من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار مروان بن أبي حفصة الأصغر
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو مروان بن أبي الجنوب بن مروان الأكبر بن أبي حفصة. قد تقدّم خبره ونسبه، ويكنى مروان الأصغر أبا السّمط، وكان يتشبّه بجدّه في شعره، ويمدح المتوكل، ويتقرب إليه بهجاء آل أبي طالب، فتمكّن منه وقرب إليه، وكسب معه مالا كثيرا، فلما أفضت الخلافة إلى المنتصر تجنّب مذهب أبيه في كل أمر، فطرده وحلف ألّا يدخل إليه أبدا لما كان يسمعه منه في أمير المؤمنين عليّ رضي اللّه عنه.
فأخبرني محمد بن عمران الصيرفي وعمّي قالا: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ قال: حدّثني محمد بن عبد اللّه بن آدم العبديّ قال: دخل مروان بن أبي الجنوب على المتوكل فأنشده قوله:
سلام على جمل وهيهات من جملويا حبّذا جمل وإن صرمت حبلي
وهي من مشهور شعره، وفيها يقول:
أبوكم عليّ كان أفضل منكمأباه ذوو الشورى وكانوا ذوي عدل
وساء رسول اللّه إذ ساء بنتهبخطبته بنت اللعين أبي جهل
أراد على بنت النبيّ تزوّجاببنت عدو اللّه، يا لك من فعل!
فذمّ رسول اللّه صهر أبيكمعلى منبر الإسلام بالمنطق الفصل
وحكّم فيها حاكمين أبوكمهما خلعاه خلع ذي النّعل للنّعل
وقد باعها من بعده الحسن ابنهفقد أبطلا دعواكما الرّثّة الحبل
وخلّيتموها وهي في غير أهلهاطالبتموها حيث صارت إلى الأهل
فوهب له المتوكل مائة ألف درهم.
وقال محمد بن داود بن الجرّاح: حدّثني محمد بن القاسم قال: حدّثني أبو هاشم الجبّائي، قال: دخل أبو السّمط على المتوكل فأنشده قوله:
الصّهر ليس بوارثوالبنت لا ترث الإمامه
لو كان حقكم لهمقامت على الناس القيامه
أصبحت بين محبّكموالمبغضين لكم علامه
فحشا المتوكّل فمه بجوهر لا يدرى ما قيمته.
وحدّثني أحمد بن جعفر جحظة قال: أنشد أبو السّمط المتوكل قوله:
إني نزلت بساحة المتوكلونزلت في أقصى ديار الموصل
فقال الفتح بن خاقان: فإذا كانا متباعدين هكذا فمن كان الرسول؟
فقال أبو العنبس الصيّمريّ: كانت له طيور هدّى تحمل إليها كتبه، فضحك المتوكل حتى ضرب برجله الأرض وأجزل صلة الصّيمري ولم يعط أبا السّمط شيئا، فماتا متهاجرين.
أخبرني عمي والحسن بن علي قالا: حدّثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثنا حمّاد بن أحمد البنيّ قال: أخبرني أبو السّمط مروان بن أبي الجنوب قال: لما صرت إلى المتوكل على اللّه ومدحته ومدحت ولاة العهود الثلاثة، وأنشدته ذلك في قولي:
سقى اللّه نجدا والسّلام على نجدويا حبذا نجد على النّأي والبعد
نظرت إلى نجد وبغداد دونهالعليّ أرى نجدا وهيهات من نجد!
بلاد بها قوم هواهم زيارتيولا شيء أشهى من زيارتهم عندي
فلما استتممتها أمر لي بمائة ألف درهم وخمسين ثوبا من خاص ثيابه.
أخبرني عليّ بن أبي العباس بن أبي طلحة قال: حدّثني إبراهيم بن محمد أبو إسحاق قال: حدّثني خالد بن يزيد الكاتب قال: دعاني المتوكل ليلة وقد غنّى بين يديه عمر الطنبوري في قولي:
يا مقلتيّ قتلتمانيفبقيت رحمة من يراني
من ذا ألوم وأنتمابيد الهوى أسلمتماني
قال: ولم يغنّه البيت الثالث، وهو:
لعبت بنا أيدي الخطوب وغالنا ريب الزمان
كراهة أن يتطيّر منه، فجعل ينظر إليّ وأنا واقف، ثم قال لي: ويلك يا خالد، تهرب منا ونحن نطلبك، وأنت في غيابات صبواتك وغزلك. يا غلام اسقه ثلاثة أقداح في القدح المبرم - وهو الذي لا قرار له، فإذا أخذه الإنسان لم يقدر أن يضعه من يده - فقلت:
سيدي لا تسقنيأكثر من رطل نبيذ
إنّ شربي للّذييؤلمني غير لذيذ
فقال: يا غلام، إن لم يشرب فاصفعه، فقلت:
سيدي حوصلتي ضيّقة عن شرب رطل
فمتى زدت عليهخفت أن يذهب عقلي
فقال الفتح: هو كما قال يا سيّدي لا يطيق الشرب.
وحضر ابن أبي حفصة، فقال لنا المتوكل: قولا على البديهة، فقلت له: هو يا سيدي شيخ الشعراء ومادحك، وآباؤه مدّاح آبائك، فأنشأ يقول:
يا ليت لي ألف عينعيناي لا تكفيان
فقلت له: سخنت عينك، أنا لي عين واحدة أدعو اللّه عليها بالعمى منذ ستين سنة، أقول:
يا عين أنت بليتنيفأراحني الرحمن منك
وأنت تتمنى ألف عين. ثم قال لي المتوكل: اهجه، فقلت: إن الرجل لم يعرض لي، فأقبل هو عليّ وقال: قل ما شئت، وما عسى أن تقول؟ فقلت:
زاد البرد يومينفقال الناس: ما القصّه!
فقلنا: أنشدونا شعر مروان بن أبي حفصه
فتى من شهوة النّيكبحلقوم استه غصّه
ولو يرمى ببطّيخلوافى دبره رصّه
قال: فضحك المتوكل حتى صفق برجليه الأرض، وأفحم مروان، ثم أمر لي بجائزة فأخذتها وانصرفت.
قال ابن أبي طاهر: حدّثني مروان بن أبي الجنوب قال: لما استخلف المتوكل بعثت إلى ابن أبي دواد بقصيدة مدحته فيها وذكرت فيها ابن الزيات ببيتين وهما:
وقيل لي: الزيات لاقي حمامهفقلت: أتاني اللّه بالفتح والنصر
لقد حفر الزيات بالبغي حفرةفألقاه فيها اللّه بالكفر والغدر
قال: فذكرني ابن أبي دواد للمتوكل، فأمر بإحضاري، فقيل له: نفاه الواثق إلى اليمامة، وذلك لميله إليك.
فقال: يحمل، فقال له ابن أبي دواد: عليه ستة آلاف دينار دين، فقال: يكتب له بها إلى عامل اليمامة، فكتب لي بها وبالحملان والمعونة، فقدمت عليه وأنشدته قولي:
صوت
رحل الشباب وليته لم يرحلوالشيب حلّ وليته لم يحلل
فلما بلغت إلى هذا البيت:
كانت خلافة جعفر كنبوّةجاءت بلا طلب ولا بتمحّل
وهب الإله لك الخلافة مثل ماوهب النبوّة للنبيّ المرسل
فأمر لي بخمسين ألف درهم.
وفي أول هذه القصيدة لعريب ثاني ثقيل بالوسطى.
والصوت المذكور في أول هذه الأخبار من قصيدة قالها أبو السّمط في المنتصر لمّا ولي الخلافة.
أخبرني بخبره فيها جماعة من أصحابنا، منهم محمد بن جعفر النحويّ صهر المبرد، والحسن بن عليّ قالا: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثني القاسم بن محمد الكاتب قال: حدّثني المرزبان بن الفروران حاجب المنتصر قال: إن مروان بن أبي حفصة الأصغر المكنى أبا السّمط استأذن على المنتصر لمّا ولي الخلافة، فقال: واللّه لا أذنت للكافر ابن الزّانية، أليس هو القائل:
وحكّم فيها حاكمين أبوكمهما خلعاه خلع ذي النّعل للنّعل
قولوا له: واللّه لا وصلت إليّ أبدا، فلما بلغه هذا القول عمل هذا الشّعر:
لقد طال عهدي بالإمام محمدوما كنت أخشى أن يطول به عهدي
وذكر الأبيات كلها.
قال: وسأل بنان بن عمرو، فصنع فيه لحنا وغنى به المنتصر، فلما سمعه سأل عن قائلها، فأخبرته، فقال: أما الوصول إليّ فلا سبيل إليه، ولكن أعطوه عشرة آلاف درهم يتحمل بها إلى اليمامة.
أخبرني عليّ بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال: حدّثني جعفر بن هارون بن زياد قال: حدّثني أحمد بن الفضل الكاتب قال: لما قال عليّ بن الجهم هذه القصيدة في المتوكل:
اغتنم جدّة الزّمان الجديدواجعل المهرجان أيمن عيد
أنشدها وأبو السمط بن أبي حفصة حاضر، فغمزه المتوكل على عليّ بن الجهم وأمره أن يعنته. فقال له: يا عليّ، أخبرني عن قولك:
واجعل المهرجان أيمن عيد
المهرجان عيد أم يوم لهو، إنما العيد ما تعبّد اللّه به الناس مثل الفطر والأضحى والجمعة وأيام التشريق.
فأما المهرجان والنيروز فإنما هما أعياد المجوس، لا يجوز أن يقال لخليفة اللّه في عباده وخليفة رسول اللّه في أمته: اجعل المهرجان عيدا.
فلم يلتفت إليه وأنشد حتى بلغ قوله:
نحن أشياعكم من آل خراسان أولو قوّة وبأس شديد
نحن أبناء هذه الخرق السّود وأهل التّشيّع المحمود
فقال له مروان: لو كنتم من أهل التّشيّع المحمود ما قتل قحطبة جدّك وصلبه في عداوة بني العباس. فقال له المتوكل: ويلك، أقتل قحطبة جدّك؟ قال: لا واللّه يا أمير المؤمنين. فأقبل على محمد بن عبد اللّه بن طاهر، فقال له: بحياتي الأمر كما قال مروان؟ فقال له محمد: وإن كان كما قال، فأيّ ذنب لعليّ بن الجهم؟ قد قتل اللّه أعداءكم وأبقى أولياءكم. فضحك المتوكل وقال: شهدت واللّه بها عليه، فقال مروان في ذلك:
غضب ابن الجهم من قولي لهإنّ في الحق لقوم مغضبه
يا بن جهم كيف تهوى معشراصلبوا جدّك فوق الخشبه؟
يا إمام العدل نصحي لكمنصح حقّ غير نصح الكذبه
إن جدّي من رفعتم ذكرهبكرامات لشكري موجبه
وابن جهم من قتلتم جدّهوتولّى ذاك منه قحطبه
فخراسان رأت شيعتكمأنّه أهل لضرب الرّقبه
أتراه بعدها ينصحكملا وربّ الكعبة المحتجبه
أخبرني عليّ بن العباس بن أبي طلحة قال: حدّثني جعفر بن هارون قال: حدّثني أحمد بن حمدون بن إسماعيل قال: بلغ المتوكل أنّ عليّ بن الجهم خطب امرأة من قريش فلم يزوّجوه، فسأل عن السبب في ذلك وعن قصته، وعن نسب سامة بن لؤي، فحدّث بها، ثم انتهى حديثهم بأنّ أبا بكر وعمر رضي اللّه عنهما لم يدخلاهم في قريش، وأن عثمان رضي اللّه عنه أدخلهم فيه، وأن عليّا رضي اللّه عنه أخرجهم منه، فارتدّوا مع الحارث، وأنه قتل من ارتد منهم، وسبى بقيتهم، وباعهم من مصقلة بن هبيرة. فضحك المتوكل، وبعث إلى عليّ بن الجهم فأخبره بما قال القوم فأنكر ذلك وقال. هذه الدعوى من الرافضة، وشتم القوم. وكان منهم أبو السّمط فقال له:
إنّ جهما حين تنسبهليس من عجم ولا عرب
لجّ في شتمي بلا سببسارق للشّعر والنّسب
من أناس يدّعون أباما له في الأرض من عقب
فغضب عليّ بن الجهم ولم يجبه؛ لأنه كان يحتقره ويستركّه، وأومأ إليه المتوكل أن يزيده فقال:
أأنتم من قريش يا بن جهموقد باعوكم في من يزيد
أترجو أن تكاثرنا جهارابنسبتكم وقد بيع الجدود؟
قال: وما زال مروان يهجو عليّ بن الجهم فما أجابه عن شيء من شعره أنفة منه.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعيّ قال: حدّثنا إسحاق بن محمد النخعيّ قال: حدّثني الجمّاز أبو عبد اللّه قال: دخل مروان الأصغر على أحمد بن أبي دواد وقد أصابه الفالج وتماثل قليلا، فأنشده:
لسان أحمد سيف مسّه طبعمن علّة فجلاه عنه جاليها
ما ضرّ أحمد باقي علّة درستواللّه يذهب عنه رسم باقيها
قد كان موسى على علّات منطقهرسائل اللّه إذ جاءت يؤدّيها
موسى بن عمران لم ينقص نبوّتهضعف اللسان وقدما كان يمضيها
فوصله أحمد رحمه اللّه تعالى واعتذر إليه.
أخبرني عمي قال: حدّثني متوّج قال: قال أبو السمط: دخلت على عبد اللّه بن طاهر فقال: إني تذكرت في ليلتي هذه ذا اليمينين، فبت أرقا حزينا باكيا، فارثه في مقامك هذا بأبيات تجعل لي طريقا إلى شفاء علّتي ولك حكمك، ففكرت هنيهة ثم قلت:
إنّ المكارم إذ تولّى طاهرقطع الزمان يمينها وشمالها
لو كافحته يد المنون مجاهرالاقت لوقع سيوفه آجالها
أرسى عماد خليفة في هاشمورمى عماد خلافة فأزالها
بكت الأعنّة والأسنّة طاهراولطالما روّى النّجيع نهالها
ليت المنون تجانبت عن طاهرولوت بذروة من تشاء حبالها
ما كنت لو سلمت يمينا طاهرأدري ولا أسل الحوادث مالها
فقال: أحسنت واللّه فاحتكم، فقلت له: خمسون ألف درهم أقضي منها دينا، وأصلح حالي، وأبتاع ضيعة تلاصق ضيعتي. فأمر لي بها وقال: ربحنا وخسرت، ولو لم تحتكم لزدتك، ولك عندنا عدّ وعدّ بعد عدّ.
صوت
لا تلمني أن أجزعاسيّدي قد تمنّعا
وابلائي إن كان مابيننا قد تقطّعا
إنّ موسى بفضلهجمّع الفضل أجمعا
الشعر ليوسف بن الصّيقل والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع