من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار حماد الراوية ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو حمّاد بن ميسرة، فيما ذكره الهيثم بن عديّ، وكان صاحبه وراويته وأعلم الناس به، وزعم أنه مولى بني شيبان. وذكر المدائنيّ والقحذميّ أنه حماد بن سابور، وكان من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها وأشعارها وأنسابها ولغاتها. وكانت ملوك بني أمية تقدّمه وتؤثره وتستزيره، فيفد عليهم وينادمهم ويسألونه عن أيام العرب وعلومها ويجزلون صلته.
حدّثنا محمد بن العبّاس اليزيديّ وعمّي وإسماعيل العتكيّ قالوا حدّثنا الرّياشيّ قال: قال الأصمعيّ: كان حمّاد أعلم الناس إذا نصح. قال وقلت لحماد: ممن أنتم؟ قال: كان أبي من سبى سلمان بن ربيعة، فطرحتنا سلمان لبني شيبان، فولاؤنا لهم. قال: وكان أبوه يسمّى ميسرة، ويكنى أبا ليلى.
قال العتكيّ في خبره: قال الرّياشيّ: وكذلك ذكر الهيثم بن عديّ في أمر حمّاد.
أخبرني عمي قال حدّثني الكراني قال حدّثنا العمري عن العتبيّ والهيثم بن عديّ ولقيط قالوا: قال الوليد بن يزيد لحمّاد الراوية: بم استحققت هذا اللقب فقيل لك الراوية؟ فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعرف أنك لم تعرفه ولم تسمع به، ثم لا أنشد شعرا قديما ولا محدثا إلا ميّزت القديم منه من المحدث؛ فقال: إنّ هذا لعلم وأبيك كثير! فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثيرا، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطّعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام؛ قال: سأمتحنك في هذا، وأمره بالإنشاد؛ فأنشد الوليد حتى ضجر، ثم وكّل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفى عليه؛ فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهليين، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم.
أخبرني يحيى بن عليّ المنجّم قال حدّثني أبي قال حدّثني إسحاق الموصليّ عن مروان بن أبي حفصة، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني أبو بكر العامريّ عن الأثرم عن مروان بن أبي حفصة قال: دخلت أنا وطريح بن إسماعيل الثّقفي والحسين بن مطير الأسدي في جماعة من الشعراء على الوليد بن يزيد وهو في فرش قد غاب فيها، وإذا رجل عنده، كلّما أنشد شاعر شعرا، وقف الوليد بن يزيد على بيت بيت من شعره وقال: هذا أخذه من موضع كذا وكذا، وهذا المعنى نقله من موضع كذا وكذا من شعر فلان، حتى أتى على أكثر الشعر؛ فقلت: من هذا؟ فقالوا: حمّاد الراوية. فلما وقفت بين يدي الوليد أنشده قلت: ما كلام هذا في مجلس أمير المؤمنين وهو لحنة لحّانة؛ فأقبل الشيخ عليّ وقال: يابن أخي، إني رجل أكلّم العامة فأتكلم بكلامها، فهل تروي من أشعار العرب شيئا؟ فذهب عنّي الشعر كله إلا شعر ابن مقبل؛ فقلت له: نعم، شعر ابن مقبل؛ قال: أنشد، فأنشدته قوله:
سل الدار من جنبي حبرّ فواهبإذا ما رأى هضب القليب المضيّح
ثم جزت؛ فقال لي: قف فوقفت؛ فقال لي: ماذا يقول؟ فلم أدر ما يقول! فقال لي حماد: يابن أخي، أنا أعلم الناس بكلام العرب. يقال: تراءى الموضعان إذا تقابلا.
حدّثني عمّي قال حدّثني الكراني عن العمري عن الهيثم بن عديّ قال: قلت لحماد الراوية يوما: ألق عليّ ما شئت من الشعر أفسّره لك؛ فضحك وقال لي: ما معنى قول ابن مزاحم الثّماليّ:
تخوّف السير منها تامكا قرداكما تخوّف عود النّبعة السّفن؟
فلم أدر ما أقول؛ فقال: تخوّف: تنقّص. قال اللّه عزّ وجلّ: أَوْ يَاخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ
أي على تنقّص.
قال الهيثم: ما رأيت رجلا أعلم بكلام العرب من حمّاد.
حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني الكرانيّ محمد بن سعد عن النّضر بن عمرو عن الوليد بن هشام عن أبيه قال: أنشدني الفرزدق وحماد الراوية حاضر:
وكنت كذئب السّوء لمّا رأى دمابصاحبه يوما أحال على الدم
فقال له حماد: آنت تقوله؟ قال: نعم؛ قال: ليس الأمر كذلك، هذا لرجل من أهل اليمن؛ قال: ومن يعلم هذا غيرك! أفأردت أن أتركه وقد نحلنيه الناس ورووه لي لأنك تعلمه وحدك ويجهله الناس جميعا غيرك!.
حدّثني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني الفضل قال حدّثني ابن النّطّاح قال حدّثني أبو عمرو الشّيباني قال: ما سألت أبا عمرو بن العلاء قطّ عن حمّاد الراوية إلا قدّمه على نفسه، ولا سألت حمّادا عن أبي عمرو إلا قدّمه على نفسه.
حدّثنا إبراهيم بن أيّوب عن عبد اللّه بن مسلم، وذكر عبد اللّه بن مسلم عن الثّقفيّ عن إبراهيم بن عمر والعامري قالا: كان بالكوفة ثلاثة نفر يقال لهم الحمّادون: حماد عجرد، وحماد بن الزّبرقان، وحماد الراوية، يتنادمون على الشراب ويتناشدون الأشعار ويتعاشرون معاشرة جميلة، وكانوا كأنهم نفس واحدة، وكانوا يرمون بالزندقة جميعا.
أخبرني الحسن بن يحيى المرداسيّ قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه قال: دخل مطيع بن إياس ويحيى بن زياد على حماد الراوية، فإذا سراجه على ثلاث قصبات قد جمع أعلاهنّ وأسفلهنّ بطين، فقال له يحيى بن زياد: يا حماد، إنك لمسرف مبتذل لحرّ المتاع؛ فقال له مطيع: ألا تبيع هذه المنارة وتشتري أقلّ ثمنا منها وتنفق علينا وعلى نفسك الباقي وتتّسع به؟ فقال له يحيى: ما أحسن ظنّك به! ومن أين له مثل هذه؟ إنما هي وديعة أو عارية؛ فقال له مطيع: أما إنه لعظيم الأمانة عند الناس! قال له يحيى: وعلى عظيم أمانته فما أجهل من يخرج مثل هذه من داره ويأمن عليها غيره! قال مطيع: ما أظنها عارية ولا وديعة ولكني أظنها مرهونة عنده على مال، وإلا فمن يخرج هذه من بيته! فقال لهما حماد: قوما عني يا بني الزانيتين واخرجا من منزلي، فشرّ منكما من يدخلكما بيته.
حدّثني الحسن بن علي قال حدّثنا أحمد بن عبيد وأبو عصيدة قال حدّثني محمد بن عبد الرحمن العبدي عن حميد بن محمد الكوفي عن إبراهيم بن عبد الرحمن القرشي عن محمد بن أنس، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الرواية، وخبر حمّاد بن إسحاق أتمّ واللفظ له.
قال حماد الراوية: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، فكان هشام يجفوني لذلك دون سائر أهله من بني أمية في أيام يزيد، فلما مات يزيد وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا لمن أثق به من إخواني سرّا؛ فلما لم أسمع أحدا يذكرني سنة أمنت فخرجت فصلّيت الجمعة، ثم جلست عند باب الفيل فإذا شرطيّان قد وقفا عليّ فقالا لي: يا حمّاد، أجب الأمير يوسف بن عمر؛ فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشّرطيّين: هل لكما أن تدعاني آتي أهلي فأودّعهم وداع من لا ينصرف إليهم أبدا ثم أصير معكما إليه؟ فقالا: ما إلى ذلك من سبيل. فاستسلمت في أيديهما وصرت إلى يوسف بن عمر وهو في الإيوان الأحمر، فسلّمت عليه فردّ عليّ السلام، ورمى إليّ كتابا فيه: «بسم اللّه الرحمن الرحيم. من عبد اللّه هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به غير مروّع ولا متعتع، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملا مهريا يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق». فأخذت الخمسمائة الدينار، ونظرت فإذا جمل مرحول، فوضعت رجلي في الغرز وسرت اثنتي عشرة ليلة حتى وافيت باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء مفروشة بالرّخام، وهو في مجلس مفروش بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء وعليه ثياب خزّ حمر وقد تضمّخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب يقلّبه بيده فتفوح روائحه، فسلّمت فردّ عليّ، واستدناني فدنوت حتى قبّلت رجله، وإذا جاريتان لم أر قبلهما مثلهما، في أذني كلّ واحدة منهما حلقتان من ذهب فيهما لؤلؤلتان تتوقّدان؛ فقال لي: كيف أنت يا حماد وكيف حالك؟ فقلت بخير يا أمير المؤمنين؛ قال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا؛ قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي لم أدر من قاله؛ قلت: وما هو؟ فقال:
فدعوا بالصّبوح يوما فجاءتقينة في يمينها إبريق
قلت: هذا يقوله عديّ بن زيد في قصيدة له؛ قال: فأنشدنيها، فأنشدته:
بكر العاذلون في وضح الصبح يقولون لي ألا تستفيق
ويلومون فيك يابنة عبد اللّه والقلب عندكم موهوق
لست أدري إذ أكثروا العذل عنديأعدوّ يلومني أو صديق
زانها حسنها وفرع عميموأثيث صلت الجبين أنيق
وثنايا مفلّجات عذابلا قصار ترى ولا هنّ روق
فدعوا بالصّبوح يوما فجاءتقينة في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين الديك صفّى سلافها الرّاووق
مرّة قبل مزجها فإذا مامزجت لذّ طعمها من يذوق
وطفت فوقها فقاقيع كالدرّ صغار يثيرها التّصفيق
ثم كان المزاج ماء سماءغير ما آجن ولا مطروق
قال: فطرب، ثم قال: أحسنت واللّه يا حمّاد، يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. وقال: أعد، فأعدت، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي.
فقلت: إن سقتني الثالثة افتضحت، فقال: سل حوائجك، فقلت: كائنة ما كانت؟ قال: نعم؛ قلت: إحدى الجاريتين؛ فقال لي: هما جميعا لك بما عليهما وما لهما، ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت معها، فلم أعقل حتى أصبحت فإذا بالجاريتين عند رأسي، وإذا عدّة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة، فقال لي أحدهم: أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هذه فانتفع بها، فأخذتها والجاريتين وانصرفت. هذا لفظ حمّاد عن أبيه. ولم يقل أحمد بن عبيد في خبره أنه سقاه شيئا، ولكنّه ذكر أنه طرب لإنشاده، ووهب له الجاريتين لمّا طلب إحداهما، وأنزله في دار، ثم نقله من غد إلى منزل أعدّه له، فانتقل إليه فوجد فيه الجاريتين وما لهما وكلّ ما يحتاج إليه، وأنه أقام عنده مدّة فوصل إليه مائة ألف درهم، وهذا هو الصحيح؛ لأن هشاما لم يكن يشرب ولا يسقي أحد بحضرته مسكرا، وكان ينكر ذلك ويعيبه ويعاقب عليه.
في أبيات عديّ المذكورة في هذا الخبر غناء، نسبته:
صوت
بكر العاذلون في وضح الصبح يقولون ما له لا يفيق
ويلومون فيك يابنة عبد اللّه والقلب عندكم موهوق
ثم نادوا إلى الصّبوح فقامتقينة في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين الدّيك صفّى سلافها الراووق
في البيتين الأوّلين لحن من الثقيل الأوّل مختلف في صانعه، نسبه يحيى بن المكيّ إلى معبد، ونسبه الهشاميّ إلى حنين. وفي الثالث وهو «ثم نادوا» والرابع لعبد اللّه بن العباس الرّبيعيّ رمل، وفيهما خفيف رمل ينسب إلى مالك وخفيف ثقيل، ذكر حبش أنه لحنين.
أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى قالا حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن الأصمعيّ قال: قال حماد الراوية: كتب الوليد بن يزيد وهو خليفة إلى يوسف بن عمر: احمل إليّ حمادا الراوية على ما أحبّ من دواب البريد، وأعطه عشرة آلاف درهم معونة له؛ فلما أتاه الكتاب وأنا عنده نبذه إليّ، فقلت: السمع والطاعة، فقال: يا دكين بن شجرة، أعطه عشرة آلاف درهم، فأخذتها. فلما كان اليوم الذي أردت الخروج فيه أتيت يوسف مودّعا، فقال: يا حماد، أنا بالموضع الذي قد عرفت من أمير المؤمنين، ولست مستغنيا عن ثنائك، فقلت: أصلح اللّه الأمير: «إنّ العوان لا تعلّم الخمرة». فخرجت حتى أتيت الوليد بن يزيد وهو بالبخراء، فاستأذنت فأذن لي، فإذا هو على سرير ممهّد وعليه ثوبان: إزار ورداء يقيئان الزعفران قيئا، وإذا عنده معبد ومالك وأبو كامل مولاه، فتركني حتى سكن جأشي، ثم قال: أنشدني:
أمن المنون وريبها تتوجّع
فأنشدته إيّاها حتى أتيت على آخرها. فقال لساقيه: اسقه يا سبرة أكؤسا، فسقاني ثلاث أكؤس خدّرت ما بين الذؤابة والنعل. ثم قال: يا معبد غنّني:
ألا هل جاءك الأظعان إذ جاوزن مطّلحا
فغنّاه. ثم قال: غنني:
أتنسى إذ تودّعنا سليمىبفرع بشامة، سقي البشام
فغنّى. ثم قال: غنني:
جلا أميّة عنّا كلّ مظلمةسهل الحجاب وأوفى بالذي وعدا
فغنّاه. ثم قال: اسقني يا غلام بزبّ فرعون، فأتاه بقدح معوجّ فيه طول فسقاه به عشرين قدحا. ثم أتاه الحاجب فقال: أصلح اللّه أمير المؤمنين، الرجل الذي طلبت بالباب؛ فقال: أدخله، فدخل غلام شابّ لم أر أحسن منه وجها في رجله فدع، فقال: يا سبرة اسقه كأسا، فسقاه، ثم قال له: غنني:
وهي إذ ذاك عليها مئزرولها بيت جوار من لعب
فغنّاه، فنبذ إليه أحد ثوبيه، ثم قال: غنني:
طرق الخيال فمرحباألفا برؤية زينبا
فغضب معبد وقال: يا أمير المؤمنين، إنا مقبلون إليك بأقدارنا وأسناننا، وإنك تتركنا بمزجر الكلب وأقبلت على هذا الصبي؛ فقال: واللّه يا أبا عبّاد ما جهلت قدرك ولا سنّك، ولكن هذا الغلام طرحني على مثل الطّياجن من حرارة غنائه. فسألت عن الغلام؟ فإذا هو ابن عائشة.
حدّثني الحسن بن محمد المادرانيّ الكاتب قال حدّثني الرياشيّ عن العتبيّ، وأخبرني به هاشم بن محمد عن الرياشي - وليس خبره بتمام هذا - قال: طلب المنصور حمّادا الراوية، فطلب ببغداد فلم يوجد، وسئل عنه إخوانه فعرّفوا من سألهم عنه أنه بالبصرة، فوجّهوا إليه برسول يشخصه. قال الرسول: فوجدته في حانة وهو عريان يشرب نبيذا من إجّانة وعلى سوأته رأس دستجة، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فما رأيت رسالة أرفع ولا حالة أوضع من تلك. فأجاب، فأشخصته إليه. فلما مثل بين يديه، قال له: أنشدني شعر هفّان بن همّام بن نضلة يرثي أباه؛ فأنشده:
خليلّ عوجا إنها حاجة لناعلى قبر همّام سقته الرواعد
على قبر من يرجى نداه ويبتغىجداه إذا لم يحمد الأرض رائد
كريم النّثا حلو الشمائل بينهوبين المزجّى نفنف متباعد
إذا نازع القوم الأحاديث لم يكنعيّيا ولا ثقلا على من يقاعد
صبور على العلّات يصبح بطنهخميصا وآتيه على الزاد حامد
وضعنا الفتى كلّ الفتى في حفيرةبحرّين قد راحت عليه العوائد
صريعا كنصل السيف تضرب حولهترائبهنّ المعولات الفواقد
قال: فبكى أبو جعفر حتى أخضل لحيته، ثم قال: هكذا كان أخي أبو العباس رضي اللّه عنه.
أخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ قال حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان جعفر بن أبي جعفر المنصور المعروف بابن الكرديّة يستخفّ مطيع بن إياس ويحبه، وكان منقطعا إليه وله معه منزلة حسنة، فذكر له حمادا الراوية، وكان صديقه، وكان مطّرحا مجفوّا في أيامهم، فقال: ائتنا به لنراه.
فأتى مطيع حمّادا فأخبره بذلك وأمره بالمسير معه إليه؛ فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية ومالي عند هؤلاء خير، فأبى مطيع إلّا الذهاب إليه، فاستعار حماد سوادا وسيفا ثم أتاه، ثم مضى به مطيع إلى جعفر. فلما دخل عليه سلّم عليه سلاما حسنا وأثنى عليه وذكر فضله؛ فردّ عليه وأمره بالجلوس فجلس. فقال جعفر: أنشدني؛ فقال: لمن أيها الأمير؟ ألشاعر بعينه أم لمن حضر؟ قال: بل أنشدني لجرير. قال حمّاد: فسلخ واللّه شعر جرير كلّه من قلبي إلا قوله:
بان الخليط برامتين فودّعواأو كلّما اعتزموا لبين تجزع
فاندفعت فأنشدته إياه، حتى انتهيت إلى قوله:
وتقول بوزع قد دببت على العصاهلّا هزئت بغيرنا يا بوزع
قال حماد: فقال لي جعفر: أعد هذا البيت، فأعدته؛ فقال: بوزع، أيّ شيء هو؟ فقلت: اسم امرأة؛ فقال: امرأة اسمها بوزع! هو بريء من اللّه ورسوله ونفيّ من العباس بن عبد المطلب إن كانت بوزع إلا غولا من الغيلان! تركتني واللّه يا هذا لا أنام الليلة من فزع بوزع؛ يا غلمان! قفاه؛ فصفعت واللّه حتى لم أدر أين أنا؛ ثم قال: جرّوا برجله: فجرّوا برجلي حتى أخرجت من بين يديه مسحوبا، فتخرّق السواد وانكسر جفن السيف ولقيت شرا عظيما مما جرى عليّ؛ وكان أغلظ من ذلك كلّه وأشدّ بلاء إغرامي ثمن السّواد وجفن السيف؛ فلما انصرفت أتاني مطيع يتوجّع لي؛ فقلت له: ألم أخبرك أني لا أصيب منهم خيرا وأنّ حظّي قد مضى مع بني أمية!.
حدّثني جعفر بن قدامة قال حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: بلغني أن رجلا تحدّث في مجلس حماد الراوية فقال: بلغني أن المأبون له رحم كرحم المرأة - قال: وكان الرجل يرمى بهذا الداء - فقال حماد لغلامه: اكتب هذا الخبر عن الشيخ، فإن خير العلم ما حمل عن أهله.
قال: وكتب حماد الراوية إلى بعض الأشراف الرؤساء قال:
إن لي حاجة فرأيك فيهالك نفسي فدّى من الأوصاب
وهي ليست مما يبلّغها غيري ولا يستطيعها في كتاب
غير أنّي أقولها حين ألقاك رويدا أسرّها في حجاب
فكتب إليه الرجل: اكتب إليّ بحاجتك ولا تشهرني بشعرك؛ فكتب إليه حماد:
إنني عاشق لجبّتك الدّكناء عشقا قد حال دون الشراب
فاكسنيها فدتك نفسي وأهليأتباهى بها على الأصحاب
ولك اللّه والأمانة أن أجعلها عمرها أمير ثيابي
فبعث إليه بها. وقد رويت هذه القصة لمطيع بن إياس.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدّثني أبو يعقوب الخزيميّ قال: كنت في مجلس فيه حماد عجرد وحماد الرواية ومعنا غلام أمرد، فنظر إليه حماد الراوية نظرا شديدا وقال لي: يا أبا يعقوب، قد عزمت الليلة على أن أدبّ على هذا الغلام؛ فقلت: شأنك به؛ ثم نمنا، فلم أشعر بشيء إلا وحماد ينيكني، وإذا أنا قد غلطت ونمت في موضع الغلام، فكرهت أن أتكلّم فينتبه الناس فأفتضح وأبطل عليه ما أراد، فأخذت بيده فوضعتها على عيني العوراء ليعرفني؛ فقال: قد عرفت الآن، فيكون ماذا! وفديناه بذبح عظيم.
قال: وما برح علم اللّه وأنا أعالجه جهدي فلا ينفعني حتى أنزل.
قال إسحاق: وأهدى حماد إلى صديق له غلاما وكتب إليه: قد بعثت إليك غلاما تتعلم عليه كظم الغيظ.
ستهدي نبيذا من صديق له فأجابه: قال: واستهدى من صديق له نبيذا فأهدى إليه دسيتجة نبيذ. فكتب إليه: لو عرفت في العدد أقلّ من واحد، وفي الألوان شرّا من السواد، لأهديته إليّ.
قال: وسمع مغنية تغني:
عاد قلبي من الطويلة عاد
فقال: وثمود، فإن اللّه عزّ وجلّ لم يفرق بينهما. والشعر: عاد قلبي من الطويلة عيد
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثني أبو عثمان اللاحقي، وأخبرني به محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلّام عن بشر بن المفضّل بن لاحق قال: جاء رجل إلى حمّاد الراوية فأنشده شعرا وقال: أنا قلته؛ فقال له أنت لا تقول مثل هذا، هذا ليس لك، وإن كنت صادقا فاهجني. فذهب ثم عاد إليه فقال له: قد قلت فيك:
سيعلم حمّاد إذا ما هجوتهأأنتحل الأشعار أم أنا شاعر
ألم تر حمادا تقدّم بطنهوأخّر عنه ما تجنّ المآزر
فليس براء خصيتيه ولو جثالركبته، مادام للزيت عاصر
فيا ليته أمسى قعيدة بيتهله بعل صدق كومه متواتر
فحماد نعم العرس للمرء يبتغي النكاح وبئس المرء فيمن يفاخر
فقال حماد: حسبنا، عافاك اللّه، هذا المقدار وحسبك! قد علمنا أنك شاعر وأنك قائل الشعر الأول وأجود منه، وأحب أن تكتم هذا الشعر ولا تذيعه فتفضحني؛ فقال له: قد كنت غنيّا عن هذا. وانصرف الرجل وجعل حماد يقول: أسمعتم أعجب مما جررت على نفسي من البلاء!.
حدّثني الأسدي أبو الحسن قال حدّثنا الرّياشي قال حدّثنا أبو عبد اللّه الفهميّ قال: عاب حمّاد الراوية شعرا لأبي الغول فقال يهجوه:
نعم الفتى لو كان يعرف ربّهويقيم وقت صلاته حماد
هدلت مشافره الدّنان فأنفهمثل القدوم يسنّها الحدّاد
وابيض من شرب المدامة وجههفبياضه يوم الحساب سواد
لا يعجبنّك بزّه وثيابهإن اليهود ترى لها أجلاد
حمّاد يا ضبعا تجرّ جعارهاأخنى لها بالقريتين جراد
سبعا يلاعبها ابنها وبناتهاولها من الخرق الكبار وساد
قال معنى قوله:
أخنى لها بالقريتين جراد
هو مثل قول العرب للضّبع: خامري أمّ عامر، أبشري بجراد عظال وكمر رجال؛ فإن الضبع تجيء إلى القتيل وقد استلقى على قفاه، وانتفخ غرموله فكان كالمنعظ، فتحتكّ به وتحيض من الشهوة، فيثب عليها الذئب حينئذ فتلد منه السّمع، وهو دابة، لا يولد له مثل البغل. وفي مثل هذا المعنى يقول الشّنفري الأزدي.
تضحك الضّبع لقتلى هذيلوترى الذئب لها يستهلّ
تضحك: تحيض.
كان لصا ثم تاب وطلب الأدب والشعر: وقال ابن النطّاح: كان حمّاد الراوية في أوّل أمره يتشطّر ويصحب الصعاليك واللصوص، فنقب ليلة على رجل فأخذ ماله وكان فيه جزء من شعر الأنصار، فقرأه حماد فاستحلاه وتحفّظه، ثم طلب الأدب والشعر وأيام الناس ولغات العرب بعد ذلك، وترك ما كان عليه فبلغ في العلم ما بلغ.
حدّثنا محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثني عمّي الفضل عن أبيه عن جدّه عن حمّاد الراوية قال: دخلت على المهديّ فقال: أنشدني أحسن أبيات قيلت في السّكر، ولك عشرة آلاف درهم وخلعتان من كسوة الشتاء والصيف؛ فأنشدته قول الأخطل:
ترى الزّجاج ولم يطمث يطيف بهكأنه من دم الأجواف مختضب
حتى إذا افتضّ ماء المزن عذرتهاراح الزجاج وفي ألوانه صهب
تنزو إذا شجّها بالماء مازجهانزو الجنادب في رمضاء تلتهب
راحوا وهم يحسبون الأرض في فلكإن صرّعوا وقت الراحات والرّكب
فقال لي: أحسنت وأمر لي بما شرطه ووعدني به فأخذته.
حدّثني اليزيديّ قال حدّثني عمي عبيد اللّه قال حدّثني سليمان بن أبي شيخ قال حدّثني صالح بن سليمان قال: قدم حمّاد الراوية على بلال بن أبي بردة البصرة، وعند بلال ذو الرّمّة، فأنشده حماد شعرا مدحه به؛ فقال بلال لذي الرّمّة: كيف ترى هذا الشعر؟ قال: جيّدا وليس له؛ قال: فمن يقوله؟ قال: لا أدري إلا أنه لم يقله؛ فلما قضى بلال حوائج حماد وأجازه، قال له: إن لي إليك حاجة؛ قال: هي مقضية؛ قال: أنت قلت ذلك الشعر؟ قال: لا؛ قال: فمن يقوله؟ قال: بعض شعراء الجاهلية، وهو شعر قديم وما يرويه غيري؛ قال: فمن أين علم ذو الرمة أنه ليس من قولك؟ قال: عرف كلام أهل الجاهلية من كلام أهل الإسلام.
قال صالح: وأنشد حمّاد الراوية بلال بن أبي بردة ذات يوم قصيدة قالها ونحلها الحطيئة يمدح أبا موسى الأشعري يقول فيها:
جمعت من عامر فيها ومن جشمومن تميم ومن حاء ومن حام
مستحقبات رواياها جحافلهايسمو بها أشعريّ طرفه سامي
فقال له بلال: قد علمت أن هذا شيء قلته أنت ونسبته إلى الحطيئة، وإلا فهل كان يجوز أن يمدح الحطيئة أبا موسى بشيء لا أعرفه أنا ولا أرويه! ولكن دعها تذهب في الناس وسيّرها حتى تشتهر، ووصله.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال سمعت أحمد بن الحارث الخرّاز يقول سمعت ابن الأعرابي يقول سمعت المفضّل الضّبيّ يقول: قد سلّط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده فلا يصلح أبدا. فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطىء في روايته أم يلحن؟ قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردّون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك!.
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدّثني السّعيدي الراوية وأبو إياد المؤدّب - وكان مؤدّبي ثم أدّب المعتصم بعد ذلك وقد تعالت سنّه - وحدّثني بنحو من ذلك عبد اللّه بن مالك وسعيد بن سلم وحدّثني به ابن غزالة أيضا واتفقوا عليه: أنهم كانوا في دار أمير المؤمنين المهدي بعيسا باذ، وقد اجتمع فيها عدّة من الرواة والعلماء بأيام العرب وآدابها وأشعارها ولغاتها، إذ خرج بعض أصحاب الحاجب، فدعا بالمفضّل الضّبّي الراوية فدخل، فمكث مليّا ثم خرج إلينا ومعه حمّاد والمفضّل جميعا وقد بان في وجه حماد الانكسار والغم، وفي وجه المفضّل السرور والنشاط، ثم خرج حسين الخادم معهما، فقال يا معشر من حضر من أهل العلم: إن أمير المؤمنين يعلمكم أنه قد وصل حمادا الشاعر بعشرين ألف درهم لجودة شعره وأبطل روايته لزيادته في أشعار الناس ما ليس منها، ووصل المفضّل بخمسين ألفا لصدقه وصحة روايته، فمن أراد أن يسمع شعرا جيدا محدثا فليسمع من حماد، ومن أراد رواية صحيحة فليأخذها عن المفضّل؛ فسألنا عن السبب فأخبرنا أن المهديّ قال للمفضل لما دعا به وحده: إني رأيت زهير بن أبي سلمى افتتح قصيدته بأن قال:
دع ذا وعدّ القول في هرم
ولم يتقدّم له قبل ذلك قول، فما الذي أمر نفسه بتركه؟ فقال له المفضّل: ما سمعت يا أمير المؤمنين في هذا شيئا إلا أنّي توهمته كان يفكّر في قول يقوله، أو يروّي في أن يقول شعرا فعدل عنه إلى مدح هرم وقال دع ذا، أو كان مفكرا في شيء من شأنه فتركه وقال دع ذا، أي دع ما أنت فيه من الفكر وعدّ القول في هرم؛ فأمسك عنه. ثم دعا بحماد فسأله عن مثل ما سأل عنه المفضّل، فقال ليس هكذا قال زهير يا أمير المؤمنين؛ قال فكيف قال؟
فأنشده:
لمن الديار بقنّة الحجرأقوين مذ حجج ومذ دهر
قفر بمندفع النحائت منضفوى أولات الضّال والسّدر
دع ذا وعدّ القول في هرمخير الكهول وسيّد الحضر
قال: فأطرق المهديّ ساعة، ثم أقبل على حماد فقال له: قد بلغ أمير المؤمنين عنك خبر لابد من استحلافك عليه، ثم استحلفه بأيمان البيعة وكل يمين محرجة ليصدقنّه عن كل ما يسأله عنه، فحلف له بما توثّق منه. قال له: اصدقني عن حال هذه الأبيات ومن أضافها إلى زهير؛ فأقرّ له حينئذ أنه قائلها؛ فأمر فيه وفي المفضّل بما أمر به من شهرة أمرهما وكشفه.
أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثنا أحمد بن عبيد قال حدّثنا الأصمعيّ قال: قال حماد الراوية: أرسل إليّ أمير الكوفة فقال لي: قد أتاني كتاب أمير المؤمنين الوليد بن يزيد يأمرني بحملك. فجملت فقدمت عليه وهو في الصيد، فلما رجع أذن لي، فدخلت عليه وهو في بيت منجّد بالأرمنيّ أرضه وحيطانه؛ فقال لي: أنت حماد الراوية؟ فقلت له: إن الناس ليقولون ذلك؛ قال: فما بلغ من روايتك؟ قلت: أروي سبعمائة قصيدة أوّل كلّ واحدة منها: بانت سعاد؛ فقال: إنها لرواية! ثم دعا بشراب فأتته جارية بكأس وإبريق فصبّت في الكأس ثم مزجته حتى رأيت له حبابا؛ فقال: أنشدني في مثل هذه؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، هي كما قال عدي بن زيد:
بكر العاذلون في وضح الصبح يقولون لي ألا تستفيق
ثم ثاروا إلى الصّبوح فقامتقينة في يمينها إبريق
قدّمته على سلاف كريح المسك صفّى سلافها الرّاووق
فترى فوقها فقاقيع كالياقوت يجري خلالها التصفيق
قال: فشربها ولم يزل يستعيدني الأبيات ويشرب عليها حتى سكر؛ ثم قام فتناول مرفقة من تلك المرافق فجعلها على رأسه ونادى: من يشتري لحوم البقر؟ ثم قال لي: يا حماد، دونك ما في البيت فهو لك؛ فكان أوّل مال تأثّلته.
حدّثني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدّثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: قال خلف: كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المنحول، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها. وكان فيه حمق.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثني العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال حدّثني المسور العنزيّ - وكان من رواة العرب وكان أسنّ من سماك بن حرب - قال: دخلت على زياد فقال لي: أنشدني؛ فقلت: من شعر من أيها الأمير؟ قال: من شعر الأعشى؛ فأنشدته:
بكرت سميّة غدوة أجمالها
قال: فما أتممت القصيدة حتى تبيّنت الغضب في وجهه؛ وقال الحاجب للناس: ارتفعوا؛ فقاموا؛ ثم لم أعد واللّه إليه. قال حماد: فكنت بعد ذلك إذا استنشدني خليفة أو أمير تنّبهت قبل أن أنشده لئلا يكون في القصيدة اسم أمّ له أو ابنة أو أخت أو زوجة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الحارث الخرّاز عن المدائنيّ قال: قال الوليد بن يزيد لحمّاد الراوية: لم سمّيت الراوية؟ وما بلغ من حفظك حتى استحققت هذا الاسم؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، إن كلام العرب يجري على ثمانية وعشرين حرفا، أنا أنشدك على كل حرف منها مائة قصيدة؛ فقال: إنّ هذا لحفظ! هات، فاندفع ينشد حتى ملّ الوليد، ثم استخلف على الاستماع منه خليفة حتى وفّاه ما قال؛ فأحسن الوليد صلته وصرفه.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثني الحسين بن محمد بن أبي طالب الدّيناريّ قال حدّثني إسحاق الموصليّ قال: قال حماد الراوية: أرسل الوليد بن يزيد إليّ بمائتي دينار، وأمر يوسف بن عمر بحملي إليه على البريد. قال فقلت: لا يسألني إلا عن طرفيه قريش وثقيف، فنظرت في كتابي قريش وثقيف. فلما قدمت عليه سألني عن أشعار بليّ، فأنشدته منها ما استحسنه؛ ثم قال: أنشدني في الشراب - وعنده وجوه من أهل الشام - فأنشدته:
اصبح القوم قهوةفي أباريق تحتذى
من كميت مدامةحبّذا تلك حبذا
يترك الأذن شربهاأرجوانا بها خذا
فقال: أعدها، فأعدتها؛ فقال لخدمه: خذوا آذان القوم، فأتينا بالشراب فسقينا حتى ما درينا متى نقلنا؛ قال: ثم حملنا وطرحنا في دار الضّيفان، فما أيقظنا إلا حرّ الشمس. وجعل شيخ من أهل الشأم يشتمني ويقول: فعل اللّه بك وفعل، أنت الذي صنعت بنا هذا.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا أبو غسّان دماذ قال حدّثني أبو عبيدة قال حدّثني يحيى بن صبيرة بن الطّرمّاح بن حكيم عن أبيه عن جدّه الطّرمّاح قال: أنشدت حمّادا الراوية في مسجد الكوفة - وكان أذكى الناس وأحفظهم - قولي:
بان الخليط بسحرة فتبدّدوا
وهي ستون بيتا، فسكت ساعة ولا أدري ما يريد ثم أقبل عليّ فقال: أهذه لك؟ قلت: نعم؛ قال: ليس الأمر كما تقول، ثم ردّها عليّ كلّها وزيادة عشرين بيتا زادها فيها في وقته؛ فقلت له: ويحك! إن هذا الشعر قلته منذ أيام ما اطلع عليه أحد؛ قال: قد واللّه قلت أنا هذا الشعر منذ عشرين سنة وإلا فعليّ وعليّ؛ فقلت: للّه على حجّة حافيا راجلا إن جالستك بعد هذا أبدا؛ فأخذ قبضة من حصى المسجد وقال: للّه عليّ بكل حصاة من هذا الحصى مائة حجّة إن كنت أبالي؛ فقلت: أنت رجل ماجن والكلام معك ضائع ثم انصرفت. قال دماذ: وكان أبو عبيدة والأصمعي ينشدان بيتي الطّرمّاح في هذه القصيدة وهما:
مجتاب حلّة برجد لسراتهقددا وأخلف ما سواه البرجد
يبدو وتضمره البلاد كأنهسيف على شرف يسلّ ويغمد
وكانا يقولان: هذا أشعر الناس في هذين البيتين.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع