من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار النّميريّ ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن عبد اللّه بن نمير بن خرشة بن ربيعة بن حبيّب بن الحارث بن مالك بن حطيط بن جشم بن قسيّ؛ وقسيّ هو ثقيف. شاعر غزل، مولّد؛ ومنشؤه بالطائف، من شعراء الدولة الأموية، وكان يهوى زينب بنت يوسف بن الحكم أخت الحجاج بن يوسف، وله فيها أشعار كثيرة يتشبّب بها.
حدّثني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا أحمد بن الهيثم قال حدّثنا العمريّ عن لقيط بن بكر المحاربيّ، وأخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمّار وأحمد بن عبد العزيز الجوهريّ وحبيب بن نصر المهلّبيّ قالوا حدّثنا عمر بن شبّة: أن النميريّ كان يهوى زينب بنت يوسف أخت الحجّاج بن يوسف بن الحكم لأبيه وأمه. وأمهما الفارعة بنت همّام بن عروة بن مسعود الثّقفيّ؛ وكانت عند المغيرة بن شعبة؛ فرآها يوما بكرة وهي تتخلّل، فقال لها: واللّه لئن كان من غداء لقد جشعت، ولئن كان من عشاء لقد أنتنت، وطلقها. فقالت: أبعدك اللّه! فبئس بعل المرأة الحرة أنت! واللّه ما هو إلا من شظيّة من سواكي استمسكت بين سنّين من أسناني. قال حبيب بن نصر خاصّة في خبره: قال عمر بن شبّة حدّثنا بذلك أبو عاصم النّبيل.
أخبرني حبيب بن نصر قال حدّثنا عمر بن شبة عن يعقوب بن داود الثقفيّ، وحدّثنا به ابن عمّار والجوهريّ عن عمر بن شبّة - ولم يذكرا فيه يعقوب بن داود - قالوا جميعا: قال مسلم بن جندب الهذليّ - وكان قاضي الجماعة بالمدينة -: إني لمع محمد بن عبد اللّه بن نمير بنعمان وغلام يسير خلفه يشتمه أقبح الشتيمة؛ فقلت: من هذا؟ فقال: هذا الحجاج بن يوسف، دعه فإني ذكرت أخته في شعري، فأحفظه ذلك.
قال عمر بن شبة في خبره: وولدت الفارعة أمّ الحجّاج من المغيرة بن شعبة بنتا فماتت؛ فنازع الحجاج عروة بن المغيرة إلى ابن زياد في ميراثها؛ فأغلظ الحجاج لعروة، فأمر به ابن زياد فضرب أسواطا على رأسه وقال: لأبي عبد اللّه تقول هذه المقالة! وكان الحجاج حاقدا على آل زياد ينفيهم من آل أبي سفيان ويقول: آل أبي سفيان ستة حمش، وآل زياد رسح حدل.
وكان يوسف بن الحكم اعتلّ علّة فطالت عليه؛ فنذرت زينب إن عوفي أن تمشي إلى البيت، فعوفي فخرجت في نسوة فقطعن بطن وجّ، وهو ثلاثمائة ذراع، في يوم جعلته مرحلة لثقل بدنها، ولم تقطع ما بين مكة والطائف إلا في شهر. فبينا هي تسير إذ لقيها إبراهيم بن عبد اللّه النّميريّ أخو محمد بن عبد اللّه منصرفا من العمرة. فلما قدم الطائف أتى محمدا يسلّم عليه؛ فقال له: ألك علم بزينب؟ قال: نعم، لقيتها بالهماء في بطن نعمان؛ فقال: ما أحسبك إلا وقد قلت شيئا؛ قال: نعم، قلت بيتا واحدا وتناسيته كراهة أن ينشب بيننا وبين إخوتنا شرّ. فقال محمد هذه القصيدة وهي أول ما قاله:
صوت
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة عطرات
فأصبح ما بين الهماء فحزوةإلى الماء ماء الجزع ذي العشرات
له أرج من مجمر الهند ساطعتطلّع ريّاه من الكفرات
تهادين ما بين المحصّب من منىوأقبلن لا شعثا ولا غبرات
أعان الذي فوق السموات عرشهمواشي بالبطحاء مؤتجرات
مررن بفخّ ثم رحن عشيةيلبّين للرحمن معتمرات
يخبّئن أطراف البنان من التقىويقتلن بالألحاظ مقتدرات
تقسّمن لبّي يوم نعمان إننيرأيت فؤادي عارم النظرات
جلون وجوها لم تلحها سمائمحرور ولم يسفعن بالسّبرات
فقلت يعافير الظباء تناولتنياع غصون المرد مهتصرات
ولما رأت ركب النّميري راعهاوكنّ من ان يلقينه حذرات
فأدنين، حتى جاوز الركب، دونهاحجابا من القسّيّ والحبرات
فكدت اشتياقا نحوها وصبابةتقطّع نفسي إثرها حسرات
فراجعت نفسي والحفيظة بعد مابللت رداء العصب بالعبرات
- غنّى ابن سريج في الأوّل وبعده «مررن بفخ» وبعده «يخمرن أطراف البنان»، ولحنه ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق - قال أبو زيد: فبلغت هذه القصيدة عبد الملك بن مروان، فكتب إلى الحجّاج: قد بلغني قول الخبيث في زينب، فاله عنه وأعرض عن ذكره، فإنك إن أدنيته أو عاتبته أطمعته، وإن عاقبته صدّقته.
أخبرني حبيب بن نصر المهلّبي قال حدّثنا عمر بن شبّة قال حدّثنا أبو سلمة الغفاريّ قال: هرب النّميريّ من الحجّاج إلى عبد الملك واستجار به؛ فقال له عبد الملك: أنشدني ما قلت في زينب فأنشده. فلما انتهى إلى قوله:
ولما رأت ركب النميريّ أعرضتوكنّ من ان يلقينه حذرات
قال له عبد الملك: وما كان ركبك يا نميريّ؟ قال: أربعة أحمرة لي كنت أجلب قال له عبد الملك: وما كان ركبك يا نميريّ؟ قال: أربعة أحمرة لي كنت أجلب عليها القطران، وثلاثة أحمرة صحبتي تحمل البعر. فضحك عبد الملك حتى استغرب ضحكا، ثم قال: لقد عظّمت أمرك وأمر ركبك؛ وكتب له إلى الحجاج أن لا سبيل له عليه. فلما أتاه بالكتاب وضعه ولم يقرأه، ثم أقبل على يزيد بن أبي مسلم فقال له: أنا بريء من بيعة أمير المؤمنين، لئن لم ينشدني ما قال في زينب لآتينّ على نفسه، ولئن أنشدني لأعفونّ عنه، وهو إذا أنشدني آمن.
فقال له يزيد: ويلك! أنشده؛ فأنشده قوله:
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة خفرات
فقال: كذبت واللّه، ما كانت تتعطّر إذا خرجت من منزلها. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:
ولما رأت ركب النّميريّ راعهاوكنّ من أن يلقينه حذرات
قال له: حقّ لها أن ترتاع لأنها من نسوة خفرات صالحات. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:
مررن بفخّ رائحات عشيةيلّبين للرحمن معتمرات
فقال: صدقت، لقد كانت حجّاجة صوّامة ما علمتها. ثم أنشده حتى بلغ إلى قوله:
يفّرن أطراف البنان من التقىويخرجن جنح الليل معتجرات
فقال له: صدفت، هكذا كانت تفعل، وهكذا المرأة الحرة المسلمة. ثم قال له: ويحك! إني أرى ارتباعك ارتياع مريب، وقولك قول بريء، وقد أمّنتك، ولم يعرض له. قال أبو زيد: وقيل: إنه طالب عريفه به وأقسم لئن لم يجئه به ليضربنّ عنقه، فجاءه به بعد هرب طويل منه؛ فخاطبه بهذه المخاطبة:
قال أبو زيد: وقال النّميريّ في زينب أيضا:
صوت
طربت وشاقتك المنازل من جفنألا ربما يعتادك الشوق بالحزن
نظرت إلى أظعان زينب باللّوىفأعولتها لو كان إعوالها يغني
فو اللّه لا أنساك زينب ما دعتمطوّقة ورقاء شجوا على غصن
فإنّ احتمال الحيّ يوم تحمّلواعناك وهل يعنيك إلا الذي يعني
ومرسلة في السرّ أن قد فضحتنيوصرّحت باسمي في النّسيب فما تكنى
وأشمتّ بي أهلي وجلّ عشيرتيليهنئك ما تهواه إن كان ذا يهنى
وقد لا مني فيها ابن عمّي ناصحافقلت له خذلي فؤادي أو دعني
- غنّى ابن سريج في الأوّل والثاني والخامس والسادس من هذه الأبيات لحنا من الرمل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق - قال أبو زيد: فيقال: إنه بلغ زينب بنت يوسف قوله هذا فبكت؛ فقالت لها خادمتها؛ ما يبكيك؟ فقالت: أخشى أن يسمع بقوله هذا جاهل بي لا يعرفني ولا يعلم مذهبي فيراه حقّا.
قال: وقال النميريّ فيها أيضا:
أهاجتك الظعائن يوم بانوابذي الزّيّ الجميل من الأثاث
ظعائن أسلكت نقب المنقّىتحثّ إذا ونت أيّ احتثاث
تؤمّل أن تلاقي أهل بصرىفيا لك من لقاء مستراث
كأنّ على الحدائج يوم بانوانعاجا ترتعي بقل البراث
يهيّجني الحمام إذا تداعىكما سجع النوائح بالمرائي
كأن عيونهنّ من التبكّيفصوص الجزع أو ينع الكباث
ألاق أنت في الحجج البواقيكما لاقيت في الحجج الثلاث
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد بن إسحاق قال قرأت على أبي حدّثنا عثمان بن حفص وغيره: أنّ يوسف بن الحكم قام إلى عبد الملك بن مروان لمّا بعث بالحجّاج لحرب بن الزبير، وقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ غلاما منّا قال في ابنتي زينب ما لا يزال الرجل يقول مثله في بنت عمّه، وإن هذا (يعني ابنه الحجّاج) لم يزل يتتوّق إليه ويهمّ به، وأنت الآن تبعثه إلى ما هناك، وما آمنه عليه. فدعا بالحجّاج فقال له: إن محمدا النّميريّ جاري ولا سلطان لك عليه، فلا تعرض له.
قال إسحاق فحدّثني يعقوب بن داود الثّقفي قال: قال لي مسلم بن جندب الهذليّ: كنت مع النّميريّ وقد قتل الحجاج عبد اللّه بن الزبير وجلس يدعو الناس للبيعة، فتأخّر النميريّ حتى كان في آخرهم، فدعا به ثم قال له: إنّ مكانك لم يخف عليّ، ادن فبايع. ثم قال له: أنشدني ما قلت في زينب؛ قال: ما قلت إلا خيرا؛ قال: لتنشدنّي. فأنشده قوله:
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة عطرات
أعان الذي فوق السموات عرشهمواشي بالبطحاء مؤتجرات
يخمّرن أطراف الأكفّ من التّقىويخرجن جنح الليل معتجرات
فما ذكرت أيها الأمير إلا كرما وخيرا وطيبا. قال: فأنشد كلمتك كلّها فأنت آمن؛ فأنشده حتى بلغ إلى قوله:
ولمّا رأت ركب النّميريّ راعهاوكنّ من أن يلقينه حذرات
فقال له: وما كان ركبك؟ قال: واللّه ما كان إلا أربعة أحمرة تحمل القطران. فضحك الحجّاج وأمره بالانصراف ولم يعرض له.
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ عن الخليل بن أسد عن العمريّ عن عطاء عن عاصم بن الحدثان قال: كان ابن نمير الثّقفيّ يشبّب بزينب بنت يوسف بن الحكم؛ فكان الحجّاج يتهدّده ويقول: لو لا أن يقول قائل صدق لقطعت لسانه. فهرب إلى اليمن ثم ركب بحر عدن، وقال في هربه:
أتتني عن الحجّاج والبحر بينناعقارب تسري والعيون هواجع
فضقت بها ذرعا وأجهشت خيفةولم آمن الحجّاج والأمر فاظع
وحلّ بي الخطب الذي جاءني بهسميع فليست تستقرّ الأضالع
فبتّ أدير الأمر والرأي ليلتيوقد أخضلت خدّي الدموع التوابع
ولم أر خيرا لي من الصبر إنهأعفّ وخير إذ عرتني الفواجع
وما أمنت نفسي الذي خفت شرّهولا طاب لي مما خشيت المضاجع
إلى أن بدا لي رأس إسبيل طالعاوإسبيل حصن لم تنله الأصابع
فلي عن ثقيف إن هممت بنجوةمهامه تهوي بينهنّ الهجارع
وفي الأرض ذات العرض عنك ابن يوسفإذا شئت منأى لا أبا لك واسع
فإن نلتني حجّاج فاشتف جاهدافإنّ الذي لا يحفظ اللّه ضائع
فطلبه الحجّاج فلم يقدر عليه. وطال على النّميريّ مقامه هاربا واشتاق إلى وطنه، فجاء حتى وقف على رأس الحجّاج؛ فقال له: إيه يا نميريّ! أنت القائل:
فإن نلتني حجّاج فاشتف جاهدا
فقال: بل أنا الذي أقول:
أخاف من الحجّاج ما لست خائفامن الأسد العرباض لم يثنه ذعر
أخاف يديه أن تنالا مقاتليبأبيض عضب ليس من دونه ستر
وأنما الذي أقول:
فهأنذا طوّفت شرقا ومغرباوأبت وقد دوّخت كلّ مكان
فلو كانت العنقاء منك تطير بيلخلتك إلا أن تصدّ تراني
قال: فتبسّم الحجاج وأمّنه، وقال له: لا تعاود ما تعلم؛ وخلّى سبيله.
رجع الخبر إلى رواية حماد بن إسحاق.
قال حمّاد فحدّثني أبي قال ذكر المدائنيّ وغيره: أنّ الحجّاج عرض على زينب أن يزّوجها محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم بن أبي عقيل - وهو ابن سبع عشرة سنة، وهو يومئذ أشرف ثقفيّ في زمانه - أو الحكم ابن أيوب بن الحكم بن أبي عقيل، وهو شيخ كبير، فاختارت الحكم، فزوّجها إياه، فأخرجها إلى الشام. وكان محمد بن رياط كريّها، وهو يومئذ يكري. فلما ولي الحجاج العراق استعمل الحكم بن أيوب على البصرة، فكلمته زينب في محمد بن رياط فولّاه شرطته بالبصرة.
فكتب إليه الحجاج: إنك ولّيت أعرابيّا جافيا شرطتك، وقد أجزنا ذلك لكلام من سألك فيه. قال: ثم أنكر الحكم بعض تعجرفه فعزله. ثم استعمل الحجّاج الحكم بن سعد العذريّ على البصرة وعزل الحكم بن أيّوب عنها واستقدمه لبعض الأمر، ثم ردّه بعد ذلك إلى البصرة، وجهّزه من ماله. فلمّا قدم البصرة هيّأت له زينب طعاما وخرجت متنزّهة إلى بعض البساتين ومعها نسوة. فقيل لها: إنّ فيهن امرأة لم ير أحسن ساقا منها. فقالت لها زينب: أريني ساقك؛ فقالت: لا، إلا بخلوة؛ فقالت: ذاك لك، فكشفته لها، فأعطتها ثلاثين دينارا وقالت: اتّخذي منها خلخالا. قال: وكان الحجاج وجّه بزينب مع حرمه إلى الشام لمّا خرج ابن الأشعث خوفا عليهنّ. فلما قتل ابن الأشعث كتب إلى عبد الملك بن مروان بالفتح، وكتب مع الرسول كتابا إلى زينب يخبرها الخبر، فأعطاها الكتاب، وهي راكبة على بغلة في هودج، فنشرته تقرؤه، وسمعت البغلة قعقعة الكتاب فنفرت، وسقطت زينب عنها فاندقّ عضداها وتهرّأ جوفها فماتت. وعاد إليه الرسول، الذي نفذ بالفتح، بوفاة زينب. فقال النميريّ يرثيها: ماتت زينب فرثاها:
صوت
لزينب طيف تعتريني طوارقههدوءا إذا النجم ارجحنّت لواحقه
سيبكيك مرنان العشيّ يجيبهلطيف بنان الكفّ درم مرافقه
إذا ما بساط اللهو مدّ وألقيتللذّاته أنماطه ونمارقه
غنّاه معبد، ولحنه ثقيل أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وما بقي من شعره من الأغاني في نسيب النميريّ لم نذكر طريقته وصانعه لنذكر أخباره معه.
صوت
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشتبه زينب في نسوة خفرات
مررن بفخّ رائحات عشيةيلبيّن للرحمن معتمرات
الغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدّثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن المدائني عن عبد اللّه بن مسلم الفهريّ قال: خرج عبد اللّه بن جعفر متنزّها، فصادف ابن سريج وعزّة الميلاء متنزّهين، فأناخ ابن جعفر راحلته وقال لعزّة:
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت
فأمر براحلته فنحرت، وشقّ حلّته فألقى نصفها على عزّة والنصف الآخر على ابن سريج. فباع ابن سريج النصف الذي صار إليه بمائة وخمسين دينارا. وكانت عزّة إذا جلست في يوم زينة أو مباهاة ألقت النصف الآخر عليها تتجمّل به.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني عبد اللّه بن أبي سعد قال حدّثني الحسن بن عليّ بن منصور قال أخبرني أبو عتّاب عن إبراهيم بن محمد بن العباس المطّلبي: أن سعيد بن المسيّب مرّ في بعض أزقّة مكة، فسمع الأخضر الحربيّ يتغنّي في دار العاص بن وائل:
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة خفرات
فضرب برجله وقال: هذا واللّه مما يلذّ استماعه، ثم قال:
وليست كأخرى أوسعت جيب درعهاوأبدت بنان الكفّ للجمرات
وعلّت بنان المسك وحفا مرجّلاعلى مثل بدر لاح في الظلمات
وقامت تراءى يوم جمع فأفتنتبرؤيتها من راح من عرفات
قال: فكانوا يرون أن هذا الشعر لسعيد بن المسيّب.
أخبرني عمّي قال حدّثني الكرانيّ قال حدّثني عبد الرحمن بن عبد اللّه أخي الأصمعيّ عن عبد اللّه بن عمران الهرويّ، وأخبرني محمد بن يحيى الصّوليّ قال حدّثني المغيرة بن محمد المهلّبيّ قال حدّثني محمد بن عبد الوهاب عن عبد الرحمن بن عبد اللّه عن عبد اللّه بن عمران الهرويّ قال: لمّا تأيّمت عائشة بنت طلحة كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال لها عظيم بالطائف وقصر كان لها هناك فتتنزّه فيه، وتجلس بالعشيّات، فيتناضل بين يديها الرّماة. فمرّ بها النّميريّ الشاعر؛ فسألت عنه فنسب لها، فقالت: ائتوني به، فأتوها به. فقالت له: أنشدني مما قلت في زينب؛ فامتنع عليها وقل: تلك ابنة عمّي وقد صارت عظاما بالية. قالت: أقسمت عليك باللّه إلا فعلت؛ فأنشدها قوله:
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشت
الأبيات. فقالت: واللّه ما قلت إلا جميلا، ولا ذكرت إلا كرما وطيبا، ولا وصفت إلا دينا وتقى، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرّض لها؛ فقالت: عليّ به، فأحضر. فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب؛ فقال لها: أو أنشدك من شعر الحارث بن خالد فيك؟ فوثب مواليها إليه؛ فقالت: دعوه فإنه أراد أن يستقيد لبنت عمّه، هات مما قال الحارث فيّ؛ فأنشدها:
ظعن الأمير بأحسن الخلقوغدوا بلبّك مطلع الشّرق
فقالت: واللّه ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبّحت زوجا بوجهي غدا بكواكب الطّلق، وأني غدوت مع أمير تزوّجني إلى الشرق، وأني أحسن الخلق في البيت ذي الحسب الرفيع؛ أعطوه ألف درهم واكسوه حلّتين، ولا تعد لإتياننا بعد هذا يا نميريّ.
أخبرني إسماعيل بن يونس الشّيعي قال حدّثنا عمر بن شبّة عن إسحاق، وأخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه: أنّ الرشيد غضب على إبراهيم أبيه بالرقّة فحبسه مدّة، ثم اصطبح يوما، فبينا هو على حاله إذ تذكّره، فقال: لو كان الموصليّ حاضرا لا نتظم أمرنا وتمّ سرورنا. قالوا: يا أمير المؤمنين، فجيء به، فما له كبير ذنب. فبعث فجيء به. فلمّا دخل أطرق الرشيد فلم ينظر إليه، وأومأ إليه من حضر بأن يغنّي؛ فاندفع فغنّى:
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشتبه زينب في نسوة خفرات
فما تمالك الرشيد أن حرّك رأسه مرارا واهتزّ طربا، ثم نظر إليه وقال: أحسنت واللّه يا إبراهيم! حلّوا قيوده وغطّوه بالخلع، ففعل ذلك. فقال: يا سيّدي، رضاك أوّلا؛ قال: لو لم أرض ما فعلت هذا، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
ومما قاله النّميريّ في زينب وغنّى فيه:
صوت
تشتو بمكة نعمةومصيفها بالطائف
أحبب بتلك مواقفاوبزينب من واقف
وعزيزة لم يغدهابؤس وجفوة حائف
غرّاء يحكيها الغزال بمقلة وسوالف
الغناء ليحيى المكّي خفيف رمل عن الهشاميّ، وذكر عمر بن بانة أنه لابن سريج وأنه بالبنصر. وزعم الهشاميّ أنّ فيه لابن المكيّ أيضا لحنا من الثقيل الأوّل.
ومن الغناء في أشعاره في زينب:
صوت
ألا من لقلب معنّى غزليحبّ المحلّة أخت المحلّ
تراءت لنا يوم فرع الأراك بين العشاء وبين الأصل
كأنّ القرنفل والزّنجبيلوريح الخزامى وذوب العسل
يعلّ به برد أنيابهاإذا ما صفا الكوكب المعتدل
الغناء لمعبد ثقيل أوّل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر يونس أن لمالك فيه لحنا فيه:
كأن القرنفل والزّنجبيل
والبيت الذي بعده وبيتين آخرين وهما:
وقالت لجارتها هل رأيت إذ أعرض الركب فعل الرجل
وأنّ تبسّمه ضاحكاأجدّ اشتياقا لقلب غزل
وذكر حمّاد عن أبيه أن فيها للهذليّ لحنا، ولم يذكر طريقته.
المحلّ الذي عناه النميريّ هاهنا: الحجّاج بن يوسف؛ سمّي بذلك لإحلاله الكعبة، وكان أهل الحجاز يسمّونه بذلك. ويسمّى أهل الشأم عبد اللّه بن الزبير المحلّ لأنه أحلّ الكعبة، زعموا أنه بمقامه فيها، وكان أصحابه أحرقوها بنار استضاءوا بها.
فأخبرني الحسين بن يحيى المرداسيّ قال قال حمّاد بن إسحاق: قرأت على أبي: وبلغني أنّ إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبّاس تزوّج أسماء بنت يعقوب (امرأة من ولد عبد اللّه بن الزبير) فزفّت إليه من المدينة وهو بفارس، فمرّت بالأهواز على السيد الحميري؛ فسأل عنها فنسبت له؛ فقال فيها قوله:
مرّت تزفّ على بغلةوفوق رحالتها قبّه
زبيريّة من بنات الذيأحلّ الحرام من الكعبه
تزفّ إلى ملك ماجدفلا اجتمعا وبها الوجبه
وقد قيل بأن الأبيات اللامية التي أولها:
ألا من لقلب معنّى غزل
لخالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزّبير، وقيل: إنها لأبي شجرة السّلميّ.
حدّثني الحسين بن الطيّب البلخي الشاعر قال حدّثنا قتيبة بن سعيد قال حدّثنا أبو بكر بن شعيب بن الحبحاب المعوليّ قال: كنت عند ابن سيرين، فجاءه إنسان يسأله عن شيء من الشعر قبل صلاة العصر، فأنشده ابن سيرين:
كأنّ المدامة والزنجبيلوريح الخزامى وذوب العسل
يعلّ به برد أنيابهاإذا النجم وسط السماء اعتدل
وقال: اللّه أكبر، ودخل في الصلاة.
صوت من المائة المختارة
يا قلب ويحك لا يذهب بك الخرقإنّ الألى كنت تهواهم قد انطلقوا
- ويروى: يذهب بك الحرق -:
ما بالهم لم يبالوا إذ هجرتهموأنت من هجرهم قد كدت تحترق
الشعر لوضّاح اليمن. والغناء لصبّاح الخيّاط، ولحنه المختار ثقيل أوّل بالوسطى في مجراها. وفي أبيات من هذه القصيدة ألحان عدّة، فجماعة من المغنّين قد خلطوا معها غيرها من شعر الحارث بن خالد ومن شعر ابن هرمة؛ فأخّرت ذكرها إلى أن تنقضي أخبار وضّاح، ثم أذكرها بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع