تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار سياط ونسبه

فيه ٣٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

سياط لقب غلب عليه، واسمه عبد اللّه بن وهب، ويكنى أبا وهب، مكيّ مولى خزاعة. وكان مقدّما في الغناء رواية وصنعة، ومقدّما في الضرب معدودا في الضّرّاب. وهو أستاذ ابن جامع وإبراهيم الموصلي، وعنه أخذا ونقلا ونقل نظراؤهما الغناء القديم، وأخذه هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أمّ ابن جامع. وفيه يقول بعض الشعراء:

ما سمعت الغناء إلّا شجانيمن سياط وزاد في وسواسي
غنّني يا سياط قد ذهب الليل غناء يطير منه نعاسي
ما أبالي إذا سمعت غناءلسياط ما فاتني للرّؤاسي

والرؤاسيّ الذي عناه هو عباس بن منقار، وهو من بني رؤاس. وفيه يقول محمد بن أبان الضّبّيّ:

إذا واخيت عبّاسافكن منه على وجل
فتى لا يقبل العذرولا يرغب في الوصل
وما إن يتغنّى منيواخيه من النّبل

قال حمّاد بن إسحاق: لقّب سياط هذا اللقب لأنه كان كثيرا ما يتغنّى:

كأنّ مزاحف الحيّات فيهقبيل الصبح آثار السّياط
للشاعر المتنخل، من قصيدة «عرفت بأجدث فنعاف عرق»

وأخبرني محمد بن خلف قال حدّثني هارون بن مخارق عن أبيه، وأخبرني به عبد اللّه بن عباس بن الفضل بن الربيع الربيعي عن وسواسة الموصليّ - ولم أسمع أنا هذا الخبر من وسواسة - عن حماد عن أبيه، قالا:

غنّى إبراهيم الموصليّ يوما صوتا لسياط؛ فقال له ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك شيئا يأكله؛ لسياط. قال: وقال المهديّ يوما وهو يشرب لسلّام الأبرش: جئني بسياط وعقاب وحبال؛ فارتاع كلّ من حضر وظنّ جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم أو ببعضهم؛ فجاءه بسياط المغنّي وعقاب المدني - وكان الذي يوقع عليه - وحبال الزامر. فجعل الجلساء يشتمونهم والمهديّ يضحك.

أخبرني محمد بن خلف قال حدّثني أبو أيوب المدنيّ قال حدّثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: مرّ سياط على أبي ريحانة المدنيّ في يوم بارد وهو جالس في الشمس وعليه ثوب رقيق رثّ؛ فوثب إليه أبو ريحانة وقال: بأبي أنت يا أبا وهب، غنّني صوتك في شعر ابن جندب:

فؤادي رهين في هواك ومهجتيتذوب وأجفاني عليك همول

فغنّاه إياه، فشقّ قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد ازداد بردا وجهدا. فقال له رجل: ما أغنى عنك ما غنّاك من شقّ قميصك! فقال له يابن أخي، إن الشعر الحسن من المغنّي الحسن ذي الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمّام محمّى. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال اللّه جل وعزّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ

؛ فقال: بل أنا من الذين قال تبارك وتعالى: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ

وقد أخبرني بهذا الخبر عليّ بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه فذكر قريبا من هذا؛ ولفظ أبي أيوب وخبره أتم.

وأخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي، المعروف بابن أبي اليسع، قال حدّثنا عمر بن شبّة:

لكلّ حمام أنت باك إذا بكىودمعك منهلّ وقلبك يخفق
مخافة بعد بعد قرب وهجرةتكون ولمّا تأت والقلب مشفق
ولي مهجة ترفضّ من خوف عتبهاوقلب بنار الحبّ يصلى ويحرق
أظلّ خليعا بين أهلي متيّماوقلبي لما يرجوه منها معلّق

فغنّاه إياه؛ فلما استوفاه ضرب بيده على قميصه فشقّه حتى خرج منه وغشي عليه. فقال له رجل لمّا أفاق: يا أبا ريحانة، ما أغنى عنك الغناء! ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدّم.

أخبرني إسماعيل قال حدّثني عمر بن شبّة قال: مرّت جارية بأبي ريحانة يوما على ظهرها قربة وهي تغنّي وتقول:

وأبكى فلا ليلى بكت من صبابةإليّ ولا ليلى لذي الودّ تبذل
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة
وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذي أتنصّل
للشاعر ابن المولى، اقرأ القصيدة

فقام إليها فقال: يا سيّدتي أعيدي؛ فقالت: مولاتي تنتظرني والقربة على ظهري؛ فقال: أنا أحملها عنك؛ فدفعتها إليه فحملها، وغنته الصوت، فطرب فرمى بالقربة فشقّها. فقالت له الجارية: أمن حقّي أن أغنّيك وتشقّ قربتي! فقال لها: لا عليك، تعالي معي إلى السّوق؛ فجاءت معه فباع ملحفته واشترى لها بثمنها قربة جديدة. فقال له رجل: يا أبا ريحانة، أنت واللّه كما قال اللّه عزّ وجلّ: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ

؛ فقال: بل أنا كما قال اللّه عزّ وجلّ: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبيّ قال حدّثني أبو العيناء قال قال إسحاق الموصليّ: بلغني أنّ أبا ريحانة المدنيّ كان جالسا في يوم شديد البرد وعليه قميص خلق رقيق؛ فمرّ به سياط المغنّي فوثب إليه وأخذ بلجامه وقال له: يا سيّدي، بحق القبر ومن فيه غنّني صوت ابن جندب، فغنّاه:

فؤادي رهين في هواك ومهجتيتذوب وأجفاني عليك همول

فشقّ قميصه حتى خرج منه وبقي عاريا وغشي عليه، واجتمع الناس حوله وسياط واقف متعجّب مما فعل. ثم أفاق وقام إليه؛ فرحمه سياط وقال له: مالك يا مشئوم؟ أيّ شيء تريد؟ قال: غنّني باللّه عليك:

سودّع أمامة حان منك رحيلإنّ الوداع لمن تحبّ قليل
مثل القضيب تمايلت أعطافهفالريح تجذب متنه فيميل
إن كان شأنكم الدلال فإنهحسن دلالك يا أميم جميل

فغنّاه إياه؛ فلطم وجهه ثم خرج الدم من أنفه ووقع صريعا. ومضى سياط، وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له: ويحك! خرقت قميصك وليس لك غيره! فقال: دعوني، فإن الغناء الحسن من المغنّي المطرب أدفأ للمقرور من حمّام المهديّ إذا أوقد سبعة أيام. قال: ووجّه له سياط بقميص وجبّة وسراويل وعمامة.

أخبرني يحيى بن عليّ بن يحيى قال حدّثني أبو أيّوب المدنيّ قال حدّثني محمد بن عبد اللّه الخزاعيّ وحمّاد بن إسحاق جميعا عن إسحاق قال: كان سياط أستاذ أبي وأستاذ ابن جامع ومن كان في ذلك العصر. فاعتلّ علة، فجاءه أبي وابن جامع يعودانه.

فقال له أبي: أعزز عليّ بعلتك أبا وهب! ولو كانت مما يفتدى لفديتك منها. قال: كيف كنت لكم؟ قلنا: نعم الأستاذ والسيّد. قال: قد غنّيت لنفسي ستين صوتا فأحبّ ألّا تغيّروها ولا تنتحلوها. فقال له أبي: أفعل ذلك يا أبا وهب، ولكن أيّ ذلك كرهت: أن يكون في غنائك فضل فأقصّر عنه فيعرف فضلك عليّ فيه، أو أن يكون فيه نقص فأحسنه فينسب إحساني إليك ويأخذه الناس عني لك؟ قال: لقد استعفيت من غير مكروه. قال الخزاعيّ في خبره: ثم قال لي إسحاق: كان سياط خزاعيّا، وكان له زامر يقال له حبال، وضارب يقال له عقاب. قال حماد قال أبي: أدركت أربعة كانوا أحسن الناس غناء، سياط أحدهم. قال: وكان موته في أوّل أيام موسى الهادي.

أخبرني يحيى قال حدّثنا أبو أيوب عن مصعب قال: دخل ابن جامع على سياط وقد نزل به الموت؛ فقال له: ألك حاجة؟ فقال: نعم، لا تزد في غنائي شيئا ولا تنقص منه، دعه رأسا برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتا.

أخبرنا محمد بن مزيد قال حدّثنا حمّاد قال حدّثني محمد بن حديد أخو النّضر بن حديد: أن إخوانا لسياط دعوه، فأقام عندهم وبات، فأصبحوا فوجدوه ميّتا في منزلهم، فجاءوا إلى أمّه وقالوا: يا هذه، إنّا دعونا ابنك لنكرمه ونسرّ به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك فاحتكمي ما شئت؛ ونشدناك اللّه ألّا تعرّضينا للسلطان أو تدّعي فيه علينا ما لم نفعله. فقالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأة. قال: فجاءت معنا فحملته إلى منزلها فأصلحت أمره ودفنته. وقد ذكرت هذه القصة بعينها في وفاة نبيه المغنّي، وخبره في ذلك يذكر مع أخباره إن شاء اللّه تعالى.

أخبرنا يحيى بن عليّ وعيسى بن الحسين الزيات - واللفظ له - قالا حدّثنا أبو أيوب قال حدّثنا أحمد بن المكّيّ قال: «غنّيت إبراهيم بن المهديّ لسياط:

ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوي

فاستحسنه جدّا، وقال لي: ممن أخذته؟ قلت: من جارية أبيك قرشيّة الزّبّاء؛ فقال: أشعرت أنه كان لأبي ثلاث جوار محسنات كلّهن تسمّى قرشيّة، منهن قرشيّة الزباء وقرشية السوداء وقرشية البيضاء، وكانت الزباء أحسنهن غناء - يعني التي أخذت منها هذا الصوت - قال: وكنت أسمعها كثيرا تقول: قد سمعت المغنّين وأخذت عنهم وتفقّدت أغانيهم، فما رأيت فيهم مثل سياط قطّ. هذه الحكاية من رواية عيسى بن الحسين خاصّة.

نسبة هذا الصوت

صوت

ضاف قلبي الهوى فأكثر سهويوجوى الحبّ مفظع غير حلو
لو علا بعض ما علاني ثبيراظلّ ضعفا ثبير من ذاك يهوي
من يكن من هوى الغواني خليّايا ثقاتي فإنني غير خلو

الغناء لسياط ثاني ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق.

صوت من المائة المختارة

يا أمّ عمرو لقد طالبت ودّكمجهدي وأعذرت فيه كلّ إعذار
حتى سقمت، وقد أصبحت سالمة،مما أعالج من همّ وتذكار

لم يسمّ قائل هذا الشعر. والغناء للرّطّاب. والرّطّاب مدنيّ قليل الصنعة ليس بمشهور. وقيل له الرطّاب لأنه كان يبيع الرّطب بالمدينة. ولحنه المختار هزج بالوسطى.

صوت من المائة المختارة

تصدّع الأنس الجميعأمسى فقلبي به صدوع
في إثرهم وجفون عينيمخضلّة كلها دموع

لم يسمّ لنا قائل هذا الشعر ولا عرفناه. والغناء لدكين بن يزيد الكوفي. ولحنه المختار من خفيف الثقيل بالوسطى، وهكذا ذكر إسحاق في الألحان المختارة للواثق. وذكر هذا الصوت في مجرّد شجا فنسبه إلى دكين، وجنّسه في الثقيل الأوّل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر أيضا فيه لحنا من القدر الأوسط من الثقيل الأوّل بالخنصر في مجرى البنصر، فزعم أنه ينسب إلى معبد وإلى الغريض. وفيه بيتان آخران وهما:

فالقلب إن سيم عنك صبراكلّف ما ليس يستطيع
عاص لمن لام في هواكموهو لكم سامع مطيع

صوت من المائة المختارة

يأيها الرجل الذيقد زان منطقه البيان
للشاعر ابن هارون العروضي، اقرأ القصيدة
لا تعتبنّ على الزمان فليس يعتبك الزمان

الشعر لعبد اللّه بن هارون العروضيّ. والغناء لنبيه المغنّي، ولحنه المختار ثقيل أوّل بالبنصر.

فأمّا عبد اللّه بن هارون فما أعلم أنه وقع إليّ له خبر إلا ما شهر من حاله في نفسه. وهو عبد اللّه بن هارون بن السّميدع، مولى قريش، من أهل البصرة. وأخذ العروض من الخليل ابن أحمد، فكان مقدّما فيه. وانقطع إلى آل سليمان بن علي وأدّب أولادهم، وكان يمدحهم كثيرا، فأكثر شعره فيهم. وهو مقلّ جدّا. وكان يقول أوزانا من العروض غريبة في شعره، ثم أخذ ذلك عنه ونحا نحوه فيه رزين العروضيّ فأتى فيه ببدائع جمّة، وجعل أكثر شعره من هذا الجنس. فأمّا عبد اللّه بن هارون فما عرفت له خبرا ولا وقع إليّ من أمره شيء غير ما ذكرته.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»