من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
وأمّا المرقّش الأصغر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
فهو - على ما ذكر أبو عمرو - ربيعة بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة. والمرقّش الأكبر عم الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد. قال أبو عمرو: والمرقّش الأصغر أشعر المرقّشين وأطولهما عمرا. وهو الذي عشق فاطمة بنت المنذر، وكانت لها وليدة يقال لها بنت عجلان، وكان لها قصر بكاظمة وعليه حرس. وكان الحرس يجرّون كل ليلة حوله الثياب فلا يطؤه أحد إلا بنت عجلان. وكان لبنت عجلان في كلّ ليلة رجل من أهل الماء يبيت عندها. فقال عمرو بن جناب بن مالك لمرقّش: إنّ بنت عجلان تأخذ كلّ عشيّة رجلا ممن يعجبها فيبيت معها.
وكان مرقّش ترعية لا يفارق إبله، فأقام بالماء وترك إبله ظمأى، وكان من أجمل الناس وجها وأحسنهم شعرا.
وكانت فاطمة بنت المنذر تقعد فوق القصر فتنظر إلى الناس. فجاء مرقّش فبات عند ابنة عجلان؛ حتى إذا كان من الغد تجرّدت عند مولاتها. فقالت لها: ما هذا بفخذيك؟ - وإذا نكت كأنها التين وكآثار السّياط من شدّة حفزه إياها عند الجماع - قالت: آثار رجل بات معي الليلة. وقد كانت فاطمة قالت لها: لقد رأيت رجلا جميلا راح نحونا بالعشيّة لم أره قبل ذلك؛ قالت: فإنه فتى قعد عن إبله وكان يرعاها، وهو الفتى الجميل الذي رأيته، وهو الذي بات معي فأثر فيّ هذه الآثار. قالت لها فاطمة: فإذا كان غد وأتاك فقدّمي له مجمرا ومريه أن يجلس عليه وأعطيه سواكا، فإن استاك به أوردّه فلا خير فيه، وإن قعد على المجمر أوردّه فلا خير فيه. فأتته بالمجمر فقالت له: اقعد عليه؛ فأبى وقال: أدنيه مني، فدخّن لحيته وجمّته وأبى أن يقعد عليه، وأخذ السواك فقطع رأسه واستاك به. فأتت ابنة عجلان فاطمة فأخبرتها بما صنع؛ فازدادت به عجبا وقالت: ائتيني به. فتعلقت به كما كانت تتعلق، فمضى معها وانصرف أصحابه. فقال القوم حين انصرفوا: لشدّ ما علقت بنت عجلان المرقّش! وكان الحرس ينثرون التراب حول قبّة فاطمة بنت المنذر ويجرّون عليه ثوبا حين تمسي ويحرسونها فلا يدخل عليها إلا ابنة عجلان؛ فإذا كان الغد بعث الملك بالقافة فينظرون أثر من دخل إليها ويعودون فيقولون له: لم نر إلا أثر بنت عجلان. فلما كانت تلك الليلة حملت بنت عجلان مرقّشا على ظهرها وحزمته إلى بطنها بثوب، وأدخلته إليها فبات معها. فلما أصبح بعث الملك بالقافة فنظروا وعادوا إليه فقالوا: نظرنا أثر بنت عجلان وهي مثقلة. فلبث بذلك حينا يدخل إليها. فكان عمرو بن جناب بن عوف بن مالك يرى ما يفعل ولا يعرف مذهبه. فقال له: ألم تكن عاهدتني عهدا لا تكتمني شيئا ولا أكتمك ولا نتكاذب؟! فأخبره مرقّش الخبر؛ فقال له: لا أرضى عنك ولا أكلّمك أبدا أو تدخلني عليها، وحلف على ذلك. فانطلق المرقّش إلى المكان الذي كان يواعد فيه بنت عجلان فأجلسه فيه وانصرف وأخبره كيف يصنع، وكانا متشابهين غير أن عمرو بن جناب كان أشعر، فأتته بنت عجلان فاحتملته وأدخلته إليها وصنع ما أمره به مرقش. فلما أراد مباشرتها وجدت شعر فخذيه فاستنكرته، وإذا هو يرعد؛ فدفعته بقدمها في صدره وقالت: قبّح اللّه سرّا عند المعيدي. ودعت بنت عجلان فذهبت به، وانطلق إلى موضع صاحبه. فلما رآه قد أسرع الكرّة ولم يلبث إلا قليلا، علم أنه قد افتضح، فعضّ على إصبعه فقطعها. ثم انطلق إلى أهله وترك المال الذي كان فيه - يعني الإبل التي كان مقيما فيها - حياء مما صنع. وقال مرقش في ذلك:
ألا يا اسلمى لا صرم لي اليوم فاطماولا أبدا ما دام وصلك دائما
رمتك ابنة البكريّ عن فرع ضالةوهنّ بنا خوص يخلن نعائما
تراءت لنا يوم الرحيل بواردوعذب الثنايا لم يكن متراكما
سقاه حباب المزن في متكللمن الشمس روّاه ربابا سواجما
أرتك بذات الضّال منها معاصماوخدّا أسيلا كالوذيلة ناعما
صحا قلبه عنها على أنّ ذكرةإذا خطرت دارت به الأرض قائما
تبصّر خليلي هل ترى من ظعائنخرجن سراعا واقتعدن المفائما
تحمّلن من جوّ الوريعة بعد ماتعالى النهار وانتجعن الصّرائما
تحلّين ياقوتا وشذرا وصيغةوجزعا ظفاريّا ودرّا توائما
سلكن القرى والجزع تحدى جمالهاوورّكن قوّا واجتزعن المخارما
ألا حبّذا وجه تريك بياضهومنسدلات كالمثاني فواحما
وإني لأستحيي فطيمة جائعاخميصا وأستحيي فطيمة طاعما
وإني لأستحييك والخرق بيننامخافة أن تلقى أخا لي صارما
وإني وإن كلّت قلوصي لراجمبها وبنفسي يا فطيم المراجما
ألا يا اسلمى بالكوكب الطّلق فاطماوإن لم يكن صرف النوى متلائما
ألا يا اسلمى ثم اعلمي أنّ حاجتيإليك فردّي من نوالك فاطما
أفاطم لو أنّ النساء ببلدةوأنت بأخرى لابتغيتك هائما
متى ما يشأ ذو الودّ يصرم خليلهويغضب عليه لا محالة ظالما
وآلى جناب حلفة فأطعتهفنفسك ولّ اللّوم إن كنت نادما
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمرهومن يغو لا يعدم على الغيّ لائما
ألم تر أنّ المرء يجذم كفّهويجشم من لوم الصديق المجاشما
أمن حلم أصبحت تنكت واجماوقد تعترى الأحلام من كان نائما
صوت من المائة المختارة
إذا قلت تسلو النفس أو تنتهي المنىأبى القلب إلّا حبّ أمّ حكيم
منعّمة صفراء حلو دلالهاأبيت بها بعد الهدوء أهيم
قطوف الخطا مخطوطة المتن زانهامع الحسن خلق في الجمال عميم
الشعر مختلف في قائله، فمن الرواة من يرويه لصالح بن عبد اللّه العبشميّ، ومنهم من يرويه لقطريّ بن الفجاءة المازنيّ، ومنهم من يرويه لعبيدة بن هلال اليشكريّ. والغناء لسياط، وله فيه لحنان: أحدهما، وهو المختار، ثقيل أوّل بالوسطى، والآخر خفيف ثقيل بالسّبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. ولبعض الشّراة قصيدة في هذا الوزن وعلى هذه القافية، وفيها ذكر لأمّ حكيم هذه أيضا، تنسب إلى هؤلاء الشعراء الثلاثة، ويختلف في قائلها كالاختلاف في قائل هذه. وفيها أيضا غناء وهو في هذه الأبيات منها:
لعمرك إنّي في الحياة لزاهدوفي العيش ما لم ألق أمّ حكيم
ولو شهدتني يوم دولاب أبصرتطعان فتى في الحرب غير ذميم
ذكر المبرّد أن الشعر لقطريّ بن الفجاءة، وذكر الهيثم بن عديّ أنه لعمرو القنا، وذكر وهب بن جرير أنه لحبيب بن سهم التّميميّ، وذكر أبو مخنف أنه لعبيدة بن هلال اليشكريّ، وذكر خالد بن خداش أنه لعمرو القنا أيضا. والغناء لمعبد ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق ويونس.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع