تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

خبر الوقعة التي قيل فيها هذان الشعران وهي وقعة دولاب وشيء من أخبار هؤلاء الشراة وأنسابهم وخبر أم حكيم هذه

فيه ٢٤ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

هذان الشعران قيلا في وقعة دولاب، وهي قرية من عمل الأهواز، بينها وبين الأهواز نحو من أربعة فراسخ، كانت بها حرب بين الإزارقة وبين مسلم بن عبيس بن كريز خليفة عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب، وذلك في أيام ابن الزبير. أخبرني بخبر هذه الحرب أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ عن عمر بن شبّة عن المدائني، وأخبرني بها عبيد اللّه بن محمد الرازي عن الخرّاز عن المدائنيّ، وأخبرني الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير بن حرب عن خالد بن خداش: أن نافع بن الأزرق، لمّا تفرقت آراء الخوارج ومذاهبهم في أصول مقالتهم أقام بسوق الأهواز وأعمالها لا يعترض الناس، وقد كان متشكّكا في ذلك. فقالت له امرأته: إن كنت قد كفرت بعد إيمانك وشككت فيه، فدع نحلتك ودعوتك، وإن كنت قد خرجت من الكفر إلى الإيمان فاقتل الكفّار حيث لقيتهم وأثخن في النساء والصبيان كما قال نوح: لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً

فقبل قولها واستعرض الناس وبسط سيفه، فقتل الرجال والنساء والولدان، وجعل يقول: إن هؤلاء إذا كبروا كانوا مثل آبائهم. وإذا وطيء بلدا فعل مثل هذا به إلى أن يجيبه أهله جميعا ويدخلوا ملّته، فيرفع السيف ويضع الجباية فيجبي الخراج. فعظم أمره واشتدّت شوكته وفشا عمّاله في السواد. فارتاع لذلك أهل البصرة ومشوا إلى الأحنف بن قيس فشكوا إليه أمرهم وقالوا له: ليس بيننا وبين القوم إلا ليلتان، وسيرتهم كما ترى؛ فقال لهم الأحنف: إنّ سيرتهم في مصر كم إن ظفروا به مثل سيرتهم في سوادكم، فخذوا في جهاد عدوّكم. وحرّضهم الأحنف، فاجتمع إليه عشرة آلاف رجل في السلاح. فأتاه عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، وسأله أن يؤمّر عليهم أميرا، فاختار لهم مسلم بن عبيس بن كريز بن ربيعة، وكان فارسا شجاعا ديّنا، فأمّره عليهم وشيّعه. فلما نفذ من جسر البصرة أقبل على الناس وقال: إني ما خرجت لامتيار ذهب ولا وفضة، وإني لأحارب قوما إن ظفرت بهم فما وراءهم إلا سيوفهم ورماحهم. فمن كان من شأنه الجهاد فلينهض، ومن أحبّ الحياة فليرجع. فرجع نفر يسير ومضى الباقون معه؛ فلما صاروا بدولاب خرج إليهم نافع بن الأزرق، فاقتتلوا قتالا شديدا حتى تكسّرت الرماح وعقرت الخيل وكثرت الجراح والقتلى، وتضاربوا بالسيوف والعمد؛ فقتل في المعركة ابن عبيس وهو على أهل البصرة، وذلك في جمادى الآخرة سنة خمس وستين، وقتل نافع بن الأزرق يومئذ أيضا؛ فعجب الناس من ذلك، وأنّ الفريقين تصابروا حتى قتل منهم خلق كثير، وقتل رئيسا العسكرين، والشّراة يومئذ ستّمائة رجل، فكانت الحدّة يومئذ وبأس الشراة واقعا ببني تميم وبني سدوس. وأتى ابن عبيس وهو يجود بنفسه فاستخلف على الناس الرّبيع بن عمرو الغدانيّ، وكان يقال له الأجذم، كانت يده أصيبت بكابل مع عبد الرحمن بن سمرة. واستخلف نافع بن الأزرق عبيد اللّه بن بشير بن الماحوز أحد بني سليط بن يربوع. فكان رئيسا المسلمين والخوارج جميعا من بني يربوع، رئيس المسلمين من بني غدانة بن يربوع، ورئيس الشّراة من بني سليط بن يربوع، فاتّصلت الحرب بينهم عشرين يوما. قال المدائني في خبره: وادّعى قتل نافع بن الأزرق رجل من باهلة يقال له سلامة. وتحدّث بعد ذلك قال: كنت لما قتلته على برذون ورد فإذا أنا برجل ينادي، وأنا واقف في خمس بني تميم، فإذا به يعرض عليّ المبارزة فتغافلت عنه، وجعل يطلبني وأنا أنتقل من خمس إلى خمس وليس يزايلني، فصرت إلى رحلي ثم رجعت فدعاني إلى المبارزة، فلما أكثر خرجت إليه، فاختلفنا ضربتين فضربته فصرعته، ونزلت فأخذت رأسه وسلبته، فإذا امرأة قد رأتني حين قتلت نافعا، فخرجت لتثأر به. قالوا: فلما قتل نافع وابن عبيس وولّي الجيش إلى ربيع بن عمرو لم يزل يقاتل الشّراة نيّفا وعشرين يوما، ثم أصبح ذات يوم فقال لأصحابه: إني مقتول لا محالة؛ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: إني رأيت البارحة كأنّ يدي التي أصيبت بكابل انحطّت من السماء فاستشلتني. فلما كان الغد قاتل إلى الليل ثم غاداهم فقتل يومئذ - قال: استشلاه: أخذه إليه. يقال: استشلاه واشتلاه - قال: فلما قتل الربيع تدافع أهل البصرة الراية حتى خافوا العطب إذ لم يكن لهم رئيس؛ ثم أجمعوا على الحجّاج بن باب الحميريّ. وقد اقتتل الناس يومئذ وقبله بيومين قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله، تطاعنوا بالرماح حتى تقصّفت، ثم تضاربوا بالسيوف والعمد حتى لم يبق لأحد منهم قوة، وحتى كان الرجل منهم يضرب الرجل فلا يغني شيئا من الإعياء، وحتى كانوا يترامون بالحجارة ويتكادمون بالأفواه. فلما تدافع القوم الراية وأبوها واتّفقوا على الحجّاج بن باب امتنع من أخذها. فقال له كريب بن عبد الرحمن: خذها فإنها مكرمة؛ فقال: إنها لراية مشئومة، ما أخذها أحد إلا قتل. فقال له كريب: يا أعور! تقارعت العرب على أمرها ثم صيّروها إليك فتأبى خوف القتل! خذ اللواء ويحك! فإن حضر أجلك قتلت إن كانت معك أو لم تكن. فأخذ اللواء وناهضهم، فاقتتلوا حتى انتقضت الصفوف وصاروا كراديس، والخوارج أقوى عدّة بالدروع والجواشن. وجعل الحجّاج يغمض عينيه ويحمل حتى يغيب في الشّراة ويطعن فيهم ويقتل حتى يظنّ أنه قد قتل، ثم يرفع رأسه وسيفه يقطر دما، ويفتح عينيه فيرى الناس كراديس يقاتل كلّ قوم في ناحية. ثم التقى الحجّاج بن باب وعمران بن الحارث الراسبيّ، فاختلفا ضربتين كلّ واحد منهما قتل صاحبه، وجال الناس بينهما جولة ثم تحاجزوا؛ و. أصبح أهل البصرة - وقد هرب عامّتهم، وولّوا حارثة بن بدر الغدانيّ أمرهم - ليس بهم طرق ولا بالخوارج. فقالت امرأة من الشّراة - وهي أم عمران قاتل الحجّاج بن باب وقتيله - ترثي ابنها عمران:

أللّه أيّد عمرانا وطهّرهوكان عمران يدعو اللّه في السّحر
للشاعر أم عمران بن الحارث، اقرأ القصيدة
يدعوه سرّا وإعلانا ليرزقهشهادة بيدي ملحادة غدر
للشاعر أم عمران بن الحارث، اقرأ القصيدة
ولّى صحابته عن حرّ ملحمةوشدّ عمران كالضرّغامة الذكر
للشاعر أم عمران بن الحارث، اقرأ القصيدة

قال: فلما عقدوا لحارثة بن بدر الرياسة وسلّموا إليه الراية نادى فيهم بأن يثبتوا، فإذا فتح اللّه عليهم فللعرب زيادة فريضتين وللموالي زيادة فريضة؛ فندب الناس فالتقوا وليس بأحد منهم طرق، وقد فشت فيهم الجراحات فلهم أنين، وما تطأ الخيل إلا على القتلى. فبينما هم كذلك إذ أقبل من اليمامة جمع من الشّراة - يقول المكثّر إنهم مائتان والمقلّل إنهم أربعون - فاجتمعوا وهم يريحون مع أصحابهم واجتمعوا كبكبة واحدة، فحملوا على المسلمين.

فلما رآهم حارثة بن بدر نكص برايته فانهزم وقال:

كرنبوا ودولبواوحيث شئتم فاذهبوا

وقال:

أير الحمار فريضة لعبيدكموالخصيتان فريضة الأعراب

وتتابع الناس على أثره منهزمين، وتبعتهم الخوارج، فألقوا أنفسهم في دجيل فغرق منهم خلق كثير وسلمت بقيّتهم. وكان ممن غرق دغفل بن حنظلة أحد بني عمرو بن شيبان. ولحقت قطعة من الشّراة خيل عبد القيس فأكبّوا عليهم، فعطفت عليهم خيل من بني تميم فعاونوهم وقاتلوا الشّراة حتى كشفوهم وانصرفوا إلى أصحابهم. وعبرت بقيّة الناس، فصار حارثة ومن معه بنهر تيري والشّراة بالأهواز، فأقاموا ثلاثة أيام. وكان على الأزد يومئذ قبيصة بن أبي صفرة أخو المهلّب، وهو جدّ هزارمرد. قال: وغرق يومئذ من الأزد عدد كثير. فقال شاعر الأزراقة:

يرى من جاء ينظر من دجيلشيوخ الأزد طافية لحاها

وقال شاعر آخر منهم:

شمت ابن بدر، والحوادث جمة،والظالمون بنافع بن الأزرق
والموت حتم لا محالة واقعمن لا يصبّحه نهارا يطرق
فلئن أمير المؤمنين أصابهريب المنون فمن تصبه يغلق

قال قطريّ بن الفجاءة، فيما ذكر المبرّد، وقال المدائني في خبره: إن صالح بن عبد اللّه العبشميّ قائل ذلك؛ وقال خالد بن خداش: بل قائلها عمرو القنا؛ قال وهب بن جرير عن أبيه فيما حدّثني به أحمد بن الجعد الوشّاء عن أحمد بن أبي خيثمة عن أبيه عن وهب بن جرير عن أبيه: إن حبيب بن سهم قائلها:

لعمرك إنّي في الحياة لزاهدوفي العيش ما لم ألق أمّ حكيم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
من الخفرات البيض لم أر مثلهاشفاء لذي بثّ ولا لسقيم
للشاعر عبيدة اليشكري، اقرأ القصيدة
لعمرك إني يوم ألطم وجههاعلى نائبات الدهر غير حليم
للشاعر عبيدة اليشكري، اقرأ القصيدة
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرتطعان فتى في الحرب غير لئيم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
غداة طفت علماء بكر بن وائلوألّافها من حمير وسليم
ومال الحجازيّون نحو بلادهموعجنا صدور الخيل نحو تميم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
وكان لعبد القيس أوّل جدّهاوولّت شيوخ الأزد فهي تعوم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
فلم أر يوما كان أكثر مقعصايمجّ دما من فائظ وكليم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
وضاربة خدّا كريما على فتىأغرّ نجيب الأمهات كريم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
أصيب بدولاب ولم تك موطناله أرض دولاب ودير حميم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلناتبيح من الكفّار كلّ حريم
للشاعر قطري بن الفجاءة، اقرأ القصيدة
رأت فتية باعوا الإله نفوسهمبجنّات عدن عنده ونعيم
للشاعر عبيدة اليشكري، اقرأ القصيدة

حدّثني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا خلّاد الأرقط قال: كان الشّراة والمسلمون يتواقفون ويتساءلون بينهم عن أمر الدّين وغير ذلك على أمان وسكون فلا يهيج بعضهم بعضا. فتواقف يوما عبيدة بن هلال اليشكريّ وأبو حزابة التّميمي وهما في الحرب؛ فقال عبيدة: يا أبا حزابة، إني سائلك عن أشياء، أفتصدقني في الجواب عنها؟ قال: نعم إن تضمّنت لي مثل ذلك؛ قال: قد فعلت.

قال: سل عما بدا لك. قال: ما تقول في أئمتكم؟ قال: يبيحون الدم الحرام والمال الحرام والفرج الحرام. قال: ويحك! فكيف فعلهم في المال؟ قال: يجبونه من غير حلّه، وينفقونه في غير حقه. قال: فكيف فعلهم في اليتيم؟

قال: يظلمونه ماله، ويمنعونه حقه، وينيكون أمّه. قال: ويلك يا أبا حزابة! أفمثل هؤلاء تتّبع؟! قال: قد أجبت، فاسمع سؤالي ودع عنك عتابي على رأيي؛ قال: قل. قال: أيّ الخمر أطيب: أخمر السهل أم خمر الجبل؟ قال: ويلك! أتسأل مثلي عن هذا؟ قال: قد أوجبت على نفسك أن تجيب؛ قال: أمّا إذ أبيت فإنّ خمر الجبل أقوى وأسكر، وخمر السهل أحسن وأسلس. قال أبو حزابة: فأيّ الزّواني أفره: أزواني رامهرمز أم زواني أرّجان؟

قال: ويلك! إن مثلي لا يسأل عن مثل هذا؛ قال: لابدّ من الجواب أو تغدر؛ فقال: أمّا إذ أبيت فزواني رامهرمز أرقّ أبشارا، وزواني أرّجان أحسن أبدانا. قال: فأيّ الرجلين أشعر: أجرير أم الفرزدق؟ قال: عليك وعليهما لعنة اللّه! أيهما الذي يقول:

وطوى الطّراد مع القياد بطونهاطيّ التّجار بحضر موت برودا
للشاعر جرير، من قصيدة «أهوى أراك برامتين وقودا»

قال: جرير؛ قال: فهو أشعرهما. قال: وكان الناس قد تجاذبوا في أمر جرير والفرزدق حتى تواثبوا وصاروا إلى المهلّب محكّمين له في ذلك؛ فقال: أردتم أن أحكم بين هذين الكلبين المتهارشين فيمتضغاني! ما كنت لأحكم بينهما، ولكني أدلّكم على من يحكم بينهما ثم يهون عليه سبابهما، عليكم بالشّراة فسلوهم إذا تواقفتم. فلما تواقفوا سأل أبو حزابة عبيدة بن هلال عن ذلك فأجابه بهذا الجواب.

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدّثني ميمون بن هارون قال: حدّثت أن امرأة من الخوارج كانت مع قطريّ بن الفجاءة يقال لها أمّ حكيم، وكانت من أشجع الناس وأجملهم وجها وأحسنهم بدينهم تمسّكا، وخطبها جماعة منهم فردّتهم ولم تجب إلى ذلك؛ فأخبرني من شهدها أنها كانت تحمل على الناس وترتجز:

أحمل رأسا قد سئمت حملهوقد مللت دهنه وغسله
للشاعر أم حكيم الخارجية، اقرأ القصيدة
ألا فتى يحمل عنّي ثقله

قال: وهم يفدّونها بالآباء والأمهات، فما رأيت قبلها ولا بعدها مثلها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ قال: كان عبيدة بن هلال إذا تكافّ الناس ناداهم: ليخرج إليّ بعضكم؛ فيخرج إليه فتيان من العسكر؛ فيقول لهم: أيّما أحبّ إليكم: أقرأ عليكم القرآن أو أنشدكم الشعر؟ فيقولون له: أمّا القرآن فقد عرفناه مثل معرفتك، فأنشدنا؛ فيقول لهم: يا فسقة، واللّه قد علمت أنكم تختارون الشعر على القرآن، ثم لا يزال ينشدهم ويستنشدهم حتى يملّوا ثم يفترقون.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»