من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار يحيى المكي ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو يحيى بن مرزوق، مولى بني أمية، وكان يكتم ذلك لخدمته الخلفاء من بني العباس خوفا من أن يجتنبوه ويحتشموه؛ فإذا سئل عن ولائه انتمى إلى قريش ولم يذكر البطن الذي ولاؤه لهم، واستعفى من سأله عن ذلك.
ويكنى يحيى أبا عثمان. وذكر ابن خرداذبه أنه مولى خزاعة. وليس قوله مما يحصّل، لأنه لا يعتمد فيه على رواية ولا دراية.
أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع أبو بكر الرّبيعي صديقنا رحمه اللّه قال حدّثني وسواسة بن الموصليّ - وقد لقيت وسواسة هذا، وهو أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم وكان معلّما، ولم أسمع هذا منه فكتبته وأشياء أخر عن أبي بكر رحمه اللّه - قال حدّثني حماد بن إسحاق قال قال لي أبي: سألت يحيى المكيّ عن ولائه، فانتمى إلى قريش؛ فاستزدته في الشّرح فسألني أن أعفيه.
أخبرني عيسى بن الحسين الورّاق ويحيى بن عليّ بن يحيى قالا حدّثنا أبو أيوب المديني قال: كان يحيى المكي يكنى أبا عثمان، وهو مولى بني أميّة، وكان يكتم ذلك ويقول: أنا مولى قريش.
ولما قال أعشى بني سليم يمدح دحمان:
كانوا فحولا فصاروا عند حلبتهملمّا انبرى لهم دحمان خصيانا
فأبلغوه عن الأعشى مقالتهأعشى سليم أبي عمرو سليمانا
قولوا يقول أبو عمرو لصحبتهيا ليت دحمان قبل الموت غنّانا
قال أبان بن عبد الحميد اللاحقيّ - ويقال إن ابنه حمدان بن أبان قالها. والأشبه عندي أنها لأبان، وما أظنّ ابنه أدرك يحيى -:
يا من يفضّل دحمانا ويمدحهعلى المغنّين طرّا قلت بهتانا
لو كنت جالست يحيى أو سمعت بهلم تمتدح أبدا ما عشت إنسانا
ولم تقل سفها في منية عرضتيا ليت دحمان قبل الموت غنّانا
لقد عجبت لدحمان ومادحهلا كان مادح دحمان ولا كانا
ما كان كابن صغير العين إذ جريابل قام في غاية المجرى وما دانى
بذّ الجياد أبو بكر وصيّرهامن بعد ما قرحت جذعا وثنيانا
يعني بأبي بكر ابن صغير العين، وهو من مغنّي مكة. وله أخبار تذكر في موضعها إن شاء اللّه تعالى.
وعمّر يحيى المكي مائة وعشرين سنة، وأصاب بالغناء ما لم يصبه أحد من نظرائه، ومات وهو صحيح السمع والبصر والعقل. وكان قدم مع الحجازيين الذين قدموا على المهديّ في أوّل خلافته، فخرج أكثرهم وبقي يحيى بالعراق هو وولده يخدمون الخلفاء إلى أن انقرضوا. وكان آخرهم محمد بن أحمد بن يحيى المكي، وكان يغنّي مرتجلا، ويحضر مجلس المعتمد مع المغنين فيوقع بقضيب على دواة. ولقيه جماعة من أصحابنا، وأخذ عنه جماعة ممن أدركنا من عجائز المغنيّات، منهم قمرية العمريّة، وكانت أمّ ولد عمرو بن بانة. وممن أدركه من أصحابنا جحظة، وكتبنا عنه عن ابن المكي هذا حكايات حسنة من أخبار أهله. وكان ابن جامع وإبراهيم الموصليّ وفليح يفزعون إليه في الغناء القديم ويأخذونه عنه، ويعايي بعضهم بعضا بما يأخذه منه ويغرب به على أصحابه؛ فإذا خرجت لهم الجوائز أخذوا منها ووفّروا نصيبه. وله صنعة عجيبة نادرة متقدّمة. وله كتاب في الأغاني ونسبها وأخبارها وأجناسها كبير جليل مشهور، إلا أنه كان كالمطّرح عند الرواة لكثرة تخليطه في رواياته. والعمل على كتاب ابنه أحمد، فإنه صحّح كثيرا مما أفسده أبوه، وأزال ما عرفه من تخاليط أبيه، وحقّق ما نسبه من الأغاني إلى صانعه. وهو يشتمل على نحو ثلاثة آلاف صوت.
أخبرني عبد اللّه بن الرّبيع قال حدّثني وسواسة بن الموصلي قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي قال: عمل جدّي كتابا في الأغاني وأهداه إلى عبد اللّه بن طاهر، وهو يومئذ شابّ حديث السن، فاستحسنه وسرّ به؛ ثم عرضه على إسحاق فعرّفه عوارا كثيرا في نسبه، لأن جدّي كان لا يصحّح لأحد نسبه صوت البتّة، وينسب صنعته إلى المتقدمين، وينحل بعضهم صنعة بعض ضنّا بذلك على غيره، فسقط من عين عبد اللّه وبقي في خزانته؛ ثم وقع إلى محمد بن عبد اللّه، فدعا أبي، وكان إليه محسنا وعليه مفضلا، فعرضه عليه؛ فقال له: إن في هذه النّسب تخليطا كثيرا، خلّطها أبي لضنه بهذا الشأن على الناس، ولكني أعمل لك كتابا أصحح هذا وغيره فيه. فعمل له كتابا فيه اثنا عشر ألف صوت وأهداه إليه، فوصله محمد بثلاثين ألف درهم. وصحّح له الكتاب الأوّل أيضا فهو في أيدي الناس. قال وسواسة: وحدّثني حمّاد أن أباه إسحاق كان يقدّم يحيى المكيّ تقديما كثيرا ويفضّله ويناضل أباه وابن جامع فيه، ويقول: ليس يخلو يحيى فيما يرويه من الغناء الذي لا يعرفه أحد منكم من أحد أمرين: إمّا أن يكون محقّا فيه كما يقول، فقد علم ما جهلتم، أو يكون من صنعته وقد نحله المتقدّمين، كما تقولون، فهو أفضل له وأوضح لتقدّمه عليكم. قال: وكان أبي يقول: لو لا ما أفسد به يحيى المكي نفسه من تخليطه في رواية الغناء على المتقدّمين وإضافته إليهم ما ليس لهم وقلّة ثباته على ما يحكيه من ذلك، لما تقدّمه أحد. وقال محمد بن الحسن الكاتب: كان يحيى يخلّط في نسب الغناء تخليطا كثيرا، ولا يزال يصنع الصوت بعد الصوت يتشبّه فيه بالغريض مرّة وبمعبد أخرى وبابن سريج وابن محرز، ويجتهد في إحكامه وإتقانه حتى يشتبه على سامعه؛ فإذا حضر مجالس الخلفاء غنّاه على ما أحدث فيه من ذلك، فيأتي بأحسن صنعة وأتقنها، وليس أحد يعرفها؛ فيسأل عن ذلك فيقول: أخذته عن فلان وأخذه فلان عن يونس أو عن نظرائه من رواة الأوائل، فلا يشكّ في قوله، ولا يثبت لمباراته أحد، ولا يقوم لمعارضته ولا يفي بها؛ حتى نشأ إسحاق فضبط الغناء وأخذه من مظانّه ودوّنه، وكشف عوار يحيى في منحولاته وبيّنها للناس.
أخبرني عمّي قال سمعت عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر يذكر عن أحمد بن سعيد المالكيّ - وكان مغنيا منقطعا إلى طاهر وولده وكان من القوّاد - قال: حضرت يحيى المكيّ يوما وقد غنّى صوتا فسئل عنه فقال: هذا لمالك - ولم يحفظ أحمد بن سعيد الصوت - ثم غنّى لحنا لمالك فسئل عن صانعه فقال: هذا لي؛ فقال له إسحاق: قلت ماذا؟ فديتك، وتضاحك به. فسئل عن صانعه فأخبر به، ثم غنّى الصوت. فخجل يحيى حتى أمسك عنه؛ ثم غنّى بعد ساعة في الثقيل الأوّل، واللحن:
صوت
إنّ الخليط أجدّ فاحتملاوأراد غيظك بالذي فعلا
فظللت تأمل قرب أوبتهموالنفس مما تأمل الأملا
فسئل عنه فنسبه إلى الغريض. فقال له إسحاق: يا أبا عثمان، ليس هذا من نمط الغريض ولا طريقته في الغناء، ولو شئت لأخذت مالك وتركت للغريض ماله ولم تتعب. فاستحيا يحيى ولم ينتفع بنفسه بقيّة يومه. فلما انصرف بعث إلى إسحاق بألطاف كثيرة وبرّ واسع، وكتب إليه يعاتبه ويستكفّ شرّه ويقول له: لست من أقرانك فتضادّني، ولا أنا ممن يتصدّى لمباغضتك ومباراتك فتكايدني، ولأنت إلى أن أفيدك وأعطيك ما تعلم أنك لا تجده عند غيري فتسمو به على أكفائك أحوج منك إلى أن تباغضني، فأعطي غيرك سلاحا إذا حمله عليك لم تقم له، وأنت أولى وما تختار. فعرف إسحاق صدق يحيى، فكتب إليه يعتذر، وردّ الألطاف التي حملها إليه، وحلف لا يعارضه بعدها، وشرط عليه الوفاء بما وعده به من الفوائد؛ فوفّى له بها، وأخذ منه كلّ ما أراد من غناء المتقدمين. وكان إذا حز به أمر في شيء منها فزع إليه فأفاده وعاونه ونصحه؛ وما عاود إسحاق معارضته بعد ذلك.
وحذره يحيى، فكان إذا سئل بحضرته عن شيء صدق فيه، وإذا غاب إسحاق خلّط فيما يسأل عنه. قال: وكان يحيى إذا صار إليه إسحاق بطلب منه شيئا أعطاه إياه وأفاده وناصحه، ويقول لابنه أحمد: تعال حتى تأخذ مع أبي محمد ما اللّه يعلم أني كنت أبخل به عليك فضلا عن غيرك؛ فيأخذه أحمد عن أبيه مع إسحاق. قال: وكان إسحاق بعد ذلك يتعصّب ليحيى تعصّبا شديدا؛ ويصفه ويقدّمه ويعترف برياسته، وكذلك كان في وصف أحمد ابنه وتقريظه.
قال أحمد بن سعيد: والاختلاف الواقع في كتب الأغاني إلى الآن من بقايا تخليط يحيى. قال أحمد بن سعيد: وكانت صنعة يحيى ثلاثة آلاف صوت، منها زهاء ألف صوت لم يقاربه فيها أحد، والباقي متوسّط. وذكر بعض أصحاب أحمد بن يحيى المكيّ عنه أنه سئل عن صنعة أبيه فقال: الذي صحّ عندي منها ألف وثلاثمائة صوت، منها مائة وسبعون صوتا غلب فيها على الناس جميعا من تقدّم منهم ومن تأخّر، فلم يقم له فيها أحد.
وقال حماد بن إسحاق قال لي أبي: كان يحيى المكي يسأل عن الصوت، وهو يعلم لمن هو، فينسبه إلى غير صانعه، فيحمل ذلك عنه كذلك، ثم يسأله آخرون فينسبه غير تلك النسبة؛ حتى طال ذلك وكثر منه وقلّ تحفّظه، فظهر عواره، ولو لا ذلك لما قاومه أحد.
وقال أحمد بن سعيد المالكيّ في خبره: قال إسحاق يوما للرشيد، قبل أن تصلح الحال بينه وبين يحيى المكي: أتحب يا أمير المؤمنين أن أظهر لك كذب يحيى فيما ينسبه من الغناء؟ قال نعم. قال: أعطني أيّ شعر شئت حتى أصنع فيه، واسألني بحضرة يحيى عن نسبته فإني سأنسبه إلى رجل لا أصل له، واسأل يحيى عنه إذا غنّيته، فإنه لا يمتنع من أن يدّعي معرفته. فأعطاه شعرا فصنع فيه لحنا وغنّاه الرشيد؛ ثم قال له: يسألني أمير المؤمنين عن نسبته بين يديه. فلما حضر يحيى غنّاه إسحاق فسأله الرشيد: لمن هذا اللحن؟ فقال له إسحاق: لغناديس المديني. فأقبل الرشيد على يحيى فقال له: أكنت لقيت غناديس المديني؟ قال: نعم، لقيته وأخذت عنه صوتين؛ ثم غنّى صوتا وقال: هذا أحدهما. فلما خرج يحيى حلف إسحاق بالطلاق ثلاثا وعتق جواريه: أن اللّه ما خلق أحدا اسمه غناديس، ولا سمع في المغنين ولا غيرهم، وأنه وضع ذلك الاسم في وقته ذلك لينكشف أمره.
حدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكّي المرتجل قال: غنى جدّي يوما بين يدي الرشيد:
صوت
هل هيّجتك مغاني الحيّ والدّورفاشتقت إن الغريب الدار معذور
وهل يحلّ بنا إذ عيشنا أنقبيض أوانس أمثال الدّمى حور
- والصنعة له خفيف ثقيل - فسار إليه إسحاق وسأله أن يعيده إياه؛ فقال: نعم، حبّا وكرامة لك يابن أخي، ولو غيرك يروم ذلك لبعد عليه؛ وأعاده حتى أخذه إسحاق. فلما انصرف بعث إلى جدّي بتخت ثياب وخاتم ياقوت نفيس.
حدّثني جحظة قال حدّثني القاسم بن زرزور عن أبيه عن مولاه عليّ بن المارقيّ قال: قال لي إبراهيم بن المهديّ: ويلك يا مارقيّ! إن يحيى المكيّ غنّى البارحة بحضرة أمير المؤمنين صوتا فيه ذكر زينب، وقد كان النبيذ أخذ مني فأنسيت شعره، واستعدته إياه فلم يعده، فاحتل لي عليه حتى تأخذه لي منه ولك عليّ سبق. فقال لي المارقيّ - وأنا يومئذ غلامه - اذهب إليه فقل له إني أسأله أن يكون اليوم عندي؛ فمضيت إليه فجئته به. فلما تغدّرا وضع النبيذ؛ فقال له المارقي: إني كنت سمعتك تغنّي صوتا فيه زينب وأنا أحب أن آخذه منك - وكان يحيى يوفّي هذا الشأن حقّه من الاستقصاء، فلا يخرج عنه إلا بحذر، ولا يدع الطلب والمسألة، ولا يلقي صوتا إلا بعوض. قال لي جحظة في هذا الفصل: هذا - فديتك - فعل يحيى مع ما أفاده من المال، ومع كرم من عاشره وخدمه من الخلفاء مثل الرشيد والبرامكة وسائر الناس، لا يلام ولا يعاب، ونحن مع هؤلاء السّفّل إن جئناهم نكارمهم تغافلوا عنا، وإن أعطونا النّزر اليسير منّوا به علينا وعابونا، فمن يلومني أن أشتمهم؟ فقلت: ما عليك لوم. - قال: فقال له يحيى: وأيّ شيء العوض إذا ألقيت عليك هذا الصوت؟ قال: ما تريد؛ قال: هذه الزّربيّة الأرمينيّة، كم تقعد عليها! أما آن لك أن تملّها؟ قال: بلى، وهي لك. قال: وهذه الظباء الحرميّة، وأنا مكيّ لا أنت، وأنا أولى بها؛ قال: هي لك، وأمر بحملها معه. فلما حصلت له، قال المارقيّ: يا غلام، هات العود؛ قال يحيى: والميزان والدراهم، وكان لا يغنّي أو يأخذ خمسين درهما، فأعطاه إيّاها؛ فألقى عليه قوله:
بزينب ألمم قبل أن يرحل الركبوقل إن تملّينا فما ملّك القلب
- ولحنه لكردم ثقيل أول - فلم يشكّ المارقيّ أنه قد أخذ الصوت الذي طلبه إبراهيم وأدرك حاجته. فبكّر إلى إبراهيم وقد أخذ الصوت، فقال له: قد جئتك بالحاجة. فدعا بالعود فغنّاه إياه؛ فقال له: لا واللّه ما هو هذا، وقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. فبعثني إليه وبعث معي خمسين درهما. فلما دخل إليه وأكلا وشربا قال له يحيى:
قد واليت بين دعواتك لي، ولم تكن برّا ولا وصولا، فما هذا؟ قال: لا شيء واللّه إلا محبتي للأخذ عنك والاقتباس منك؛ فقال: سرّك اللّه، فمه. قال: تذكرت الصوت الذي سألتك إياه فإذا ليس هو الذي ألقيت عليّ. قال: فتريد ماذا؟ قال: تذكر الصوت. قال: أفعل، ثم اندفع فغنّاه:
ألمم بزينب إنّ البين قد أفداقلّ الثواء لئن كان الرحيل غدا
- والغناء لمعبد ثقيل أول - فقال له: نعم، فديتك يا أبا عثمان، هذا هو، ألقه عليّ؛ قال: العوض؛ قال: ما شئت؟ قال: هذا المطرف الأسود؛ قال: هو لك. فأخذه وألقى عليه هذا الصوت حتى استوى له، وبكّر إلى إبراهيم؛ فقال له: ما وراءك؟ قال: قد قضيت الحاجة؛ فدعا له بعود فغنّاه؛ فقال: خدعك واللّه، ليس هذا هو؛ فعاود الاحتيال عليه، وكلّ ما تعطيه إياه ففي ذمّتي. فلما كان اليوم الثالث بعث بي إليه، فدعوته وفعلنا مثل فعلنا بالأمس. فقال له يحيى: فما لك أيضا؟ قال له: يا أبا عثمان، ليس هذا الصوت هو الذي أردت؛ فقال له: لست أعلم ما في نفسك فأذكره، وإنما عليّ أن أذكر ما فيه زينب من الغناء كما التمست حتى لا يبقى عندي زينب البتة إلا أحضرتها؛ فقال: هات على اسم اللّه؛ قال: اذكر العوض؛ قلت: ما شئت؛ قال: هذه الدّراعة الوشي التي عليك؛ قال: فخذها والخمسين الدرهم، فأحضرها. فألقى عليه - والغناء لمعبد ثقيل أول -:
لزينب طيف تعتريني طوارقههدوءا إذا النجم ارجحنّت لواحقه
فأخذه منه ومضى إلى إبراهيم، فصادفه يشرب مع الحرم؛ فقال له حاجبه: هو متشاغل؛ فقال: قل له: قد جئتك بحاجتك. فدخل فأعلمه؛ فقال: يدخل فيغنّيه في الدار وهو قائم، فإن كان هو وإلا فليخرج، ففعل؛ فقال: لا واللّه ما هو هذا، ولقد خدعك، فعاود الاحتيال عليه. ففعل مثل ذلك بيحيى؛ فقال له يحيى وهو يضحك: أما ظفرت بزينبك بعد؟ فقال: لا واللّه يا أبا عثمان، وما أشكّ في أنك تعتمدني بالمنع مما أريده، وقد أخذت كل شيء عندي معابثة. فضحك يحيى وقال: قد استحييت منك الآن، وأنا ناصحك على شريطة؛ قال: نعم، لك الشريطة؛ قال: لا تلمني في أن أعابثك لأنك أخذت في معابثتي، والمطلوب إليه أقدر من الطالب، فلا تعاود أن تحتال عليّ فإنك تظفر منّي بما تريد، إنما دسّك إبراهيم بن المهديّ عليّ لتأخذ مني صوتا غنّيته، فسألني إعادته فمنعته بخلا عليه لأنه لا يلحقني منه خير ولا بركة، ويريد أن يأخذ غنائي باطلا، وطمع بموضعك أن تأخذ الصوت بلا ثمن ولا حمد؛ لا واللّه إلا بأوفر ثمن وبعد اعترافك، وإلا فلا تطمع في الصوت. فقال له: أمّا إذ فطنت فالأمر واللّه على ما قلت، فتغنّيه الآن بعينه على شرط أنه إن كان هو هو وإلا فعليك إعادته، ولو غنّيتني كلّ شيء تعرفه لم أحتسب لك إلا به؛ قال: اشتره. فتساوما طويلا وماكسه حتى بلغ الصوت ألف درهم، فدفعها إليه؛ وألقى عليه:
صوت
طرقتك زينب والمزار بعيدبمنى ونحن معرّسون هجود
فكأنما طرقت بريّا روضةأنف تسحسح مزنها وتجود
- لحنه خفيف ثقيل. قال: وهو صوت كثير العمل، حلو النّغم، محكم الصّنعة، صحيح القسمة، حسن المقاطع - فأخذه وبكّر إلى إبراهيم بن المهديّ، فقال له: قد أفقرني هذا الصوت وأعراني، وأبلاني بوجه يحيى المكي وشحّه وطلبه وشرهه، وحدّثه بالقصّة؛ فضحك إبراهيم. وغنّاه إياه، فقال: هذا أبيك هو بعينه. فألقاه عليه حتى أخذه، وأخلف عليه كلّ شيء أخذه يحيى منه وزاده خمسة آلاف درهم، وحمله على برذون أشهب فاره بسرجه ولجامه. فقال له: يا سيّدي؛ فغلامك زرزور المسكين قد تردّد عليه حتى ظلع، هب له شيئا، فأمر له بألف درهم.
حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللّه بن إبراهيم بن المهديّ قال حدّثتني ريّق وشارية جميعا قالتا: كان مولانا - تعنيان أبي - في مجلس محمد الأمين يوما والمغنّون حضور، فغنّى يحيى المكي - واللحن له خفيف ثقيل -:
صوت
خليل لي أهيم بهفما كافا ولا شكرا
بلى يدعى له باسميإذا ما ريع أو عثرا
فاستردّه سيّدنا وأحبّ أن يأخذه، فجعل يحيى يفسده. وفطن الأمين بذلك، فأمر له بعشرين ألف درهم وأمره بردّه وترك التخليط، فدعا له وقبّل الأرض بين يديه وردّ الصوت وجوّده؛ ثم استعاده. فقال له يحيى: ليست تطيب لك نفسي به إلا بعوض من مالك، ولا أنصحك واللّه فيه، فهذا مال مولاي أخذته، فلم تأخذ أنت غنائي! فضحك الأمين وحكم على إبراهيم بعشرة آلاف درهم فأحضرها. فقبّل يحيى يده وأعاد الصوت وجوّده، فنظر إلى مخارق وعلّويه يتطلّعان لأخذه فقطع الصوت؛ ثم أقبل عليهما وقال: قطعة من خصية الشيخ تغطي أستاه عدّة صبيان، واللّه لا أعدته بحضرتكما. ثم أقبل على مولانا - تعنيان إبراهيم بن المهدي - فقال: يا سيّدي، إني أصير إليك حتى تأخذه عنّي متمكّنا ولا يشركك فيه أحد. فصار إليه فأعاده حتى أخذه عنه، وأخذناه معه.
أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثنا أبو أيّوب المديني قال حدّثني أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال: أرسل إليّ هارون الرشيد، فدخلت إليه وهو جالس على كرسيّ بتلّ دارا، فقال: يا يحيى، غنّني:
متى تلتقي الألّاف والعيس كلّماتصعّدن من واد هبطن إلى واد
فلم أزل أغنّيه إيّاه ويتناول قدحا إلى أن أمسى. فعددت عشر مرّات استعاد فيها الصوت، وشرب عشرة أقداح، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم، وأمرني بالانصراف.
وقال محمد بن أحمد بن يحيى المكي في خبره حدّثني أبي أحمد بن يحيى قال: قال لي إسحاق: يا أبا جعفر، لأبيك مائة وسبعون صوتا، من أخذها عنه بمائة وسبعين ألف درهم فهو الرابح. فقلت لأبي: أيّ شيء تعرف منها؟ فقال: لحنه في شعر الأخطل:
صوت
خفّ القطين فراحوا منك وابتكرواوأزعجتهم نوّى في صرفها غير
كأنني شارب يوم استبدّ بهممن قهوة عتّقتها حمص أو جدر
لحن يحيى المكيّ في هذين البيتين ثقيل أول - هكذا في الخبر - ولإبراهيم فيهما ثقيل أوّل آخر، ولابن سريج رمل.
قال: ومنها:
صوت
بان الخليط فما أؤمّلهوعفا من الرّوحاء منزله
ما ظبية أدماء عاطلةتحنو على طفل تطفّله
لحن يحيى في هذا الشعر ثاني ثقيل بالبنصر. قال أحمد: قال لي إسحاق: وددت أن هذا الصوت لي أو لأبي وأني مغرّم عشرة آلاف درهم. ثم قال: هل سمعتم بأحسن من قوله: «على طفل تطفّله».
قال: ومنها:
صوت
وكفّ كعوّاذ النقا لا يضيرهاإذا برزت ألّا يكون خضاب
أنامل فتخ لا ترى بأصولهاضمورا ولم تظهر لهن كعاب
ولحنه من الثقيل الثاني.
قال: ومنها:
صوت
صادتك هند وتلك عادتهافالقلب مما يشفّه كمد
كم تشتكي الشوق من صبابتهاولا تبالي هند بما تجد
ولحنه من خفيف الثقيل.
قال: ومنها:
صوت
أعسيت من سلمى هواك اليوم محتلّا جديدا
ومرابط الخيل الجياد ومنزلا خلقا همودا
ولحنه خفيف ثقيل أيضا.
قال: ومنها:
صوت
ألا مرحبا بخيال ألمّوإن هاج للقلب طول الألم
خيال لأسماء يعتادنيإذا الليل مدّ رواق الظّلم
ولحنه ثقيل أول.
قال: ومنها:
صوت
كم ليلة ظلماء فيك سريتهاأتعبت فيها صحبتي وركابي
لا يبصر الكلب السّروق خباءهاومواضع الأوتاد والأطناب
لحنه ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه خفيف ثقيل بالوسطى للغريض. قال ابن المكيّ: غنّى أبي الرشيد ليلة هذا الصوت فأطربه، ثم قال له: قم يا يحيى فخذ ما في ذلك البيت؛ فظنّه فرشا أو ثيابا، فإذا فيه أكياس فيها عين وورق؛ فحملت بين يديه فكانت خمسين ألف درهم مع قيمة العين.
قال: ومنها:
صوت
ويبيت جاري آمنا جهليوأرى الذّمامة للرّفيق إذا
ألقى رحالته إلى رحلي
ولحنه خفيف ثقيل. قال ابن المكي غنّى ابن جامع الرشيد يوما البيت الأول من هذين البيتين ولم يزد عليه شيئا؛ فأعجب به الرشيد واستردّه مرارا، وأسكت لابن جامع المغنّين جميعا، وجعل يسمعه ويشرب عليه، ثم أمر له بعشرة آلاف درهم وعشرة خواتيم وعشر خلع، وانصرف. فمضى إبراهيم من وجهه إلى يحيى المكيّ فأستأذن عليه، فأذن له، فأخبره بالذي كان من أمر ابن جامع واستغاث به. فقال له يحيى: أفزاد على البيت الأول شيئا؟ قال لا؛ قال أفرأيت إن زدتك بيتا ثانيا لم يعرفه إسماعيل أو عرفه ثم أنسيه، وطرحته عليك حتى تأخذه ما تجعل لي؟
قال: النصف مما يصل إليّ بهذا السبب؛ قال: واللّه؟! فأخذ بذلك عليه عهدا وشرطا واستحلفه عليه أيمانا مؤكّدة؛ ثم زاده البيت الثاني وألقاه عليه حتى أخذه وانصرف. فلما حضر المغنّون من غد ودعي به كان أوّل صوت غنّاه إبراهيم هذا الصوت، وجاء بالبيت الثاني وتحفّظ فيه فأصاب وأحسن كلّ الإحسان، وشرب عليه الرشيد واستعاده حتى سكر، وأمر لإبراهيم بعشرة آلاف درهم وعشرة خواتيم وعشر خلع؛ فحمل ذلك كلّه، وانصرف من وجهه ذلك إلى يحيى فقاسمه ومضى إلى منزله. وانصرف ابن جامع إليه من دار الرشيد، وكان يحيى في بقايا علّة فاحتجب عنه؛ فدفع ابن جامع في صدر بوّابه ودخل إليه، فقال له: إيه يا يحيى، كيف صنعت! ألقيت الصوت على الجرمقانيّ لا رفع اللّه صرعتك ولا وهب لك العافية. وتشاتما ساعة، ثم خرج ابن جامع من عنده وهو مدوّخ.
حدّثني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني محمد بن أحمد بن يحيى المكي عن أبيه قال قال لي إسحاق: كنت أنا وأبوك وابن جامع وفليح بن أبي العوراء وزبير بن دحمان يوما عند الفضل بن الربيع؛ فانبرى زبير بن دحمان لأبيك (يعني يحيى)، فجعلا يغنيّان ويباري كلّ واحد منهما صاحبه، وذلك يعجب الفضل، وكان يتعصّب لأبيك ويعجب به. فلما طال الأمر بينهما قال له الزبير: أنت تنتحل غناء الناس وتدّعيه وتنحلهم ما ليس لهم. فأقبل الفضل عليّ وقال: احكم أيها الحاكم بينهما، فلم يخف عليك ما هما فيه؛ فقلت: لئن كان ما يرويه يحيى ويغنّيه شيئا لغيره فلقد روى ما لم يرووه وما لم نروه، وعلم ما جهلناه وجهلوه، ولئن كان من صنعته إنه لأحسن الناس صنعة، وما أعرف أحدا أروى منه ولا أصحّ أداء للغناء، كان ما يغنّيه له أو لغيره. فسرّ بذلك الفضل وأعجبه. وما زال أبوك يشكره لي.
صوت من المائة المختارة
أهاجتك الظعائن يوم بانوابذي الزّيّ الجميل من الأثاث
ظعائن أسلكت نقب المنقّىتحثّ إذا ونت أيّ احتثاث
الشعر للنّميري. والغناء للغريض، ولحنه المختار ثقيل أوّل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع