وذكر يونس أن فيه لمالك لحنا ولسنان الكاتب لحنا آخر.
صوت من المائة المختارة
تنكّر من سعدى وأقفر من هندمقامهما بين الرّغامين فالفرد
محلّ لسعدى طالما سكنت بهفأوحش ممن كان يسكنه بعدي
الشعر لحمّاد الراوية. والغناء لعبادل، ولحنه المختار من الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، ذكر الهشاميّ أنه للهذليّ، وذكر عمرو بن بانة أنه لعبادل بن عطيّة.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع