من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار بشّار وعبدة خاصة إذ كانت أخباره سوى هذه تقدّمت
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
حدّثني محمد بن خلف وكيع قال حدّثنا أبو أيوب المديني عمن حدّثه عن الأصمعيّ هكذا قال، وأخبرني به عمّي عن عبد اللّه بن أبي سعد عن عليّ بن مسرور عن الأصمعيّ قال: كان لبشّار مجلس يجلس فيه يقال له البردان. فبينا هو في مجلسه ذات يوم وكان النساء يحضرنه، إذ سمع كلام امرأة يقال لها عبدة في المجلس، فدعا غلامه فقال: إني قد علّقت امرأة، فإذا تكلمت فانظر من هي واعرفها، فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلّمها وأعلمها أنّي لها محبّ وأنشدها هذه الأبيات وعرّفها أني قلتها فيها:
صوت
قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهمالأذن كالعين توفي القلب ما كانا
ما كنت أوّل مشغوف بجاريةيلقى بلقيانها روحا وريحانا
- ويروى: هل من دواء لمشغوف بجارية -:
يا قوم أذني لبعض الحيّ عاشقةوالأذن تعشق قبل العين أحيانا
- غنّى إبراهيم في هذه الأبيات ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق. وفيها لسياط ثقيل أول بالوسطى، عن عمرو. وفيها لإسحاق هزج من جامع أغانيه - قال: فأبلغها الغلام الأبيات، فهشّت لها، وكانت تزوره مع نسوة يصحبنها فيأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن يحدّثها وينشدها ولا تطمعه في نفسها. قال: وقال فيها:
قالت عقيل بن كعب إذ تعلّقهاقلبي فأضحى به من حبّها أثر
أنّى ولم ترها تهذي! فقلت لهمإن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
أصبحت كالحائم الحرّان مجتنبالم يقض وردا ولا يرجى له صدر
قال: وقال فيها أيضا - وهو من جيّد ما قال فيها -:
يزهّدني في حبّ عبدة معشرقلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضىفبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحبّ
فما تبصر العينان في موضع الهوىولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وما الحسن إلا كلّ حسن دعا الصّباوألّف بين العشق والعاشق الصبّ
قال: وقال فيها:
يا قلب مالي أراك لا تقرإياك أعني وعندك الخبر
أضعت بين الألى مضوا حرقاأم ضاع ما استودعوك إذ بكروا؟
فقال بعض الحديث يشغفنيوالقلب راء ما لا يرى البصر
وأخبرني بهذا الخبر أبو الحسن أحمد بن محمد الأسديّ قال حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال حدّثنا خالد بن يزيد بن وهب عن جرير عن أبيه بمثل هذه القصة، وزاد فيها: أنّ عبدة جاءت إليه في نسوة خمس قد مات لإحداهن قريب فسألنه أن يقول شعرا ينحن عليه به، فوافينه وقد احتجم - وكان له مجلسان: مجلس يجلس فيه غدوة يسميه «البردان» ومجلس يجلس فيه عشيّة يسميه «الرّقيق» - وهو جالس في البردان وقد قال لغلامه: أمسك عليّ بابي واطبخ لي وهيّىء طعامي وطيّبه وصفّ نبيذي.
قال: فإنه لكذلك إذا قرع الباب عليه قرعا عنيفا؛ فقال: ويحك يا غلام! انظر من يدقّ الباب دقّ الشّرط؛ فنظر الغلام وجاءه فقال: خمس نسوة بالباب يسألنك أن تقول شعرا ينحن فيه؛ فقال: أدخلهنّ. فلما دخلن نظرن إلى النبيذ مصفّى في قنانيّه؛ في جانب بيته فقالت إحداهن: خمر؛ وقالت الأخرى: زبيب؛ وقالت الأخرى: معسّل. فقال: لست بقائل لكنّ حرفا أو تطعمن من طعامي وتشربن من شرابي. فتماسكن ساعة، وقالت إحداهن: فما عليكنّ من ذلك! هذا أعمى، كلن من طعامه واشربن من شرابه وخذن شعره، ففعلن. وبلغ ذلك الحسن البصري فعابه وهتف به. فبلغ ذلك بشّارا، وكان الحسن يلقّب القسّ، فقال فيه بشّار:
لمّا طلعن من الرّقيق عليّ بالبردان خمسا
وكأنهنّ أهلّةتحت الثياب زففن شمسا
باكرن طيب لطيمةرعمسن في الجاديّ عمسا
فسألنني من في البيوت فقلت ما يحوين إنسا
ليت العيون الناظرات طمسن عنّا اليوم طمسا
فأصبن من طرف الحديث لذاذة وخرجن ملسا
لو لا تعرّضهن لييا قسّ كنت كأنت قسّا
أخبرني الأسديّ ويحيى بن عليّ بن يحيى ومحمد بن عمران الصّيرفي قالوا حدّثنا العنزيّ قال حدّثنا علي بن محمد عن جعفر بن محمد النّوفليّ قال: أتيت بشارا ذات يوم، فقال لي: ما شعرت منذ أيام إلا بقارع يقرع بابي مع الصبح؛ فقلت: يا جارية، انظري من هذا؛ فقالت: مالك بن دينار؛ فقلت: مالي ولمالك بن دينار! ما هو من أشكالي! ائذني له. فدخل فقال لي: يا أبا معاذ، أتشتم أعراض الناس وتشبّب بنسائهم! فلم يكن عندي إلا دفعه عن نفسي بأن قلت: لا أعاود؛ فخرج من عندي. وقلت في إثره:
غدا مالك بملاماتهعليّ وما بات من باليه
فقلت دع اللوم في حبّهافقبلك أعييت عذّ اليه
وإنّي لأكتمهم سرّهاغداة تقول لها الجاليه
أعبدة مالك مسلوبةوكنت مقرطقة حاليه
فقالت على رقبة: إننيرهنت المرعّث خلخاليه
بمجلس يوم سأوفي بهوإن أنكر الناس أحواليه
أخبرني وكيع قال حدّثني عمرو بن محمد بن عبد الملك قال حدّثني الحسن بن جهور قال حدّثني هشام بن الأحنف، راوية بشار، قال: إني لعند بشّار ذات يوم إذ أتته امرأة فقالت: يا أبا معاذ، عبدة تقرئك السلام وتقول لك: قد اشتدّ شوقنا إليك ولم نرك منذ أيام؛ فقال: عن غير مقلية واللّه كان ذاك. ثم قال لراويته: يا هشام، خذ الرقعة واكتب فيها ما أقول لك ثم ادفعه للرسول. قال هشام: فأملى عليّ:
عبد إنّي إليك بالأشواقلتلاق وكيف لي بالتلاقي
أنا واللّه أشتهي سحر عينيك وأخشى مصارع العشّاق
وأهاب الحرسيّ محتسب الجند يلفّ البرىء بالفسّاق
ومما يغني فيه من شعر بشار في عبدة قوله:
صوت
لعبدة دار ما تكلّمنا الدارتلوح مغانيها كما لاح أسطار
أسائل أحجارا ونؤيا مهدّماوكيف يجيب القول نؤي وأحجار
وما كلّمتني دارها إذ سألتهاوفي كبدي كالنّفط شبّت به النار
وعند مغاني دارها لو تكلّمتلمكتئب بادي الصّبابة أخبار
الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لابن جامع ثقيل أوّل عن الهشامي. ومن هذه القصيدة:
صوت
تحمّل جيراني فعيني لبينهمتفيض بتهتان إذا لاحت الدار
بكيت على من كنت أحظى بقربهوحقّ الذي حاذرت بالأمس إذ ساروا
الغناء ليحيى المكّيّ ثقيل أوّل بالبنصر.
ومن الأغاني في شعره في عبدة:
صوت
مسّني من صدود عبدة ضرّفبنات الفؤاد ما تستقرّ
ذاك شيء في القلب من حبّ عبدة باد وباطن يستسرّ
الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لإسحاق رمل بالبنصر عن عمرو. وفيه لحكم ثقيل أوّل بالوسطى من جامع غنائه في كتاب إبراهيم. وفيه لفريدة خفيف ثقيل عن إسحاق. وفيه ليحيى المكّيّ ثقيل أوّل من كتابه. وفيه لحسين بن محرز رمل عن الهشامي.
ومنها:
صوت
يا عبد إني قد ظلمت وإننيمبد مقالة راغب أو راهب
وأتوب مما تكرهين لتقبليواللّه يقبل حسن فعل التائب
الغناء لحكم خفيف ثقيل عن إسحاق. وفيه ليحيى المكيّ ثقيل أوّل من كتابه. وفيه لحسين بن محرز رمل عن الهشامي.
ومنها:
صوت
يا عبد حبّك شفّني شفّاوالحبّ داء يورث الحتفا
والحبّ يخفيه المحبّ، لكيلا يستراب به، وما يخفى
الغناء لسياط خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.
ومنها:
صوت
يا عبد باللّه فرّجي كربيفقد براني وشفّني نصبي
وضقت ذرعا بما كلفت بهمن حبّكم والمحبّ في تعب
ففرّجي كربة شجيت بهاوحرّ حزن في الصدر كاللّهب
ولا تظنّي ما أشتكي لعباهيهات قد جلّ ذا عن اللعب
غنّاه سياط ثقيلا أوّل بالبنصر عن عمرو.
ومنها:
صوت
يا عبد زوريني تكن منّةللّه عندي يوم ألقاك
واللّه ثمّ اللّه فاستيقنيإني لأرجوك وأخشاك
يا عبد إني هالك مدنفإن لم أذق برد ثناياك
فلا تردّي عاشقا مدنفايرضى بهذا القدر من ذاك
الغناء لحكم هزج خفيف بالسبّابة في مجرى البنصر عن إسحاق.
ومنها:
صوت
يا عبد قد طال المطال فأنعميواشفي فؤاد فتى يهيم متيّم
الغناء ليزيد حوراء غير مجنّس عن إبراهيم.
ومنها:
صوت
يا عبد هل للّقاء من سببأو لا فأدعو بالويل والحرب
الغناء ليزيد حوراء غير مجنّس.
ومنها:
صوت
يا عبد هل لي منكم من عائدأم هل لديك صلاح قلب فاسد
الغناء لابن عبّاد عن إبراهيم غير مجنّس.
ومنها:
صوت
يا عبد حيّي عن قريبوتأمّلي عين الرقيب
وارعي ودادي غائبافلقد رعيتك في المغيب
أشكو إليك وإنّمايشكو المحبّ إلى الحبيب
غرضي إليك من الهوىغرض المريض إلى الطبيب
الغناء لحكم مطلق في مجرى البنصر.
ومنها:
صوت
يا عبد باللّه ارحمي عبدكوعلّليه بمنى وعدك
يصبح مكروبا ويمسي بهوليس يدري ما له عندك
ماذا تقولين لربّ العلاإذا تخلّيت به وحدك
الغناء لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه لإسحاق هزج من جامع أغانيه. وفيه ليزيد حوراء لحن ذكره إبراهيم ولم يجنّسه. وذكر حبش أنّ الثقيل الثاني لسياط.
ومنها:
صوت
يا عبد جلّي كروبيوأسعفي وأثيبي
فقد تطاول همّيوزفرتي ونحيى
الغناء لابن سكّرة عن إبراهيم ولم يجنّسه.
ومنها:
صوت
يا عبد أنت ذخيرتينفسي فدتك وجيرتي
اللّه يعلم فيكميا عبد حسن سريرتي
نفسي لنفسك خلّةوكذاك أنت أميرتي
الغناء لحكم الوادي خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو.
ومنها:
صوت
يا عبد حبّي لك مستوروكلّ حبّ غيره زور
إن كان هجري سرّكم فاهجرواإنّي بما سرّك مسرور
الغناء لحكم هزج بالوسطى عن ابن المكيّ.
ومنها:
صوت
لم يطل ليلي ولكن لم أنمونفى عنّي الكرى طيف ألمّ
وإذا قلت لها جودي لناخرجت بالصمت عن لا ونعم
رفّهي يا عبد عنّي واعلميأنّني يا عبد من لحم ودم
إن في بردي جسما ناحلالو توكأت عليه لا نهدم
ختم الحبّ لها في عنقيموضع الخاتم من أهل الذمم
الغناء لحكم هزج بالسبّابة والوسطى عن ابن المكيّ. وذكره إسحاق في هذه الطريقة فلم ينسبه إلى أحد. وفيه لعثعث الأسود خفيف رمل في الأول والخامس. وكان بشّار ينكر هذا البيت الأخير وهو:
ختم الحب لها في عنقي
أخبرني عمّي قال حدّثنا الكرانيّ قال حدّثني أبو حاتم السّجستانيّ قال حدّثني من أنشد بشارا قوله:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم
حتى بلغ إلى قوله:
ختم الحبّ لها في عنقيموضع الخاتم من أهل الذمم
فقال بشار: عمّن أخذت هذا؟ قلت: عن راويتك فلان؛ فقال: قبّحه اللّه! واللّه ما قلت هذا البيت قطّ، أما ترى إلى أثره فيه! ما أقبحه وأشدّ تميّزه عنّي! فقال له بعض من حضر: نعم، هو ألحقه بالأبيات.
ومنها:
صوت
عبد إنّي قد اعترفت بذنبيفاغفري واعركي خطاي بجنب
عبد لا صبر لي ولست - فمهلا -قائلا قد عتبت في غير عتب
ولقد قلت حين أنصبني الحب فأبلى جسمي وعذب قلبي
ربّ لا صبر لي على الهجر حسبيأقلني حسبي لك الحمد حسبي
الغناء لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لسليم هزج من كتاب ابن المكيّ.
ومنها:
صوت
عبد منّى وأنعمىقد ملكتم قياديه
شاب رأسي ولم تشبابلائي لداتيه
الغناء لسياط خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لعريب هزج.
ومنها:
صوت
عبد يا همّتي عليك السلامفيم يجفى حبيبك المستهام
نزل الحبّ منزلا في فؤاديوله فيه مجلس ومقام
الغناء لأبي زكّار خفيف رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لعريب هزج.
ومنها:
صوت
عبد يا قرّة عينيأنصفي، روحي فداك
عاشق ليس له ذكر ولا همّ سواك
الغناء لعريب هزج. وفيه لحن ليزيد حوراء غير مجنّس.
ومنها:
صوت
يا عبد يا جافية قاطعهأما رحمت المقلة الدامعه
يا عبد خافي اللّه في عاشقيهواك حتى تقع الواقعه
الغناء لأبي زكّار هزج بالبنصر عن عمرو.
صوت من المائة المختارة
أرسلت أمّ جعفر لا تزورليت شعري بالغيب من ذا دهاها
أأتاها محرّش بنميمكاذب ما أراد إلا رداها
روضه من الخفيف - الشعر للأحوص. والغناء لأمّ جعفر المدنيّة مولاة عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب. ولحنه من الثقيل الأوّل في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنّ فيه لحنا من الثقيل الأوّل بالبنصر، فلا أعلم أهذا يعني أم غيره. وفيه لابن سريج ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها عن يحيى المكّيّ وإسحاق. وفيه لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو والهشاميّ.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع