من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار وضّاح اليمن ونسبه
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
وضّاح لقب غلب عليه لجماله وبهائه، واسمه عبد الرحمن بن إسماعيل بن عبد كلال بن داذ بن أبي جمد.
ثم يختلف في تحقيق نسبه، فيقول قوم: إنه من أولاد الفرس الذين قدموا اليمن مع وهرز لنصرة سيف بن ذي يزن على الحبشة. ويزعم آخرون أنه من آل خولان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن أيمن بن الهميسع بن العرنجج وهو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب وهو المرعف بن قحطان. فممن ذكر أنه من حمير خالد بن كلثوم، قال كان وضّاح اليمن من أجمل العرب وكان أبوه إسماعيل بن داذ ابن أبي جمد من آل خولان بن عمرو بن معاوية الحميريّ. فمات أبوه وهو طفل، فانتقلت أمه إلى أهلها، وانقضت عدّتها فتزوجت رجلا من أهلها من أولاد الفرس. وشبّ وضّاح في حجر زوج أمّه. فجاء عمّه وجدّته أمّ أبيه، ومعهم جماعة من أهل بيته من حمير ثم من آل ذي قيفان ثم من آل ذي جدن يطلبونه، فادّعى زوج أمه أنه ولده. فحاكموه فيه وأقاموا البيّنة أنه ولد على فراش إسماعيل بن عبد كلال أبيه، فحكم به الحاكم لهم، وقد كان اجتمع الحميريّون والأبناء في أمره وحضر معهم. فلما حكم به الحاكم للحميريين، مسح يده على رأسه وأعجبه جماله وقال له: اذهب فأنت وضّاح اليمن، لا من أتباع ذي يزن (يعني الفرس الذين قدم بهم ابن ذي يزن لنصرته) فعلقت به هذه الكلمة منذ يومئذ، فلقّب وضّاح اليمن. قال خالد: وكانت أمّ داذ ابن أبي جمد جدّة وضاح كنديّة؛ فذلك حيث يقول في بنات عمه:
إن قلبي معلّق بنساءواضحات الخدود لسن بهجن
من بنات الكريم داذ وفي كندة ينسبن من أباة اللّعن
وقال أيضا يفتخر بجدّه أبي جمد:
بنى لي إسماعيل مجدا مؤثّلاوعبد كلال بعده وأبو جمد
أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدّثني عمّي عن العبّاس بن هشام عن أبيه قال: كان وضّاح اليمن والمقنّع الكنديّ وأبو زبيد الطائي يردون مواسم العرب مقنّعين يسترون وجوههم خوفا من العين وحذرا على أنفسهم من النساء لجمالهم. قال خالد بن كلثوم: فحدّثت بهذا الحديث مرّة وأبو عبيدة معمر بن المثنّى حاضر ذلك، وكان يزعم أن وضّاحا من الأبناء؛ فقال أبو عبيدة: داذ اسم فارسي. فقلت له: عبد كلال اسم يمان، وأبو جمد كنية يمانية، والعجم لا تكتنى، وفي اليمن جماعة قد تسمّوا بأبرهة، وهو اسم حبشيّ، فينبغي أن تنسبهم إلى الحبشة. وأيّ شيء يكون إذا سمّي عربيّ باسم فارسيّ! وليس كلّ من كنى أبا بكر هو الصدّيق، ولا من سمّي عمرا هو الفاروق، وإنما الأسماء علامات ودلالات لا توجب نسبا ولا تدفعه. قال: فوجم أبو عبيدة وأفحم فما أجاب.
وممن زعم أنه من أبناء الفرس ابن الكلبيّ ومحمد بن زياد الكلابيّ.
وقال خالد بن كلثوم: إنّ أمّ إسماعيل أبي الوضّاح بنت ذي جدن، وأم أبيه بنت فرعان ذي الدّروع الكنديّ من بني الحارث بن عمرو.
وكان وضّاح يهوى امرأة من أهل اليمن يقال لها روضة.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: ذكر هشام بن الكلبيّ أنها روضة بنت عمرو، من ولد فرعان ذي الدروع الكنديّ.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدّثني محمد بن سعيد الكراني قال حدّثنا العمريّ عن الهيثم بن عديّ عن عبد اللّه بن عيّاش: أنّ وضّاحا هوي امرأة من بنات الفرس يقال لها روضة؛ فذهبت به كل مذهب. وخطبها فامتنع قومها من تزويجه إياها؛ وعاتبه أهله وعشيرته. فقال في ذلك:
صوت
يأيها القلب بعض ما تجدقد يعشق المرء ثم يتئّد
قد يكتم المرء حبّه حقباوهو عميد وقلبه كمد
ماذا تريدين من فتى غزلقد شفّه السّقم فيك والسّهد
يهدّدوني كيما أخافهمهيهات أنّى يهدّد الأسد
الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيها لحن لابن عبّاد، من كتاب إبراهيم، غير مجنّس:
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثني سالم بن زيد قال أخبرني التّوّزيّ قال حدّثنا الأصمعي عن الخليل بن أحمد قال: كان وضّاح يهوى امرأة من كندة يقال لها روضة. فلما اشتهر أمره معها خطبها فلم يزوّجها، وزوّجت غيره، فمكثت مدة طويلة. ثم أتاه رجل من بلدها فأسرّ إليه شيئا فبكى. فقال له أصحابه: مالك تبكي؟ وما خبرك؟
فقال: أخبرني هذا أنّ روضة قد جذمت، وأنه رآها قد ألقيت مع المجذومين. ولم نجد لهما خبرا يرويه أهل العلم إلا لمعا يسيرة وأشياء تدلّ على ذلك من شعره، فأمّا خبر متصل فلم أجده إلا في كتاب مصنوع غثّ الحديث والشعر لا يذكر مثله. وأصابها الجذام بعد ذلك، فانقطع ما بينهما. ثم شبّب بأم البنين بنت عبد العزيز بن مروان زوجة الوليد بن عبد الملك، فقتله الوليد لذلك. وأخبارهما تذكر في موضعها بعقب هذه الحكاية.
أخبرني الحسن بن عليّ الخفّاف قال حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدّثنا مصعب بن عبد اللّه قال: كان وضّاح اليمن يهوى امرأة يقال لها روضة ويشبّب بها في شعره، وهي امرأة من أهل اليمن. وفيها يقول:
صوت
يا روضة الوضّاح قدعنّيت وضّاح اليمن
فاسقي خليلك من شراب لم يكدّره الدّرن
الريح ريح سفرجلوالطعم طعم سلاف دنّ
إني تهيّجني إليك حمامتان على فنن
قال مصعب: فحدّثني بعض أهل العلم ممن كان يعرف خبر وضاح مع روضة من أهل اليمن: أنّ وضّاحا كان في سفر مع أصحابه. فبينا هو يسير إذ استوقفهم وعدل عنهم ساعة، ثم عاد إليهم وهو يبكي. فسألوه عن حاله؛ فقال: عدلت إلى روضة، وكانت قد جذمت فجعلت مع المجدومين، وأخرجت من بلدها، فأصلحت من شأنها وأعطيتها صدرا من نفقتي. وجعل يبكي غمّا بها.
الغناء في الأبيات المذكورة في هذا الخبر ينسب مع تمام الأبيات؛ فإن في جميعها غناء.
ومما قاله وضّاح في روضة المذكورة وفيه غناء، وأنشدنا حرميّ عن الزّبير عن عمه:
صوت
أيا روضة الوضّاح يا خير روضةلأهلك لو جادوا علينا بمنزل
رهينك وضّاح ذهبت بعقلهفإن شئت فآحييه وإن شئت فاقتلي
وتوقد حينا باليلنجوج نارهاوتوقد أحيانا بمسك ومندل
والأبيات الأول النونية فيها زيادة على ما رواه مصعب، وفي سائرها غناء: وتمامها بعد قوله:
«إني تهيّجني إليك حمامتان على فنن»
الزوج يدعو إلفهفتطاعما حبّ السكن
لا خير في نث الحديث ولا الجليس إذا فطن
فاعصي الوشاة فإنماقول الوشاة هو الغبن
إنّ الوشاة إذا أتوك تنصّحوا ونهوك عنّ
دسّت حبيبة موهناإني وعيشك يا سكن
أبلغت عنك تبدّلاوأتى بذلك مؤتمن
وظننت أنك قد فعلت فكدت من حزن أجنّ
ذرفت دموعي ثم قلت بمن يبادلني بمن
اسكت فلست مصدّقاما كان يفعل ذا أظن
إني وجدّك لو رأيت خليلنا ذاك الحسن
يجفوه ثم يحبناواللّه متّ من الحزن
أخبره إمّا جئتهأنّ الفؤاد به يجنّ
أبغضت فيه أحبّتيوقليت أهلي والوطن
أتركتني حتى إذاعلّقت أبيض كالشّطن
أنشأت تطلب وصلنافي الصيف ضيّعت اللبن
- هكذا قال، وغيره يرويه: «في الصيف ضيحت اللبن» أي مذقته. قال -:
لو قيل يا وضّاح قمفاختر لنفسك أو تمنّ
لم أعد روضة والذيساق الحجيج له البدن
الغناء في الأوّل من القصيدة وهو «يا روضة الوضّاح» ينسب إن شاء اللّه. وله في روضة هذه أشعار كثيرة في أكثرها صنعة، وبعضها لم يقع إليّ أنه صنع فيه. فمن قوله فيها:
صوت
يا روض جيرانكم الباكرفالقلب لا لاه ولا صابر
قالت ألا لا تلجن دارناإنّ أبانا رجل غائر
قلت فإني طالب غرّةمنه وسيفي صارم باتر
قالت فإن القصر من دونناقلت فإني فوقه ظاهر
قالت فإن البحر من دونناقلت فإني سابح ماهر
قالت فحولي إخوة سبعةقلت فإني غالب قاهر
قالت فليث رابض بينناقلت فإني أسد عاقر
قالت فإن اللّه من فوقناقلت فربيّ راحم غافر
قالت لقد أعييتنا حجّةفأت إذا ما هجع السامر
فاسقط علينا كسقوط النّدىليلة لا ناه ولا زاجر
الغناء في هذه الأبيات هزج يمنيّ، وذكر يحيى المكي أنه له.
وقال في روضة وهو بالشام:
أبت بالشام نفسي أن تطيباتذكّرت المنازل والحبيبا
تذكّرت المنازل من شعوبوحيّا أصبحوا قطعوا شعوبا
سبوا فلبي فحلّ بحيث حلّواويعظم إن دعوا ألّا يجيبا
ألا ليت الرياح لنا رسولإليكم إن شمالا أو جنوبا
فتأتيكم بما قلنا سريعاويبلغنا الذي قلتم قريبا
ألا يا روض قد عذّبت قلبيفأصبح من تذكّركم كئيبا
ورقّقني هواك وكنت جلداوأبدى في مفارقي المشيبا
أما ينسيك روضة شحط دارولا قرب إذا كانت قريبا
ومما قال فيها أيضا:
طرب الفؤاد لطيف روضة غاشيوالقوم بين أباطح وعشاش
أنّى اهتديت ودون أرضك سبسبقفر وحزن في دجى ورشاش
قالت تكاليف المحبّ كلفتهاإنّ المحبّ إذا أخيف لماشي
أدعوك روضة رحب واسمك غيرهشفقا وأخشى أن يشي بك واشي
قالت فزرنا قلت كيف أزوركموأنا امرؤ لخروج سرّك خاشي
قالت فكن لعمومتي سلما معاوالطف لإخوتي الذين تماشي
فتزورنا معهم زيارة آمنوالسرّيا وضّاح ليس بفاشي
ولقيتها تمشي بأبطح مرّةبخلاخل وبحلّة أكباش
فظللت معمودا وبتّ مسهّداودموع عيني في الرداء غواشي
يا روض حبّك سلّ جسمي وانتحىفي العظم حتى قد بلغت مشاشي
ومما قال فيها أيضا:
طرق الخيال فمرحبا سهلابخيال من أهدى لنا الوصلا
وسرى إليّ ودون منزلهخمس دوائم تعمل الإبلا
يا حبّذا من زار معتسفاحزن البلاد إليّ والسّهلا
حتى ألمّ بنا فبتّ بهأغنى الخلائق كلّهم شملا
يا حبذا هي حسبك قدك فيواللّه ما أبقيت لي عقلا
واللّه مالي عنك منصرفإلا إليك فأجملي الفعلا
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدّثنا القاسم بن الحسن المروزيّ قال حدّثنا العمريّ عن لقيط والهيثم بن عديّ: أنّ أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان استأذنت الوليد بن عبد الملك في الحج فأذن لها، وهو يومئذ خليفة وهي زوجته. فقدمت مكة ومعها من الجواري ما لم ير مثله حسنا. وكتب الوليد يتوعّد الشعراء جميعا إن ذكرها أحد منهم أو ذكر أحدا ممن تبعها. وقدمت، فتراءت للناس، وتصدّى لها أهل الغزل والشعر، ووقعت عينها على وضّاح اليمن فهويته.
فحدّثنا الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال حدّثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزّهري عن محمد بن جعفر مولى أبي هريرة عن أبيه عن بديح قال: قدمت أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان وهي عند الوليد بن عبد الملك حاجّة، والوليد يومئذ خليفة. فبعثت إلى كثيّر وإلى وضّاح اليمن أن انسبابي. فأمّا وضّاح اليمن فإنه ذكرها وصرّح بالنّسيب بها؛ فوجد الوليد عليه السبيل فقتله. وأمّا كثيّر فعدل عن ذكرها ونسب بجاريتها غاضرة فقال:
صوت
شجا أظعان غاضرة الغواديبغير مشورة عرضا فؤادي
أغاضر لو شهدت غداة بنتمحنوّ العائدات على وسادي
أويت لعاشق لم تشكميهبواقدة تلذّع كالزناد
الغناء في هذه الأبيات لابن محرز ثقيل أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وحبش. قال بديح: فكنت لمّا حجّت أم البنين لا تشاء أن ترى وجها حسنا إلا رايته معها. فقلت لعبيد اللّه بن قيس الرّقيات: بمن تشبّب من هذا القطين؟ فقال لي:
وما تصنع بالسرّإذا لم تك مجنونا
إذا عالجت ثقل الحبّ عالجت الأمرّينا
وقد بحت بأمركان في قلبي مكنونا
وقد هجت بما حاولت أمرا كان مدفونا
قال: ثم خلابي فقال لي: اكتم عليّ، فإنك موضع للأمانة؛ وأنشدني:
صوت
أصحوت عن أمّ البنين وذكرها وعنائها
وهجرتها هجر امرىءلم يقل صفو صفائها
قرشيّة كالشمس أشرق نورها ببهائها
زادت على البيض الحسان بحسنها ونقائها
لمّا اسبكّرت للشباب وقنّعت بردائها
لم تلتفت للداتهاومضت على غلوائها
لو لا هوى أمّ البنين وحاجتي للقائها
قد قرّبت لي بغلةمحبوسة لنجائها
قال بديح: فلمّا قتل الوليد وضّاح اليمن، حجّت بعد ذلك أم البنين محتجبة لا تكلّم أحدا؛ وشخصت كذلك، فلقيني ابن قيس الرقيّات، فقال: يا بديح
صوت
بان الحبيب الذي به تثقواشتدّ دون الحبيبة القلق
يا من لصفراء في مفاصلهالين وفي بعض بطشها خرق
وهي قصيدة قد ذكرت مع أخبار ابن قيس الرقيّات.
الغناء في الأبيات الأول التي أولها:
أصحوت عن أمّ البنين
ينسب في موضع آخر إن شاء اللّه.
أخبرني الحرميّ قال حدثنا الزّبير قال حدّثني عمر بن أبي بكر المؤمّلي عن عبد اللّه بن أبي عبيدة قال حدثني كثيّر قال: حججت مع أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وهي زوجة الوليد بن عبد الملك، فأرسلت إليّ وإلى وضّاح اليمن أن انسبابي؛ فهبت ذلك ونسبت بجاريتها غاضرة، فقلت:
شجا أظعان غاضرة الغواديبغير مشورة عرضا فؤادي
أغاضر لو شهدت غداة بنتمحنوّ العائدات على وسادي
أويت لعاشق لم تشكميهبواقدة تلذّع كالزناد
وأمّا وضّاح فنسب بها، فبلغ ذلك الوليد فطلبه فقتله.
أخبرني عمّي قال حدّثني محمد بن سعد الكرانيّ قال حدثني أبو عمر العمريّ عن العتبيّ قال: مدح وضّاح اليمن الوليد بن عبد الملك، وهو يومئذ خليفة، ووعدته أمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان أن ترفده عنده وتقوّي أمره. فقدم عليه وضّاح وأنشده قوله فيه:
صوت
صبا قلبي ومال إليك ميلاوأرّقني خيالك يا أثيلا
يمانية تلمّ بنا فتبديدقيق محاسن وتكنّ غيلا
دعينا ما أممت بنات نعشمن الطّيف الذي ينتاب ليلا
ولكن إن أردت فصبّحيناإذا أمّت ركائبنا سهيلا
فإنك لو رأيت الخيل تعدوسراعا يتخذن النّقع ذيلا
إذا لرأيت فوق الخيل أسداتفيد مغانما وتفيت نيلا
إذا سار الوليد بنا وسرناإلى خيل نلفّ بهنّ خيلا
وندخل بالسرور ديار قومونعقب آخرين أذى وويلا
فأحسن الوليد رفده وأجزل صلته. ومدحه بعدّة قصائد. ثم نمي إليه أنه شبّب بأم البنين، فجفاه وأمر بأن يحجب عنه، ودبر في قتله.
ومدحه وضّاح بقوله أيضا:
ما بال عينك لا تنام كأنماطلب الطبيب بها قذى فأضلّه
بل ما لقلبك لا يزال كأنهنشوان أنهله النديم وعلّه
ما كنت أحسب أن أبيت ببلدةوأخي بأخرى لا أحلّ محلّه
كنّا لعمرك ناعمين بغبظةمع ما نحبّ مبيته ومظلّه
فأرى الذي كنّا وكان بغرّةنلهو بغرّته ونهوى دلّه
كالطيف وافق ذا هوى فلها بهحتى إذا ذهب الرقاد أضلّه
قل للذي شعف البلاء فؤادهلا تهلكنّ أخا فربّ أخ له
والق ابن مروان الذي قد هزّهعرق المكارم والنّدى فأقلّه
واشك الذي لاقيته من دونهوانشر إليه داء قلبك كلّه
فعلى ابن مروان السلام من امرىءأمسى يذوق من الرّقاد أقلّه
شوقا إليك فما تنالك حالهوإذا يحلّ الباب لم يؤذن له
فإليك أعملت المطايا ضمّراوقطعت أرواح الشتاء وظلّه
ولياليا لو أنّ حاضر بثّهاطرف القضيب أصابه لأشلّه
فلم يزل مجفوّا حتى وجد الوليد له غرّة، فبعث إليه من اختلسه ليلا فجاءه به، فقتله ودفنه في داره، فلم يوقف له على خبر.
وقال خالد بن كلثوم في خبره: كان وضّاح قد شبّب بأمّ البنين بنت عبد العزيز بن مروان امرأة الوليد بن عبد الملك، وهي أم ابنه عبد العزيز بن الوليد، والشرف فيهم. فبلغ الوليد تشبّبه بها، فأمر بطلبه فأتي به، فأمر بقتله. فقال له ابنه عبد العزيز: لا تفعل يا أمير المؤمنين فتحقّق قوله، ولكن افعل به كما فعل معاوية بأبي دهبل؛ فإنه لمّا شبّب بابنته شكاه يزيد وسأله أن يقتله؛ فقال: إذا تحقّق قوله، ولكن تبرّه وتحسن إليه فيستحي ويكفّ ويكذّب نفسه. فلم يقبل منه، وجعله في صندوق ودفنه حيّا. فوقع بين رجل من زنادقة الشّعوبيّة وبين رجل من ولد الوليد فخار خرجا فيه إلى أن أغلظا المسابّة، وذلك في دولة بني العبّاس؛ فوضع الشّعوبيّ عليهم كتابا زعم فيه أن أمّ البنين عشقت وضّاحا، فكانت تدخله صندوقا عندها. فوقف على ذلك خادم الوليد فأنهاه إليه وأراه الصندوق، فأخذه فدفنه.
هكذا ذكر خالد بن كلثوم والزّبير بن بكّار جميعا.
وأخبرني عليّ بن سليمان الأخفش في كتاب المغتالين قال حدّثنا أبو سعيد السّكّريّ قال حدّثنا محمد بن حبيب عن ابن الكلبيّ قال: عشقت أمّ البنين وضّاحا، فكانت ترسل إليه فيدخل إليها ويقيم عندها؛ فإذا خافت وارته في صندوق عندها وأقفلت عليه. فأهدي للوليد جوهر له قيمة فأعجبه واستحسنه، فدعا خادما له فبعث به معه إلى أم البنين وقال: قل لها: إن هذا الجوهر أعجبني فآثرتك به. فدخل الخادم عليها مفاجأة ووضّاح عندها، فأدخلته الصندوق وهو يرى، فأدّى إليها رسالة الوليد ودفع إليها الجوهر، ثم قال: يا مولاتي، هبيني منه حجرا؛ فقالت: لا، بابن اللّخناء ولا كرامة. فرجع إلى الوليد فأخبره؛ فقال: كذبت يابن اللخناء، وأمر به فوجئت عنقه. ثم لبس نعليه ودخل على أمّ البنين وهي جالسة في ذلك البيت تمتشط، وقد وصف له الخادم الصندوق الذي أدخلته فيه، فجلس عليه ثم قال لها: يا أمّ البنين، ما أحبّ إليك هذا البيت من بين بيوتك! فلم تختارينه؟ فقالت: أجلس فيه وأختاره لأنه يجمع حوائجي كلّها فأتناولها منه كما أريد من قرب. فقال لها: هبي لي صندوقا من هذه الصناديق؛ قالت: كلّها لك يا أمير المؤمنين؛ قال: ما أريدها كلّها وإنما أريد واحدا منها؛ فقالت له: خذ أيّها شئت؛ قال: هذا الذي جلست عليه؛ قالت: خذ غيره فإن لي فيه أشياء أحتاج إليها؛ قال: ما أريد غيره؛ قالت: خذه يا أمير المؤمنين. فدعا بالخدم وأمرهم بحمله، فحمله حتى انتهى به إلى مجلسه فوضعه فيه. ثم دعا عبيدا له فأمرهم فحفروا بئرا في المجلس عميقة، فنحّى البساط وحفرت إلى الماء. ثم دعا بالصندوق فقال: يا هذا إنه بلغنا شيء إن كان حقّا فقد كفّنّاك ودفنّاك ودفنّا ذكرك وقطعنا أثرك إلى آخر الدهر، وإن كان باطلا فإنا دفنّا الخشب، وما أهون ذلك! ثم قذف به في البئر وهيل عليه التراب وسوّيت الأرض وردّ البساط إلى حاله وجلس الوليد عليه. ثم ما رئي بعد ذلك اليوم لوضّاح أثر في الدنيا إلى هذا اليوم. قال: وما رأت أمّ البنين لذلك أثرا في وجه الوليد حتى فرّق الموت بينهما.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثني مصعب بن عبد اللّه قال: رضت أم البنين ووضّاح مقيم بدمشق، وكان نازلا عليها؛ فقال في علّتها:
صوت
حتّام نكتم حزننا حتّاماوعلام نستبقي الدموع علاما
إن الذي بي قد تفاقم واعتلىونما وزاد وأورث الأسقاما
قد أصبحت أمّ البنين مريضةنخشى ونشفق أن يكون حماما
يا ربّ أمتعني بطول بقائهاواجبر بها الأرمال والأيتاما
واجبر بها الرجل الغريب بأرضهاقد فارق الأخوال والأعماما
كم راغبين وراهبين وبؤّسعصموا بقرب جنابها إعصاما
بجناب ظاهرة الثّنا محمودةلا يستطاع كلامها إعظاما
الغناء في الأول والثاني والثالث والرابع والخامس لحكم الواديّ خفيف رمل بالوسطى، عن الهشامي وعبد اللّه بن موسى. وممّا وجد في روايتي هارون بن الزيّات وابن المكيّ في الرابع ثم الخامس ثم الأوّل والثاني لعمر الوادي خفيف رمل، من رواية الهشامي.
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا أحمد بن زهير قال حدّثنا مصعب قال: بلغ الوليد بن عبد الملك تشبّب وضّاح بأمّ البنين فهمّ بقتله. فسأله عبد العزيز ابنه فيه، وقال له: إن قتلته فضحتني وحقّقت قوله، وتوهّم الناس أن بينه وبين أمّي ريبة. فأمسك عنه على غيظ وحنق، حتى بلغ الوليد أنه قد تعدّى أمّ البنين إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك، وكانت زوجة عمر بن عبد العزيز رضي اللّه تعالى عنه، وقال فيها:
بنت الخليفة والخليفة جدّهاأخت الخليفة والخليفة بعلها
فرحت قوابلها بها وتباشرتوكذاك كانوا في المسرّة أهلها
فأحنق واشتدّ غيظه وقال: أما لهذا الكلب مزدجر عن ذكر نسائنا وأخواتنا، ولا له عنّا مذهب! ثم دعا به فأحضر، وأمر ببئر فحفرت ودفنه فيها حيّا.
أخبرني الحرميّ بن أبي العلاء قال حدّثنا الزّبير بن بكّار قال أخبرني عبد الملك بن عبد العزيز عن يوسف بن الماجشون قال: أنشدت محمد بن المنكدر قول وضّاح:
فما نوّلت حتى تضرّعت عندهاوأعلمتها ما رخّص اللّه في اللّمم
قال: فضحك وقال: إن كان وضّاح لا مفتيا لنفسه. وتمام هذه الأبيات:
ترجّل وضّاح وأسبل بعدماتكهّل حينا في الكهول وما احتلم
وعلّق بيضاء العوارض طفلةمخضّبة الأطراف طيّبة النّسم
إذا قلت يوما نوّليني تبسّمتوقالت معاذ اللّه من فعل ما حرم
فما نوّلت حتى تضرّعت عندهاوأعلمتها ما رخّص اللّه في اللّمم
أخبرني عمي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثنا العمريّ عن العتبي في خبره الأوّل المذكور من أخبار وضّاح مع أمّ البنين قال: كان وضّاح مقيما عند أم البنين، فورد عليه نعي أخيه وأبيه؛ فقال يرثيهما:
أراعك طائر بعد الخفوقبفاجعة مشنّعة الطّروق
نعم ولها على رجل عميدأظلّ كأنني بشرق بريقي
كأني إذ علمت بها هدوّاهوت بي عاصف من رأس نيق
أعلّ بزفرة من بعد أخرىلها في القلب حرّ كالحريق
وتردف عبرة تهتان أخرىكفائض غرب نضّاح فتيق
كأني إذ أكفكف دمع عينيوأنهاها أقول لها هريقي
ألا تلك الحوادث غبت عنهابأرض الشام كالفرد الغريق
فما أنفكّ أنظر في كتابتداري النفس عنه هوى زهوق
يخبّر عن وفاة أخ كريمبعيد الغور نفّاع طليق
وقرم يعرض الخصمان عنهكما حاد البكار عن الفنيق
كريم يملا الشّيزى ويقريإذا ما قلّ إيماض البروق
وأعظم ما رميت به فجوعاكتاب جاء من فجّ عميق
يخبّر عن وفاة أخ فصبراتنجّز وعد منّان صدوق
سأصبر للقضاء فكل حيّسيلقى سكرة الموت المذوق
فما الدنيا بقائمة وفيهامن الأحياء ذو عين رموق
وللأحياء أيّام تقضّىيلفّ ختامها سوقا بسوق
فأغناهم كأعدمهم إذا ماتقضّت مدّة العيش الرقيق
كذلك يبعثون وهم فرادىليوم فيه توفية الحقوق
أبعد همام قومك ذي الأياديأبى الوضّاح رتّاق الفتوق
وبعد عبيدة المحمود فيهموبعد سماعة العود العتيق
وبعد ابن المفضّل وابن كافهما أخواك في الزمن الأنيق
تؤمّل أن تعيش قرير عينوأين أمام طلّاب لحوق
ودنياك التي أمسيت فيهامزايلة الشقيق عن الشقيق
ومما قاله في مرثية أهله وذكر الموت وغنّى فيه - وإنما نذكر منها ما فيه غناء لأنها طويلة -:
صوت
مالك وضّاح دائم الغزلألست تخشى تقارب الأجل
صلّ لذي العرش واتّخذ قدماتنجيك يوم العثار والزلّل
يا موت ما إن تزال معترضالا مل دون منتهى الأمل
لو كان من فرّ منك منفلتاإذا لأسرعت رحلة الجمل
لكنّ كفّيك نال طولهماما كلّ عنه نجائب الإبل
تنال كفّاك كلّ مسهلةوحوت بحر ومعقل الوعل
لو لا حذاري من الحتوف فقدأصبحت من خوفها على وجل
لكنت للقلب في الهوى تبعاإنّ هواه ربائب الحجل
حرميّة تسكن الحجاز لهاشيخ غيور يعتلّ بالعلل
علّق قلبي ربيب بيت ملوك ذات قرطين وعثة الكفل
تفترّ عن منطق تضنّ بهيجري رضابا كذائب العسل
أخبرني الحسن بن عليّ قال حدّثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني سليمان بن أبي أيّوب عن مصعب قال: قال وضّاح اليمن في حبابة جارية يزيد بن عبد الملك، وشاهدها بالحجاز قبل أن يشتريها يزيد وتصير إليه، وسمع غناءها فأعجب بها إعجابا شديدا:
صوت
يا من لقلب لا يطيع الزاجرين ولا يفيق
تسلو قلوب ذوي الهوىوهو المكلّف والمشوق
تبلت حبابة قلبهبالدّلّ والشكل الأنيق
وبعين أحور يرتعيسقط الكثيب من العقيق
مكحولة بالسحر تنشي نشوة الخمر العتيق
هيفاء إن هي أقبلتلاحت كطالعة الشروق
والردف مثل نقاتلبّد فهو زحلوق زلوق
في درّة الأصداف معتنقا بها ردع الخلوق
داوي هواي وأطفئيما في الفؤاد من الحريق
وترفّقي أملي فقدكلّفتني ما لا أطيق
في القلب منك جوى المحبّ وراحة الصبّ الشفيق
هذا يقود برمّتيقودا إليك وذا يسوق
يا نفس قد كلّفتنيتعب الهوى منها فذوق
إن كنت تائقة لحرّ صبابة منها فتوق
ومما قاله في روضة وفيه عناء قوله:
صوت
يا لقومي لكثرة العذّالولطيف سرى مليح الدّلال
زائر في قصور صنعاء يسريكلّ أرض مخوفة وجبال
- والغناء لابن عبّاد عن الهشاميّ رمل - وهذه الأبيات من قصيدة له في روضة طويلة جيّدة يقول فيها:
يقطع الحزن والمهامه والبيد ومن دونه ثمان ليالي
عاتب في المنام أحبب بعتباه إلينا وقوله من مقال
قلت أهلا ومرحبا عدد القطر وسهلا بطيف هذا الخيال
حبّذا من إذا خلونا نجيّاقال: أهلي لك الفداء ومالي
وهي الهمّ والمنى وهوى النفس إذا اعتلّ ذو هوى باعتلال
قست ما كان قبلنا من هوى الناس فما قست حبّها بمثال
لم أجد حبّها يشاكله الحبّ ولا وجدنا كوجد الرجال
كل حبّ إذا استطال سيبلىوهو روضة المنى غير بالي
لم يزده تقادم العهد إلّاجدّة عندنا وحسن احتلال
أيها العاذلون كيف عتابيبعد ما شاب مفرقي وقذالي
كيف عذلي على التي هي منّيبمكان اليمين أخت الشّمال
والذي أحرموا له وأحلّوابمنّى صبح عاشرات الليالي
ما ملكت الهوى ولا النفس منّيمنذ علّقتها فكيف احتيالي
إن نأت كان نأيها الموت صرفاأو دنت لي فثمّ يبدو خبالي
يابنة المالكيّ يا بهجة النفس أفي حبّكم يحلّ اقتتالي
أيّ ذنب عليّ إن قلت إنيلأحبّ الحجاز حبّ الزّلال
لأحبّ الحجاز من حبّ من فيه وأهوى حلاله من حلال
صوت
ومما فيه غناء من شعر وضاح:
أيها النّاعب ماذا تقولفكلانا سائل ومسول
لا كساك اللّه ما عشت ريشاوبخوف بتّ ثم تقيل
ثم لا أنقفت في العشّ فرخاأبدا إلا عليك دليل
حين تنبى أنّ هندا قريبيبلغ الحاجات منها الرسول
ونأت هند فخبّرت عنهاأن عهد الودّ سوف يزول
ومنها:
صوت
حيّ التي أقصى فؤادك حلّتعلمت بأنك عاشق فأدلّت
وإذا رأتك تقلقلت أحشاؤهاشوقا إليك فأكثرت وأقلّت
وإذا دخلت فأغلقت أبوابهاعزم الغيور حجابها فاعتلّت
وإذا خرجت بكت عليك صبابةحتى تبلّ دموعها ما بلّت
إن كنت يا وضّاح زرت فمرحبارحبت عليك بلادنا وأظلّت
الغناء لابن سريج رمل بالوسطى عن عمرو. وفيها ليحيى المكيّ ثاني ثقيل بالوسطى، من كتابه. ولابنه أحمد فيها هزج. وذكر حبش أن ليحيى فيها أيضا خفيف ثقيل.
ومنها:
صوت
أتعرف أطلالا بميسرة اللّوىإلى أرعب قد حالفتك به الصّبا
فأهلا وسهلا بالتي حلّ حبّهافؤادي وحلّت دار شحط من النّوى
- الغناء فيه هزج يمنيّ بالبنصر عن ابن المكيّ - وهذه أبيات يقولها لأخيه سماعة، وقد عتب عليه في بعض الأمور. وفيها يقول:
أبادر درنوك الأمير وقربهلأذكر في أهل الكرامة والنّهى
وأتّبع القصّاص كلّ عشيّةرجاء ثواب اللّه في عدد الخطا
وأمست بقصر يضرب الماء سورهوأصبحت في صنعاء ألتمس النّدى
فمن مبلغ عنّي سماعة ناهيافإن شئت فاقطعنا كما يقطع السّلى
وإن شئت وصل الرّحم في غير حيلةفعلنا وقلنا للذي تشتهي بلى
وإن شئت صرما للتفرّق والنّوىفبعدا، أدام اللّه تفرقة النّوى
ومنها:
صوت
طرق الخيال فمرحبا ألفابالشاغفات قلوبنا شغفا
ولقد يقول لي الطبيب ومانبّأته من شأننا حرفا:
إني لأحسب أنّ داءك ذامن ذي دمالج يخضب الكفّا
إني أنا الوضّاح إن تصليأحسن بك التشبيب والوصفا
شطّت فشفّ القلب ذكركهاودنت فما بذلت لنا عرفا
ومنها:
صوت
- ويروى لبشّار -:
يا مرحبا ألفا وألفابالكاسرات إليّ طرفا
رجح الرّوادف كالظّباتعرّضت حوّا ووطفا
أنكرن مركبي الحماروكنّ لا ينكرن طرفا
وسألنني أين الشباب فقلت بان وكان حلفا
أفنى شبابي فانقضىحلف النساء تبعن حلفا
أعطيتهنّ مودّتيفجزينني كذبا وخلفا
وقصائد مثل الرّقىأرسلتهن فكنّ شغفا
أوجعن كلّ مغازلوعصفن بالغيران عصفا
من كل لذّات الفتىقد نلت نائلة وعرفا
صدت الأوانس كالدّمىوسقيتهنّ الخمر صرفا
ومنها: - وهذه القصيدة تجمع نسيبه بمن ذكر وفخره بأبيه وجدّه أبي جمد -.
صوت
أغنّى على بيضاء تنكلّ عن بردوتمشي على هون كمشية ذي الحرد
وتلبس من بزّ العراق مناصفاوأبراد عصب من مهلهلة الجند
إذا قلت يوما نوّليني تبسّمتوقالت لعمر اللّه لو أنه اقتصد
سموت إليها بعد ما نام بعلهاوقد وسّدته الكفّ في ليلة الصّرد
أشارت بطرف العين أهلا ومرحباستعطى الذي تهوى على رغم من حسد
ألست ترى من حولنا من عدوّناوكل غلام شامخ الأنف قد مرد
فقلت لها إني امرؤ فاعلمنّهإذا ما أخذت السيف لم أحفل العدد
بنى لي إسماعيل مجدا مؤثّلاوعبد كلال قبله وأبو جمد
تطيف علينا قهوة في زجاجةتريك جبان القوم أمضى من الأسد
ومنها:
صوت
يأيها القلب بعض ما تجدقد يعشق القلب ثم يتّئد
قد يكتم المرء حبّه حقباوهو عميد وقلبه كمد
ماذا تراعون من فتى غزلقد تيّمته خمصانة رؤد
يهدّدوني كيما أخافهمهيهات أنّى يهدّد الأسد
ومنها:
صوت
صدع البين والتفرّق قلبيوتولّت أمّ البنين بلبّي
ثوت النفس في الحمول لديهاوتولّى بالجسم منّي صحبي
ولقد قلت والمدامع تجريبدموع كأنها فيض غرب
جزعا للفراق يوم تولّت:حسبي اللّه ذو المعارج حسبي
ومنها:
صوت
يابنة الواحد جودي فماإن تصرميني فبما أو لما
جودي علينا اليوم أو بيّنيفيم قتلت الرجل المسلما
إني وأيدي قلص ضمّروكلّ خرق ورد الموسما
ما علّق القلب كتعليقهاواضعة كفّا علت معصما
ربّة محراب إذا جئتهالم ألقها أو ارتقي سلّما
إخوتها أربعة كلّهمينفون عنها الفارس المعلما
كيف أرجّيها ومن دونهابوّاب سوء يعجل المشتما
أسود هتّاك لأعراض منمرّ على الأبواب أو سلّما
لا منّة أعلم كانت لهاعندي ولا تطلب فينا دما
بل هي لمّا أن رأت عاشقاصبّا رمته اليوم فيمن رمى
لمّا ارتمينا ورأت أنّهاقد أثبتت في قلبه أسهما
أعجبها ذاك فأبدت لهسنّتها البيضاء والمعصما
قامت تراءى لي على قصرهابين جوار خرّد كالدّمى
وتعقد المرط على جسرةمثل كثيب الرمل أو أعظما
ومنها:
صوت
دعاك من شوقك الدّواعيوأنت وضّاح ذو أتباع
دعتك ميّالة لعوبأسيلة الخد باللّماع
دلالك الحلو والمشهّيوليس سرّيك بالمضاع
لا أمنع النفس عن هواهاوكلّ شيء إلى انقطاع
ومنها:
صوت
ألا يا لقومي أطلقوا غلّ مرتهنومنّوا على مستشعر الهمّ والحزن
تذكّر سلمى وهي نازحة فحنّوهل تنفع الذكرى إذا اغترب الوطن
ألم ترها صفراء رؤدا شبابهاأسيلة مجرى الدمع كالشّادن الأغنّ
وأبصرت سلمى بين بردي مراجلوأراد عصب من مهلهلة اليمن
فقلت لها لا ترتقي السطح إننيأخاف عليكم كلّ ذي لمّة حسن
الغناء لابن سريج، وله في هذا الشعر لحنان: ثقيل أوّل بالبنصر عن عمرو، ورمل بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وأوّل الرمل قوله:
ألا يا لقومي أطلقوا غلّ مرتهن
وأوّل الثقيل الأوّل: «تذكّر سلمى». وفي هذه الأبيات هزج يمنيّ بالبنصر.
ومنها:
صوت
أغدوت أم في الرائحين تروحأم أنت من ذكر الحسان صحيح
إذ قالت الحسناء ما لصديقنارثّ الثياب وإنه لمليح
لا تسألنّ عن الثياب فإننييوم اللقاء على الكماة مشيح
أرمي وأطعن ثم أتبع ضربةتدع النساء على الرجال تنوح
صوت من المائة المختارة
يا صاح إني قد حججت وزرت بيت المقدس
وأتيت لدّا عامدافي عيد مريا سرجس
فرأيت فيه نسوةمثل الظباء الكنّس
الشعر والغناء للمعلّى بن طريف مولى المهديّ. ولحنه المختار خفيف رمل بالبنصر. وكان المعلّى بن طريف وأخوه ليث مملوكين مولّدين من مولّدي الكوفة لرجل من أهلها، فاشتراهما عليّ بن سليمان وأهداهما إلى المنصور، فوهبهما المنصور للمهديّ فأعتقهما. ونهر المعلّى وربض المعلّى ببغداد منسوب إلى المعلّى - هكذا ذكر ذلك ابن خرداذبه - وكان ضاربا محسنا طيّب الصوت حسن الأداء صالح الصنعة، أخذ الغناء عن إبراهيم وابن جامع وحكم الوادي. وولّي أخوه ليث السّند، وولّي هو الطّراز والبريد بخراسان، وقاتل يوسف البرم فهزمه، ثم ولّي الأهواز بعد ذلك. فقال فيه بعض الشعراء يمدحه ويمدح أخاه اللّيث ويهجو عليّ بن صالح صاحب المصلّى:
يا عليّ بن صالح ذا المصلّىأنت تفدي ليثا وتفدي المعلّى
سدّ ليث ثغرا وولّيت فاختنت فبئس المولى وبئس المولّى
وعليّ بن سليمان هذا الذي أهدى المعلّى وأخاه إلى المهديّ هو الذي يقول فيه أبو دلامة زند بن الجون الأسديّ؛ وكان خرج مع المهديّ إلى الصيد، فرمى المهديّ وعليّ بن سليمان ظبيا سنح لهما، وقد أرسلت عليه الكلاب، بسهمين، فأصاب المهدي الظبي وأصاب عليّ بن سليمان الكلب فقتلاهما. فقال أبو دلامة:
قد رمى المهديّ ظبياشكّ بالسهم فؤاده
وعليّ بن سليمان رمى كلبا فصاده
فهنيئا لهما كلّامرىء يأكل زاده
حدّثنا بذلك الحسن بن عليّ عن أحمد بن زهير عن مصعب، وعن أحمد بن سعيد عن الزّبير بن بكّار عن عمّه.
صوت من المائة المختارة
ألا طرد الهوى عنّي رقاديفحسبي ما لقيت من السّهاد
لعبدة إنّ عبدة تيّمتنيوحلّت من فؤادي في السّواد
الشعر لبشّار. والغناء المختار في هذين البيتين هزج خفيف بالبنصر، ذكر يحيى بن عليّ أنه يمنيّ، وذكر الهشاميّ أنه لسليم.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع