من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار أعشى همدان ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
اسمه عبد الرحمن بن عبد اللّه بن الحارث بن نظام بن جشم بن عمرو بن الحارث بن مالك بن عبد الحرّ بن جشم بن حاشد بن جشم بن خيران بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن نزار بن أوسلة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ويكنى أبا المصبّح، شاعر فصيح، كوفيّ، من شعراء الدولة الأموية. وكان زوج أخت الشّعبيّ الفقيه، والشعبيّ زوج أخته. وكان أحد الفقهاء القرّاء، ثم ترك ذلك وقال الشعر، وآخى أحمد النّصبي بالعشيريّة والبلديّة، فكان إذا قال شعرا غنّى فيه أحمد. وخرج مع ابن الأشعث، فأتي به الحجّاج أسيرا في الأسرى، فقتله صبرا.
أخبرني بما أذكره من جملة أخباره الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ عن محمد بن معاوية الأسدي أنه أخذ أخباره هذه عن ابن كناسة عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية وعن غيرهم من رواة الكوفيين. قال حدّثنا عمر بن شبّة وأبو هفّان جميعا عن إسحاق الموصليّ عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش الهمدانيّ. قال العنزيّ: وأخذت بعضها من رواية مسعود بن بشر عن الأصمعي. وما كان من غير رواية هؤلاء ذكرته مفردا.
أخبرني المهلّبي أبو أحمد حبيب بن نصر وعليّ بن صالح قالا حدّثنا عمر بن شبّة وأبو هفّان جميعا عن إسحاق الموصلي عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش الهمداني قال: كان الشّعبيّ عامر بن شراحيل زوج أخت أعشى همدان، وكان أعشى همدان زوج أخت الشعبي؛ فأتاه أعشى همدان يوما، وكان أحد القرّاء للقرآن، فقال له: إني رأيت كأني أدخلت بيتا فيه حنطة وشعير، وقيل لي: خذ أيّهما شئت، فأخذت الشّعير؛ فقال: إن صدقت رؤياك تركت القرآن وقراءته وقلت الشعر؛ فكان كما قال:
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ عن محمد بن معاوية الأسدي عن ابن كناسة، قال العنزي وحدّثني مسعود بن بشر عن أبي عبيدة والأصمعي قالا، رافق روايتهم الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية قال: كان أعشى همدان أبو المصبّح ممن أغزاه الحجّاج بلد الدّيلم ونواحي دستبي، فأسر، فلم يزل أسيرا في أيدي الديلم مدّة. ثم إن بنتا للعلج الذي أسره هويته، وصارت إليه ليلا فمكّنته من نفسها، فأصبح وقد واقعها ثماني مرّات؛ فقالت له الديلمية: يا معشر المسلمين، أهكذا تفعلون بنسائكم؟ فقال لها: هكذا نفعل كلّنا؛ فقالت له: بهذا العمل نصرتم؛ أفرأيت إن خلّصتك، أتصطفيني لنفسك؟ فقال لها نعم، وعاهدها. فلما كان الليل حلّت قيوده وأخذت به طرقا تعرفها حتى خلّصته وهربت معه. فقال شاعر من أسرى المسلمين:
فمن كان يفديه من الأسر مالهفهمدان تفديها الغداة أيورها
وقال الأعشى يذكر ما لحقه من أسر الديلم:
صوت
لمن الظّعائن سيرهنّ ترجّفعوم السّفين إذا تقاعس مجذف
مرّت بذي خشب كأنّ حمولهانخل بيثرب طلعه متضعّف
- غنّى في هذين البيتين أحمد النّصبي، ولحنه خفيف ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن عمرو وابن المكيّ.
وفيهما لمحمد الزّفّ خفيف رمل بالوسطى عن عمرو -:
عولين ديباجا وفاخر سندسوبخزّ أكسية العراق تحفّف
وغدت بهم يوم الفراق عرامسفتل المرافق بالهوادج دلّف
بان الخليط وفاتني برحيلهخود إذا ذكرت لقلبك يشغف
تجلو بمسواك الأراك منظّماعذبا إذا ضحكت تهلّل ينطف
وكأنّ ريقتها على علل الكرىعسل مصفّى في القلال وقرقف
وكأنما نظرت بعيني ظبيةتحنو على خشف لها وتعطّف
وإذا تنوء إلى القيام تدافعتمثل النّزيف ينوء ثمّت يضعف
ثقلت روادفها ومال بخصرهاكفل كما مال النّقا المتقصّف
ولها ذراعا بكر رحبيّةولها بنان بالخضاب مطرّف
وعوارض مصقولة وترائببيض وبطن كالسّبيكة مخطف
ولها بهاء في النساء وبهجةوبها تحلّ الشمس حين تشرّف
تلك التي كانت هواي وحاجتيلو أن دارا بالأحبّة تسعف
وإذا تصبك من الحوادث نكبةفاصبر فكل مصيبة ستكشّف
ولئن بكيت من الفراق صبابةإنّ الكبير إذا بكى ليعنّف
عجبا من الأيام كيف تصرّفتوالدار تدنو مرّة وتقذّف
أصبحت رهنا للعداة مكبّلاأمسي وأصبح في الأداهم أرسف
بين القليسم فالقيول فحامنفاللهزمين ومضجعي متكنّف
- هذه أسماء مواضع من بلد الديلم تكنّفته الهموم بها -:
فجبال ويمة ما تزال منيفةيا ليت أنّ جبال ويمة تنسف
- ويمة وشلبة: ناحيتان من نواحي الريّ -:
ولقد أراني قبل ذلك ناعماجذلان آبى أن أضام وآنف
واستنكرت ساقي الوثاق وساعديوأنا امرؤ بادي الأشاجع أعجف
ولقد تضرّسني الحروب وإننيألفى بكلّ مخافة أتعسّف
أتسربل الليل البهيم وأستريفي الخبت إذ لا يسترون وأوجف
ما إن أزال مقنّعا أو حاسراسلف الكتيبة والكتيبة وقّف
فأصابني قوم فكنت أصيبهمفالآن أصبر للزمان وأعرف
إني لطلّاب التّرات مطلّبوبكل أسباب المنيّة أشرف
باق على الحدثان غير مكذّبلا كاسف بالي ولا متأسّف
إن نلت لم أفرح بشيء نلتهوإذا سبقت به فلا أتلهّف
إني لأحمي في المضيق فوارسيوأكرّ خلف المستضاف وأعطف
وأشدّ إذ يكبو الجبان وأصطليحرّ الأسنّة والأسنّة ترعف
صوت
فلئن أصابتني الحروب فربّماأدعى إذا منع الرّداف فأردف
ولربّما يروى بكفّي لهذمماض ومطّرد الكعوب مثقّف
وأغير غارات وأشهد مشهداقلب الجبان به يطير ويرجف
وأرى مغانم لو أشاء حويتهافيصدّني عنها غنّى وتعفّف
- غنّى في هذه الأبيات دحمان، ولحنه ثقيل أوّل بالبنصر عن الهشاميّ. قال الهشاميّ: فيها لمالك خفيف ثقيل أوّل بالوسطى، ووافقه في هذا ابن المكيّ - قالوا جميعا:
ثم ضرب البعث على جيش أهل الكوفة إلى مكران، فأخرجه الحجّاج معهم، فخرج إليها وطال مقامه بها ومرض، فاجتواها وقال في ذلك - وأنشدني بعض هذه القصيدة اليزيديّ عن سليمان بن أبي شيخ -:
طلبت الصّبا إذ علا المكبروشاب القذال وما تقصر
وبان الشباب ولذاتّهومثلك في الجهل لا يعذر
وقال العواذل هل ينتهيفيقدعه الشيب أو يقصر
وفي أربعين توفّيتهاوعشر مضت لي مستبصر
وموعظة لامرىء حازمإذا كان يسمع أو يبصر
فلا تأسفنّ على ما مضىولا يحزننّك ما يدبر
فإنّ الحوادث تبلي الفتىوإنّ الزمان به يعثر
فيوما يساء بما نابهويوما يسرّ فيسبشر
ومن كلّ ذلك يلقى الفتىويمنى له منه ما يقدر
كأنّي لم أرتحل جسرةولم أجفها بعد ما تضمر
فأجشمها كلّ ديمومةويعرفها البلد المقفر
ولم أشهد البأس يوم الوغىعليّ المفاضة والمغفر
ولم أخرق الصفّ حتى تميل دارعة القوم والحسّر
وتحتى جرداء خيفانةمن الخيل أو سابح مجفر
أطاعن بالرمح حتى اللّبان يجري به العلق الأحمر
وما كنت في الحرب إذ شمّرتكمن لا يذيب ولا يخثر
ولكنّني كنت ذا مرّةعطوفا إذا هتف المحجر
أجيب الصّريخ إذا ما دعاوعند الهياج أنا المسعر
فإن أمس قد لاح فيّ المشيب أمّ البنين، فقد أذكر
رخاء من العيش كنّا بهإذ الدهر خال لنا مصحر
وإذ أنا في عنفوان الشباب يعجبني اللّهو والسّمّر
أصيد الحسان ويصطدننيوتعجبني الكاعب المعصر
وبيضاء مثل مهاة الكثيب لا عيب فيها لمن ينظر
كأن مقلّدها إذ بدابه الدّرّ والشّذر والجوهر
مقلّد أدماء نجديّةيعنّ لها شادن أحور
كأنّ جنى النحل والزنجبيل والفارسيّة إذ تعصر
يصبّ على برد أنيابهامخالطه المسك والعنبر
إذا انصرفت وتلوّت بهارقاق المجاسد والمئزر
وغصّ السّوار وجال الوشاحعلى عكن خصرها مضمر
وضاق عن الساق خلخالهافكاد مخدّمها يندر
فتور القيام رخيم الكلام يفزعها الصوت إذ تزجر
وتنمى إلى حسب شامخفليست تكذّب إذ تفخر
فتلك التي شفّني حبّهاوحمّلني فوق ما أقدر
فلا تعذلاني في حبّهافإنّي بمعذرة أجدر
- ومن هاهنا رواية اليزيديّ -:
وقولا لذي طرب عاشق:أشطّ المزار بمن تذكر؟
بكوفيّة أصلها بالفرات تبدو هنالك أو تحضر
وأنت تسير إلى مكّرانفقد شحط الورد والمصدر
ولم تك من حاجتي مكّرانولا الغزو فيها ولا المتجر
وخبّرت عنها ولم آتهافما زلت من ذكرها أذعر
بأنّ الكثير بها جائعوأنّ القليل بها مقتر
وأنّ لحى الناس من حرّهاتطول فتجلم أو تضفر
ويزعم من جاءها قبلنابأنّا سنسهم أو ننحر
أعوذ بربّي من المخزيات فيما أسرّو ما أجهر
وحدّثت أن مالنا رجعةسنين ومن بعدها أشهر
إلى ذاك ما شاب أبناؤناوباد الأخلّاء والمعشر
وما كان بي من نشاط لهاوإنّي لذو عدّة موسر
ولكن بعثت لها كارهاوقيل انطلق كالذي يؤمر
فكان النّجاء ولم ألتفتإليهم وشرّهم منكر
هو السيف جرّد من غمدهفليس عن السيف مستأخر
وكم من أخ لي مستأنسيظلّ به الدمع يستحسر
يودّعني وانتحت عبرةله كالجداول أو أغزر
فلست بلاقيه من بعدهايد الدهر ما هبّت الصّرصر
وقد قيل إنكم عابرون بحرا لها لم يكن يعبر
إلى السّند والهند في أرضهمهم الجنّ لكنّهم أنكر
وما رام غزوا لها قبلناأكابر عاد ولا حمير
ولا رام سابور غزوا لهاولا الشيخ كسرى ولا قيصر
ومن دونها معبر واسعوأجر عظيم لمن يؤجر
وذكر محمد بن صالح بن النّطّاح أنّ هشام بن محمد الكلبيّ حدّث عن أبيه: أن أعشى همدان كان مع خالد بن عتّاب بن ورقاء الرّياحيّ بالرّيّ ودستبي، وكان الأعشى شاعر أهل اليمن بالكوفة وفارسهم، فلما قدم خالد من مغزاه خرج جواريه يتلقّينه وفيهنّ أمّ ولد له كانت رفيعة القدر عنده، فجعل الناس يمرّون عليها إلى أن جاز بها الأعشى وهو على فرسه يميل يمينا ويسارا من النّعاس؛ فقالت أمّ ولد خالد بن عتّاب لجواريها: إن امرأة خالد لتفاخرني بأبيها وعمّها وأخيها، وهل يزيدون على أن يكونوا مثل هذا الشيخ المرتعش. وسمعها الأعشى فقال: من هذه؟ فقال له بعض الناس: هذه جارية خالد؛ فضحك وقال لها: إليك عني يا لكعاء؛ ثم أنشأ يقول:
وما يدريك ما فرس جروروما يدريك ما حمل السّلاح
وما يدريك ما شيخ كبيرعداه الدهر عن سنن المراح
فأقسم لو ركبت الورد يوماوليلته إلى وضح الصّباح
إذا لنظرت منك إلى مكانكسحق البرد أو أثر الجراح
قال: فأصبحت الجارية فدخلت إلى خالد فشكت إليه الأعشى؛ فقالت: واللّه ما تكرم، ولقد اجترىء عليك! فقال لها: وما ذاك؟ فأخبرته أنها مرّت برجل في وجه الصبح، ووصفته له وأنه سبّها؛ فقال: ذلك أعشى همدان؛ فأيّ شيء قال لك؟ فأنشدته الأبيات. فبعث إلى الأعشى، فلما دخل عليه قال له: ما تقول؟ هذه زعمت أنك هجوتها؛ فقال: أساءت سمعا، إنما قلت:
مررت بنسوة متعطّراتكضوء الصبح أو بيض الأداحي
على شقر البغال فصدن قلبيبحسن الدّلّ والحدق الملاح
فقلت من الظباء فقلن سرببدا لك من ظباء بني رياح
فقالت: لا واللّه، ما هكذا قال، وأعادت الأبيات؛ فقال له خالد: أما إنّها لو لا أنّها قد ولدت منّي لو هبتها لك، ولكنّي أفتدي جنايتها بمثل ثمنها، فدفعه إليه وقال له: أقسمت عليك يا أبا المصبّح ألّا تعيد في هذا المعنى شيئا بعد ما فرط منك.
وذكر هذا الخبر العنزيّ في روايته التي قدّمت ذكرها، ولم يأت به على هذا الشرح.
وقال هو وابن النّطّاح جميعا: وكان خالد يقول للأعشى في بعض ما يمنّيه إيّاه ويعده به: إن ولّيت عملا كان لك ما دون الناس جميعا، فمتى استعملت فخذ خاتمي واقض في أمور الناس كيف شئت. قال: فاستعمل خالد على أصبهان وصار معه الأعشى، فلما وصل إلى عمله جفاه وتناساه، ففارقه الأعشى ورجع إلى الكوفة وقال فيه:
تمنّيني إمارتها تميموما أمّي بأمّ بني تميم
وكان أبو سليمان أخا ليولكنّ الشّراك من الأديم
أتينا أصبهان فهزّلتناوكنّا قبل ذلك في نعيم
أتذكرنا ومرّة إذ غزوناوأنت على بغيلك ذي الوشوم
ويركب رأسه في كل وحلويعثر في الطريق المستقيم
وليس عليك إلا طيلساننصيبيّ وإلّا سحق نيم
فقد أصبحت في خزّ وقزّتبختر ما ترى لك من حميم
وتحسب أن تلقّاها زماناكذبت وربّ مكة والحطيم
- هذه رواية ابن النطّاح، وزاد العنزيّ في روايته -:
وكانت أصبهان كخير أرضلمغترب وصعلوك عديم
ولكنّا أتيناها وفيهاذو والأضغان والحقد القديم
فأنكرت الوجوه وأنكرتنيوجوه ما تخبّر عن كريم
وكان سفاهة منّي وجهلامسيري لا أسير إلى حميم
فلو كان ابن عتاب كريماسما لرواية الأمر الجسيم
وكيف رجاء من غلبت عليهتنائي الدار كالرّحم العقيم
قال ابن النّطاح: فبعث إليه خالد: من مرّة هذا الذي ادعيت أني وأنت غزونا معه على بغل ذي وشوم؟ ومتى كان ذلك؟ ومتى رأيت عليّ الطّيلسان والنّيم اللذين وصفتهما؟ فأرسل إليه: هذا كلام أردت وصفك بظاهره، فأمّا تفسيره، فإن مرّة مرارة ثمرة ما غرست عندي من القبيح. والبغل المركب الذي ارتكبته مني لا يزال يعثر بك في كل وعث وجدد ووعر وسهل. وأما الطيلسان فما ألبسك إياه من العار والذمّ؛ وإن شئت راجعت الجميل فراجعته لك؛ فقال: لا، بل أراجع الجميل وتراجعه؛ فوصله بمال عظيم وترضّاه. هكذا روى من قدّمت ذكره.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال حدّثنا الرّياشيّ قال حدّثنا الأصمعي قال: لما ولي خالد بن عتّاب بن ورقاء أصبهان، خرج إليه أعشى همدان، وكان صديقه وجاره بالكوفة، فلم يجد عنده ما يحبّ؛ وأعطى خالد الناس عطايا فجعله في أقلّها وفضّل عليه آل عطارد؛ فبلغه عنه أنه ذمّه فحبسه مدّة ثم أطلقه؛ فقال يهجوه:
وما كنت ممن ألجأته خصاصةإليك ولا ممن تغرّ المواعد
ولكنّها الأطماع وهي مذلّةدنت بي وأنت النازح المتباعد
أتحبسني في غير شيء وتارةتلاحظني شزرا وأنفك عاقد
فإنك لا كابني فزارة فاعلمنخلقت ولم يشبههما لك والد
ولا مدرك ما قد خلا من نداهماأبوك ولا حوضيهما أنت وارد
وإنك لو ساميت آل عطاردلبذّتك أعناق لهم وسواعد
ومأثرة عاديّة لن تنالهاوبيت رفيع لم تخنه القواعد
وهل أنت إلا ثعلب في ديارهمتشلّ - فتعسا - أو يقودك قائد
أرى خالدا يختال مشيا كأنهمن الكبرياء نهشل أو عطارد
وما كان يربوع شبيها لدارموما عدلت شمس النهار الفراقد
قالوا: ولما خرج ابن الأشعث على الحجّاج بن يوسف حشد معه أهل الكوفة، فلم يبق من وجوههم وقرّائهم أحد له نباهة إلّا خرج معه لثقل وطأة الحجّاج عليهم. فكان عامر الشّعبيّ وأعشى همدان ممّن خرج معه، وخرج أحمد النّصبي أبو أسامة الهمداني المغنّي مع الأعشى لالفته إياه، وجعل الأعشى يقول الشعر في ابن الأشعث يمدحه، ولا يزال يحرّض أهل الكوفة بأشعاره على القتال، وكان مما قاله في ابن الأشعث يمدحه:
يأبى الإله وعزة ابن محمدوجدود ملك قبل آل ثمود
أن تأنسوا بمذمّمين، عروقهمفي الناس إن نسبوا عروق عبيد
كم من أب لك كان يعقد تاجهبجبين أبلج مقول صنديد
وإذا سألت: المجد أين محلّهفالمجد بين محمد وسعيد
بين الأشجّ وبين قيس باذخبخ بخ لوالده وللمولود
ما قصّرت بك أن تنال مدى العلاأخلاق مكرمة وإرث جدود
قرم إذا سامى القروم ترى لهأعراق مجد طارف وتليد
وإذا دعا لعظيمة حشدت لههمدان تحت لوائه المعقود
يمشون في حلق الحديد كأنهمأسد الإباء سمعن زأر أسود
وإذا دعوت بآل كندة أجفلوابكهول صدق سيّد ومسود
وشباب مأسدة كأنّ سيوفهمفي كلّ ملحمة بروق رعود
ما إن ترى قيسا يقارب قيسكمفي المكرمات ولا ترى كسعيد
وقال حمّاد الراوية في خبره: كانت لأعشى همدان مع ابن الأشعث مواقف محمودة وبلاء حسن وآثار مشهورة؛ وكان الأعشى من أخواله، لأن أمّ عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث أمّ عمرو بنت سعيد بن قيس الهمداني. قال: فلما صار ابن الأشعث إلى سجستان جبى مالا كثيرا، فسأله أعشى همدان أن يعطيه منه زيادة على عطائه فمنعه؛ فقال الأعشى في ذلك:
هل تعرف الدار عفا رسمهابالحضر فالروضة من آمد
دار لخود طفلة رودةبانت فأمسى حبّها عامدي
بيضاء مثل الشمس رقراقةتبسم عن ذي أشر بارد
لم يخط قلبي سهمها إذ رمتيا عجبا من سهمها القاصد
يأيها القرم الهجان الذييبطش بطش الأسد اللّابد
والفاعل الفعل الشريف الذيينمى إلى الغائب والشاهد
كم قد أسدّي لك من مدحةتروى مع الصادر والوارد
وكم أجبنا لك من دعوةفاعرف فما العارف كالجاحد
نحن حميناك وما تحتميفي الرّوع من مثنّى ولا واحد
يوم انتصرنا لك من عابدويوم أنجيناك من خالد
ووقعة الرّيّ التي نلتهابجحفل من جمعنا عاقد
وكم لقينا لك من واتريصرف نابي حنق حارد
ثم وطئناه بأقدامناوكان مثل الحيّة الراصد
إلى بلاء حسن قد مضىوأنت في ذلك كالزاهد
فاذكر أيادينا وآلاءنابعودة من حلمك الراشد
ويوم الأهواز فلا تنسهليس النّثا والقول بالبائد
إنا لنرجوك كما نرتجيصوب الغمام المبرق الراعد
فانفح بكفّيك وما ضمّتاوافعل فعال السّيّد الماجد
ما لك لا تعطي وأنت امرؤمثر من الطارف والتالد
تجبي سجستان وما حولهامتكئا في عيشك الراغد
لا ترهب الدهر وأيامهوتجرد الأرض مع الجارد
إن يك مكروه تهجنا لهوأنت في المعروف كالراقد
ثم ترى أنّا سنرضى بذاكلّا وربّ الراكع السّاجد
وحرمة البيت وأستارهومن به من ناسك عابد
تلك لكم أمنيّة باطلوغفوة من حلم الراقد
ما أنا إن هاجك من بعدهاهيج بآتيك ولا كابد
ولا إذا ناطوك في حلقةبحامل عنك ولا فاقد
فأعط ما أعطيته طيّبالا خير في المنكود والناكد
نحن ولدناك فلا تجفناواللّه قد وصّاك بالوالد
إن تك من كندة في بيتهافإنّ أخوالك من حاشد
شمّ العرانين وأهل الندىومنتهى الضّيفان والرائد
كم فيهم من فارس معلموسائس للجيش أو قائد
وراكب للهول يجتابهمثل شهاب القبس الواقد
أو ملأ يشفى بأحلامهممن سفه الجاهل والمارد
لم يجعل اللّه بأحسابنانقصا وما الناقص كالزائد
وربّ خال لك، في قومهفرع طويل الباع والساعد
يحتضر البأس وما يبتغىسوى إسار البطل الناجد
والطعن بالراية مستمكنافي الصفّ ذي العادية الناهد
فارتح لأخوالك واذكرهموارحمهم للسّلف العائد
فإنّ أخوالك لم يبرحوايربون بالرّفد على الرّافد
لم يبخلوا يوما ولم يجبنوافي السّلف الغازي ولا القاعد
وربّ خال لك في قومهحمّال أثقال لها واجد
معترف للرزء في مالهوالحقّ للسائل والعامد
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد الأزدي قال حدّثني عمّي عن العبّاس بن هشام عن أبيه، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه عن ابن الكلبي، وأخبرني عمّي عن الكرانيّ عن العمريّ عن الهيثم بن عديّ، وذكره العنزيّ عن أصحابه، قالوا جميعا: خرج أعشى همدان إلى الشأم في ولاية مروان بن الحكم، فلم ينل فيها حظّا؛ فجاء إلى النعمان بن بشير وهو عامل على حمص، فشكا إليه حاله؛ فكلّم له النعمان بن بشير اليمانية وقال لهم: هذا شاعر اليمن ولسانها، واستماحهم له؛ فقالوا: نعم، يعطيه كلّ رجل منا دينارين من عطائه؛ فقال: لا، بل أعطوه دينارا دينارا واجعلوا ذلك معجّلّا؛ فقالوا: أعطه إيّاه من بيت المال واحتسبها على كلّ رجل من عطائه؛ ففعل النّعمان - وكانوا عشرين ألفا - فأعطاه عشرين ألف دينار وارتجعها منهم عند العطاء. فقال الأعشى يمدح النعمان:
ولم أر للحاجات عند التماسهاكنعمان نعمان النّدى ابن بشير
إذا قال أوفى ما يقول ولم يكنكمدل إلى الأقوام حبل غرور
متى أكفر النعمان لم ألف شاكراوما خير من لا يقتدي بشكور
فلو لا أخو الأنصار كنت كنازلثوى ما ثوى لم ينقلب بنقير
وقال الهيثم بن عديّ في خبره: حاصر المهلّب بن أبي صفرة نصيبين، وفيها أبو قارب يزيد بن أبي صخر ومعه الخشبيّة؛ فقال المهلّب: يأيها الناس، لا يهولنّكم هؤلاء القوم فإنما هم العبيد بأيديها العصيّ. فحمل عليهم المهلّب وأصحابه فلقوهم بالعصيّ فهزموهم حتى أزالوهم عن موقفهم. فدسّ المهلّب رجلا من عبد القيس إلى يزيد بن أبي صخر ليغتاله، وجعل له على ذلك جعلا سنيّا - قال الهيثم: بلغني أنه أعطاه مائتي ألف درهم قبل أن يمضي ووعده بمثلها إذا عاد - فاندسّ له العبديّ فاغتاله فقتله وقتل بعده. فقال أعشى همدان في ذلك:
يسمّون أصحاب العصيّ وما أرىمع القوم إلا المشرفيّة من عصا
ألا أيّها اللّيث الذي جاء حاذراوألقى بنا جرمى الخيام وعرّصا
أتحسب غزو الشأم يوما وحربهكبيض ينظّمن الجمان المفّصصا
وسيرك بالأهواز إذ أنت آمنوشربك ألبان الخلايا المقرّصا
فأقسمت لا تجبي لك الدهر درهمانصيبون حتّى تبتلى وتمحّصا
ولا أنت من أثوابها الخضر لابسولكنّ خشبانا شدادا ومشقصا
فكم ردّ من ذي حاجة لا ينالهاجديع العتيك ردّه اللّه أبرصا
وشيّد بنيانا وظاهر كسوةوطال جديع بعد ما كان أوقصا
تصغير جدع جديع بالدال غير معجمة. والأبيات التي كان فيها الغناء المذكور معه خبر الأعشى في هذا الكتاب يقولها في زوجة له من همدان يقال لها جزلة، هكذا رواه الكوفيون، وهو الصحيح. وذكر الأصمعي أنها خولة، هكذا رواه في شعر الأعشى.
فذكر العنزيّ في أخبار الأعشى المتقدّم إسنادها: أنها كانت عند الأعشى امرأة من قومه يقال لها أمّ الجلال، فطالت مدتها معه وأبغضها، ثم خطب امرأة من قومه يقال لها جزلة - وقال الأصمعي: خولة - فقالت له: لا، حتى تطلّق أمّ الجلال؛ فطلّقها؛ وقال في ذلك:
تقادم ودّك أمّ الجلالفطاشت نبالك عند النّضال
وطال لزومك لي حقبةفرثّت قوى الحبل بعد الوصال
وكان الفؤاد بها معجبافقد أصبح اليوم عن ذاك سالي
صحا لا مسيئا ولا ظالماولكن سلا سلوة في جمال
ورضت خلائفنا كلّهاورضنا خلائقكم كلّ حال
فأعييتنا في الذي بينناتسومينني كلّ أمر عضال
وقد تأمرين بقطع الصديقوكان الصديق لنا غير قالي
وإتيان ما قد تجنّبتهوليدا ولمت عليه رجالي
أفاليوم أركبه بعد ماعلا الشّيب منّي صميم القذال
لعمر أبيك لقد خلتنيضعيف القوى أو شديد المحال
هلمّي اسألي نائلا فانظريأأحرمك الخير عند السؤال
ألم تعلمي أنّني معرقنماني إلى المجد عمّي وخالي
وأنّي إذا ساءني منزلعزمت فأوشكت منه ارتحالي
فبعض العتاب، فلا تهلكيفلا لك في ذاك خير ولا لي
فلما بدالي منها البذاء صبّحتها بثلاث عجال
ثلاثا خرجن جميعا بهافخلّينها ذات بيت ومال
إلى أهلها غير مخلوعةوما مسّها عندنا من نكال
فأمست تحنّ حنين اللّقاح من جزع إثر من لا يبالي
فحنّي حنينك واستيقنيبأنا اطّرحناك ذات الشمال
وأن لا رجوع فلا تكذبين ما حنّت النّيب إثر الفصال
ولا تحسبيني بأنّي ندمت كلّا وخالقنا ذي الجلال
فقالت له أمّ الجلال: بئس واللّه بعل الحرّة وقرين الزوجة المسلمة أنت! ويحك! أعددت طول الصحبة والحرمة ذنبا تسبّني وتهجوني به! ثم دعت عليه أن يبغّضه اللّه إلى زوجته التي اختارها، وفارقته. فلما انتقلت إلى أهلها؛ وصارت جزلة إليه، ودخل بها لم يحظ عندها، ففركته وتنكّرت له واشتدّ شغفه بها؛ ثم خرج مع ابن الأشعث فقال فيها:
حيّيا جزلة منّي بالسّلامدرّة البحر ومصباح الظلام
لا تصدّي بعد ودّ ثابتواسمعي يا أمّ عيسى من كلامي
إن تدومي لي فوصلي دائمأو تهمّي لي بهجر أو صرام
أو تكوني مثل برق خلّبخادع يلمع في عرض الغمام
أو كتخييل سراب معرضبفلاة أو طروق في المنام
فاعلمي إن كنت لمّا تعلميومتى ما تفعلي ذاك تلامي
بعد ما كان الذي كان فلاتتبعي الإحسان إلا بالتمام
لا تناسي كلّ ما أعطيتنيمن عهود ومواثيق عظام
واذكري الوعد الذي واعدتنيليلة النّصف من الشهر الحرام
فلئن بدّلت أو خست بناوتجرّأت على أمّ صمام
أم صمام: الغدر والحنث:
لا تبالين إذا من بعدهاأبدا ترك صلاة أو صيام
راجعي الوصل وردّي نظرةلا تلجّي في طماح وأثام
وإذا أنكرت منّي شيمةولقد ينكر ما ليس بذام
فاذكريها لي أزل عنها ولاتسفحي عينيك بالدمع السّجام
وأرى حبلك رثّا خلقاوحبالي جددا غير رمام
عجبت جزلة منّي أن رأتلمّتي حفّت بشيب كالثّغام
ورأت جسمي علاه كبرةوصروف الدهر قد أبلت عظامي
وصليت الحرب حتى تركتجسدي نضوا كأشلاء اللّجام
وهي بيضاء على منكبهاقطط جعد وميّال سخام
وإذا تضحك تبدي حبباكرضاب المسك في الرّاح المدام
كملت ما بين قرن فإلىموضع الخلخال منها والخدام
فأراها اليوم لي قد أحدثتخلقا ليس على العهد القدام
أخبرني عمّي قال حدّثنا محمد بن سعيد الكراني قال حدّثنا العمري عن الهيثم بن عديّ عن مجالد عن الشّعبيّ: أنه أتى البصرة أيام ابن الزبير، فجلس في المسجد إلى قوم من تميم فيهم الأحنف بن قيس فتذاكروا أهل الكوفة وأهل البصرة وفاخروا بينهم، إلى أن قال قائل من أهل البصرة: وهل أهل الكوفة إلا خولنا؟ استنقذناهم من عبيدهم! (يعني الخوارج). قال الشعبي: فهجس في صدري أن تمثّلت قول أعشى همدان:
أفخرتم أن قتلتم أعبداوهزمتم مرّة آل عزل
نحن سقناهم إليكم عنوةوجمعنا أمركم بعد فشل
فإذا فاخرتمونا فاذكرواما فعلنا بكم يوم الجمل
بين شيخ خاضب عثنونهوفتى أبيض وضّاح رفل
جاءنا يرفل في سابغةفذبحناه ضحّى ذبح الحمل
وعفونا فنسيتم عفوناوكفرتم نعمة اللّه الأجلّ
قال: فضحك الأحنف، ثم قال: يأهل البصرة، قد فخر عليكم الشعبيّ وصدق وانتصف، فأحسنوا مجالسته.
أخبرني محمد بن عمران الصّيرفيّ قال حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا الرياشيّ عن أبي محلّم عن الخليل بن عبد الحميد عن أبيه قال: بعث بشر بن مروان الزبير بن خزيمة الخثعميّ إلى الريّ؛ فلقيه الخوارج بجلولاء، فقتلوا جيشه وهزموه وأبادوا عسكره، وكان معه أعشى همدان، فقال في ذلك:
أمّرت خثعم على غير خيرثم أوصاهم الأمير بسير
أين ما كنتم تعيفون للناس وما تزجرون من كل طير
ضلّت الطير عنكم بجلولاء وغرّتكم أماني الزّبير
قدر ما أتيح لي من فلسطين على فالج ثقال وعير
خثعميّ مغصّص جزجمانيّ محلّ غزا مع ابن نمير
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثنا أبو حاتم قال: سألت الأصمعيّ عن أعشى همدان فقال: هو من الفحول وهو إسلامي كثير الشعر؛ ثم قال لي: العجب من ابن دأب حين يزعم أن أعشى همدان قال:
من دعا لي غزيّليأربح اللّه تجارته
ثم قال: سبحان اللّه! أمثل هذا يجوز على الأعشى؟ أن يجزم اسم اللّه عزّ وجلّ ويرفع تجارته وهو نصب. ثم قال لي خلف الأحمر: واللّه لقد طمع ابن دأب في الخلافة حين ظنّ أن هذا يقبل منه وأن له من المحل مثل أن يجوّز مثل هذا. قال ثم قال: ومع ذلك أيضا إن قوله:
من دعا لي غزيّلي
لا يجوز، إنما هو: من دعا لغزيّلي، ومن دعا لبعير ضال.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عديّ قال: أملق أعشى همدان فأتى خالد بن عتّاب بن ورقاء فأنشده:
رأيت ثناء الناس بالقول طيباعليك وقالوا ماجد وابن ماجد
بني الحارث السامين للمجد، إنكمبنيتم بناء ذكره غير بائد
هنيئا لما أعطاكم اللّه واعلموابأني سأطري خالدا في القصائد
فإن يك عتّاب مضى لسبيلهفما مات من يبقى له مثل خالد
فأمر له بخمسة آلاف درهم.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدّثنا أبو غسّان قال: قال عمر بن عبد العزيز يوما لسابق البربريّ - ودخل عليه -: أنشدني يا سابق شيئا من شعرك تذكّرني به؛ فقال: أو خيرا من شعري؟ فقال: هات؛ قال قال أعشى همدان:
وبينما المرء أمسى ناعما جذلافي أهله معجبا بالعيش ذا أنق
غرّا، أتيح له من حينه عرضفما تلبّث حتى مات كالصّعق
ثمّت أضحى ضحى من غبّ ثالثةمقنّعا غير ذي روح ولا رمق
يبكى عليه وأدنوه لمظلمةتعلى جوانبها بالتّرب والفلق
فما تزوّد ممّا كان يجمعهإلّا حنوطا وما واراه من خرق
وغير نفحة أعواد تشبّ لهوقلّ ذلك من زاد لمنطلق
قال: فبكى عمر حتى أخضل لحيته.
أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدّثنا الحسين بن محمد بن أبي طالب الديناريّ قال حدّثني إسحاق بن إبراهيم الموصليّ عن الهيثم بن عديّ عن حمّاد الراوية قال: سأل أعشى همدان شجرة بن سليمان العبسيّ حاجة فردّه عنها، فقال يهجوه:
لقد كنت خيّاطا فأصبحت فارساتعدّ إذا عدّ الفوارس من مضر
فإن كنت قد أنكرت هذا فقل كذاوبيّن لي الجرح الذي كان قد دثر
وإصبعك الوسطى عليه شهيدةوما ذاك إلا وخزها الثوب بالإبر
قال وكان يقال: إن شجرة كان خيّاطا، وقد كان ولي للحجّاج بعض أعمال السواد. فلما قدم على الحجّاج قال له: يا شجرة، أرني إصبعك أنظر إليها؛ قال: أصلح اللّه الأمير، وما تصنع بها؟ قال: أنظر إلى صفة الأعشى؛ فخجل شجرة. فقال الحجاج لحاجبه: مر المعطي أن يعطى الأعشى من عطاء شجرة كذا وكذا. يا شجرة، إذا أتاك امرؤ ذو حسب ولسان فاشتر عرضك منه.
أخبرني عليّ بن سليمان الأخفش قال حدّثنا محمد بن يزيد الأزديّ قال حدّثنا أحمد بن عمرو الحنفيّ عن جماعة - قال المبرّد: أحسب أن أحدهم مؤرّج بن عمرو السّدوسيّ - قالوا: لما أتي الحجاج بن يوسف الثقفيّ بأعشى همدان أسيرا، قال: الحمد للّه الذي أمكن منك، ألست القائل:
لمّا سفونا للكفور الفتّانبالسيّد الغطريف عبد الرحمن
سار بجمع كالقطا من قحطانومن معدّ قد أتى ابن عدنان
أمكن ربّي من ثقيف همدانيوما إلى الليل يسلّي ما كان
إنّ ثقيفا منهم الكذّابانكذّابها الماضي وكذاب ثان
أو لست القائل:
يابن الأشجّ قريع كندة لا أبالي فيك عتبا
أنت الرئيس ابن الرئيس وأنت أعلى الناس كعبا
نبئّت حجّاج بن يوسف خرّ من زلق فتبّا
فانهض فديت لعلّهيجلو بك الرحمن كربا
وابعث عطيّة في الخيول يكبّهنّ عليه كبّا
كلّا يا عدوّ اللّه، بل عبد الرحمن بن الأشعث هو الذي خرّ من زلق فتبّ، وحار وانكبّ، وما لقي ما أحب؛ ورفع بها صوته واربدّ وجهه واهتزّ منكباه، فلم يبق أحد في المجلس إلا أهمّته نفسه وارتعدت فرائصه. فقال له الأعشى بل أنا القائل أيها الأمير:
أبى اللّه إلا أن يتم نورهويطفىء نار الفاسقين فتخمدا
وينزل ذلّا بالعراق وأهلهكما نقضوا العهد الوثيق المؤكّدا
وما لبث الحجاج أن سلّ سيفهعلينا فولّى جمعنا وتبدّدا
وما زاحف الحجاج إلا رأيتهحساما ملقّى للحروب معوّدا
فكيف رأيت اللّه فرّق جمعهمومزّقهم عرض البلاد وشرّدا
بما نكثوا من بيعة بعد بيعةإذا ضمنوها اليوم خاسوا بها غدا
وما أحدثوا من بدعة وعظيمةمن القول لم تصعد إلى اللّه مصعدا
ولمّا دلفنا لابن يوسف ضلّةوأبرق منا العارضان وأرعدا
قطعنا إليه الخندقين وإنماقطعنا وأفضينا إلى الموت مرصدا
فصادمنا الحجاج دون صفوفناكفاحا ولم يضرب لذلك موعدا
بجند أمير المؤمنين وخيلهوسلطانه أمسى معانا مؤيّدا
ليهنىء أمير المؤمنين ظهورهعلى أمة كانوا بغاة وحسّدا
وجدنا بني مروان خير أئمةوأعظم هذا الخلق حلما وسؤددا
وخير قريش في قريش أرومةوأكرمهم إلّا النبيّ محمدا
إذا ما تدبّرنا عواقب أمرناوجدنا أمير المؤمنين المسدّدا
سيغلب قوما غالبوا اللّه جهرةوإن كايدوه كان أقوى وأكيدا
كذاك يضلّ اللّه من كان قلبهضعيفا ومن والى النفاق وألحدا
فقد تركوا الأموال والأهل خلفهموبيضا عليهن الجلابيب خرّدا
ينادينهم مستعبرات إليهمويذرين دمعا في الخدود وإثمدا
وإلا تناولهنّ منك برحمةيكنّ سبايا والبعولة أعبدا
تعطّف أمير المؤمنين عليهمفقد تركوا أمر السفاهة والرّدى
لعلهم أن يحدثوا العام توبةوتعرف نصحا منهم وتودّدا
لقد شمت يابن الأشعث العام مصرنافظلّوا وما لاقوا من الطير أسعدا
كما شاءم اللّه النّجير وأهلهبجدّك من قد كان أشقى وأنكدا
فقال من حضر من أهل الشام: قد أحسن أيها الأمير، فخلّ سبيله؛ فقال: أتظنون أنه أراد المدح! لا واللّه! لكنه قال هذا أسفا لغلبتكم إياه وأراد به أن يحرّض أصحابه. ثم أقبل عليه فقال له: أظننت يا عدوّ اللّه أنك تخدعني بهذا الشعر وتنفلت من يدي حتى تنجو! ألست القائل! ويحك!.
وإذا سألت: المجد أين محلّهفالمجد بين محمد وسعيد
بين الأغرّ وبين قيس باذخبخ بخ لوالده وللمولود
واللّه لا تبخبخ بعدها أبدا. أو لست القائل:
وأصابني قوم وكنت أصيبهمفاليوم أصبر للزمان وأعرف!
كذبت واللّه، ما كنت صبورا ولا عروفا. ثم قلت بعده:
وإذا تصبك من الحوادث نكبةفاصبر فكل غيابة ستكشّف
أما واللّه لتكوننّ نكبة لا تنكشف غيابتها عنك أبدا! يا حرسيّ، اضرب عنقه؛ فضرب عنقه.
وذكر مؤرّج السّدوسيّ أن الأعشى كان شديد التحريض على الحجّاج في تلك الحروب، فجال أهل العراق جولة ثم عادوا، فنزل عن سرجه ونزعه عن فرسه، ونزع درعه فوضعها فوق السرج، ثم جلس عليها فأحدث والناس يرونه، ثم أقبل عليهم فقال لهم: لعلكم أنكرتم ما صنعت! قالوا: أو ليس هذا موضع نكير؟ قال: لا، كلّكم قد سلح في سرجه ودرعه خوفا وفرقا، ولكنكم سترتموه وأظهرته؛ فحمي القوم وقاتلوا أشدّ قتال يومهم إلى الليل، وشاعت فيهم الجراح والقتلى، وانهزم أهل الشأم يومئذ، ثم عاودوهم من غد وقد نكأتهم الحرب؛ وجاء مدد من أهل الشأم؛ فباكروهم القتال وهم مستريحون فكانت الهزيمة وقتل ابن الأشعث. وقد حكيت هذه الحكاية عن أبي كلدة اليشكريّ أنه فعلها في هذه الوقعة، وذكر ذلك أبو عمرو الشّيباني في أخبار أبي كلدة، وقد ذكر ما حكاه مع أخباره في موضعه من هذا الكتاب.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع